|
ونحن نتمنى أن تجدي لدينا جوابا مقنعا, وإن كان من واجبي مصارحتك أني كنت أتمنى لو
ذكرت إن كانت هي مشكلتك الشخصية أم مشكلة فتاة غيرك, وذلك لأني – وغيري من
المستشارين – بشر مثل غيرنا لذا فمن الطبيعي أن نتفاعل مع صاحب المشكلة الذي يحكيها
بنفسه أكثر من أن يرويها شخص بدلا عنها, ومع ذلك فبما أنها مشكلة عامة في مجتمعاتنا
العربية فلا بأس بتناولها من هذا الجانب العام للمجتمع لنرى انعكاساتها على الجانب
الخاص والعام من حياة الذكر والأنثى.
أساس مشكلة هذه الفتاة – وأمثالها من الفتيات- ثقافي تربوي يتلخص في تفضيل الذكر
على الأنثى, ولهذا التفضيل أسباب عدة بعضها يرجع إلى موروثات جاهلية حيث كان الذكر
هو حامي القبيلة وهو الذي يخوض الحروب سواء كانت حربا دفاعية عن القبيلة أو حربا
هجومية على القبائل الأخرى, ولذلك كان الذكر يرث كل شيء, حتى إنه كان يرث بعضَ
الإناث في العائلة في بعض القبائل الجاهلية كأن يرث أقرباء الميت نساءه بما فيهن
زوجاته, حتى لو كان الميت أباه, فيتزوج زوجة أبيه إن شاء, أو قد يسبق إلى المرأة من
يلقي عليها ثوبه فتصبح ملكه إن شاء تزوجها هو أو زوجّها لمن أراد وحاز على مهرها,
ناهيك عن وأد الأنثى الذي كان أيضا عادة في كثير من القبائل, وجاء الإسلام فنهى عن
كل العادات المجحفة بحق الأنثى ورفعها إلى مكانة بشرية مساوية للذكر في جميع الحقوق
إلا ما استثني بنص شرعي صريح , ففي المجتمع النبوي استطاعت المرأة أن تسأل كامل
حقوقها, وتستفهم عن كل ما ترى به إجحافا بحقها, وكان الوحي يتنزّل مجيباً عن
أسئلتها ويكفينا الآيات الأولى من سورة المجادلة كدليل على ذلك, ومن يقرأ كتب
التاريخ والسيرة الصحيحة يرى المكانة السامقة التي أعطاها الإسلام للمرأة, ومع ذلك
فإن المفاهيم الجاهلية عادت للمجتمعات الإسلامية بمجرد وفاة الرسول عليه الصلاة
والسلام, على سبيل المثال فإن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عندما ذكر حديث رسول
الله الذي يأمر بعدم منع النساء من الصلاة في المساجد فإذا بابنه يرد عليه
قائلا:والله لنمنعهن مفسرا سبب المنع لئلا يتخذنه دغلا, أي يتخذنه سببا للإساءة
إلى الزوج سواء بالخيانة أو غيرها, وفي تتمة الحديث أن عبد الله سب ابنه سبا شديدا
منكرا عليه فقال: أقول لك قال رسول الله وتقول: والله لنمنعنهن؟! وغضب من ابنه وبقي
لا يحدثه حتى مات, ومن هذا الكلام نستطيع أن نستنتج أن تعاليم الإسلام بخصوص المرأة
بدّلها بعض ذوي الغيرة المرضية كابن عبد الله بن عمر, وعلى شاكلة هذا الابن وجد في
كل العصور رجال - أو حتى فقهاء – لم يتبعوا أوامر الله ورسوله بل شوّهوها وبدلوها
حسب أمزجتهم, وبالطبع فإن مقابل هؤلاء وُجد فقهاء يبيّنون للناس الحق كما فعل عبد
الله مع ابنه.
إضافة إلى ذلك فقد نجم عن توسع الفتوح الإسلامية دخول
قبائل أخرى لم يعاصروا الرسول عليه الصلاة والسلام
فتغلب تعنت العادات على سمو الإسلام, وكذلك فإن احتكاك
الحضارة الإسلامية ببعض الثقافات السابقة عليها أدخل
مفاهيم هذه الثقافات الأخرى التي تقلل من شأن المرأة
كالهندوسية واليهودية إلى المجتمعات الإسلامية, من أن
المرأة تنجس وقت الحيض فيجب اعتزالها, أو على الأقل لا
تضع يدها في طعام أو شراب, إضافة إلى منعها كليا من
الميراث, واعتبارها خادمة لإخوتها من الذكور, وبعد كل
هذا الشرح الذي حاولت اختصاره كثيرا يمكنك فهم تصرفات
هذه الأم مع ابنتها بأنها ليست من روح الشرع الإسلامي,
ولكن للأسف فإن بعض الفقهاء المتشددين يساهمون في
تكريس هذه الأفكار والسلوكيات من خلال تفسيرات خاطئة
لمعنى القوامة الوارد في القرآن, وكي لا أطيل أكثر
أحيلك إلى بعض المقالات التي كتبتها في هذا الخصوص
مثل:
عندما تتحول
مسؤولية الرجل إلى سلطة فقط
التمييز
ضد المرأة منكر عظيم
أكتفي بهذا القدر من الإجابة خاصة أنك لم توجهي سؤالا
محددا أكثر من مجرد سماع رأينا, وهذا رأيي قد ذكرته لك,
أما إذا أردت مساعدة أكثر بالنسبة للفتاة فيمكنك
مراسلتنا مرة أخرى, وإن كنت أفضّل أن تكتب هي بنفسها
لنا كما قدمت لك في البداية.
|