الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) اختيار الزوج.. مطبات خليجية

     
 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بالبداية أدعو الله أن يجزيكم كل خير.

أنا فتاة سعودية تقدم لي شاب يصغرني بحوالي 10 أشهر وهو يسكن في مدينة أخرى، وصلة القرابة هي أنه ابن عمي، لكن العلاقة جيدة رغم أنه ليس هناك تواصل.

المشكلة تكمن في أني ترددت كثيرا بالموافقة عليه؛ نظرًا لظروف المعيشة المختلفة من حيث العادات رغم أننا أبناء عم؛ فهم يتبعون العادات والتقاليد بشكل كبير جدا، ونحن غير متمسكين بها بذاك القدر.

هو دخل الجامعة وبقي عدة سنوات لكنه لم يكملها، والآن هو يقوم بدراسة الدبلوم فقط إرضاء لوالده؛ لأنه غير محتاج على حد قوله لشهادة؛ لأنه لديه أعمال والده الذي يكون وكيلا عليها ومسئولا عنها، لكنه يقول إنه ينوي إكمال الدبلوم لدراسة جامعية فيما بعد، وأنا انتهيت من دراستي الجامعية وأكملتها كذلك بدراسة دبلوم بتخصص آخر.

العادات والتقاليد المختلفة أنهم مثلما قلت أكثر تشددا وأكثر ترابطا عائليا من حيث الأقارب، والمجتمع عندهم يعتمد كثيرا على القيل والقال والكلام المنقول وشئون الآخرين، وهذا على حد قوله سبب اختياره لي؛ فإنه لا يريد من هذا المجتمع الذي يعتمد على الأقاويل، ولكنه يصر على التمسك بالعادات والتقاليد، هم متمسكون دينيا أكثر منا وتؤثر العادات على ذلك؛ ففي بعض الأشياء نحن متمسكون بها لأجل الدين وهم يتمسكون بها أكثر لأجل العادات.

هو شاب قوي الشخصية وثقافته واسعة، كما لديه قدرة على الإقناع، يتحمل المسئولية بشكل تام؛ فهو من يتحمل مسئولية البيت رغم وجود الأب، وهو المتحكم لأنه الابن الأكبر ومسئول عن كل شيء، حتى الأشياء البسيطة هو من يقوم بإحضارها رغم سهولة إحضارها من أي فرد أو السائق، حتى في عمله بارع جدا، وكما قلت يدير جميع أعمال والده بشكل جيد مقتدر ماليا على فتح منزل وتوفير سبل العيش.

المشكلة بانتقالي لمدينتهم واختلاف نمط العيش والعادات والتقاليد والأفكار من حيث التطور والانفتاح؛ فهم أشد انغلاقا، وأنا فتاة متحجبة لا أغطي وجهي، لكن حجابي ساتر وعلى الشرع، وهو يريدني أن أغطي وجهي، وأنا لا أدري هل أستطيع فعل ذلك، مترددة أود ذلك لكن أحس بداخلي أني مترددة كثيرا وأعتبرها خطوة كبيرة؛ لأني لم أتعود ذلك ولم أقتنع رغم أنه حاول إقناعي بأسلوب واع وجميل لكن أنا مترددة.

هل تلك المواصفات تستحق ألا أقف عند هذه النقاط من حيث اختلاف المجتمع والمدينة والعادات والتقاليد والأفكار والدين الأشد؟ وأخاف أن أرفض ويحصل اختلاف بين أبي وعمي ومشاكل بالعائلة رغم أن أمي وأخواتي معي وأبي يريده؛ لأنه يحبه جدا ويراه ممتازًا لي، أرجو توجيهي للطريق الصحيح قريبا جدا؛ لأنه يجب أن أتخذ قراري سريعا. آسفة للإطالة، وأرجو أن يوفقكم الله ويساعدكم بتوجيهي لما هو خير، وجزاكم الله خيرا.

 
 
 

 
 
 
   

اعتدنا في هذه الصفحة لدى طلب المساعدة في قرار حياتي كالزواج أن نعيد القرار إلى صاحب العلاقة, ومهمتنا تقتصر على إلقاء الضوء على بعض ما قد يخفى على السائل في حاضره وإفادته ببعض الرؤى التي تمكنه من تدارك سوء الاختيار الذي ينعكس سلباً على مستقبله, وأنت الآن أمام اختيار زوج فهو ليس مشكلة بحد ذاته لكن الاختيار السيئ في الزواج يمكن أن نطلق عليه "غلطة العمر" لأن عواقبه قد تستمر طوال الحياة, خاصة في حال إنجاب الأولاد.

من الأفضل دائما أن نضع أمامنا حسنات وسيئات كل قرار ونوازنهما معا, إذ لا أعتقد أنه يوجد خير مطلق في أي اختيار دنيوي, وبالنسبة للاختيار الذي أنت أمامه الآن فهناك الحسنات ولكن أيضا هناك السيئات, فالأفضل أن تضعي كلا منهما على حدة.

بالنسبة لحسنات الزواج من هذا الشاب:

 1- هو ابن عمك ويعتبر زواجك منه – بشكل عام – صلة رحم خاصة أن كل من في عائلتك يريدونه, وعلى رأسهم والدك الذي يحبه ويراه ممتازا لك كما تقولين.

2- يدير جميع أعمال والده بشكل جيد مقتدر ماليا على فتح منزل وتوفير سبل العيش.

3- شاب قوي الشخصية ثقافته واسعة جدا لديه قدره على الإقناع يتحمل المسؤولية بشكل تام.

ما يمكن استقراؤه مستقبليا من هذه الحسنات بما فيها الموافقة العائلية وحالته المادية الجيدة وشعوره بالمسؤولية أنها تمهد لزواج أكثر استقرارا,

أما سيئات الزواج من هذا الشاب فهي كما يلي:

 1- هو ابن عم لك وبالطبع صفة ابن العم في مجتمعاتنا العربية تطلق على ابن العم القريب والبعيد, وعلى كل الأحوال فإن الزواج من الأقرباء يحمل خطورة وراثة بعض الأمراض الظاهرة أو المستترة في العائلة إلى النسل, ومن خبرتي بمجتمعك فإن الأمراض الوراثية تنتشر بشكل ملحوظ نتيجة لزواج الأقارب.

2-  وجود اختلاف في مستواك العلمي عنه فأنت حاصلة على بكالوريوس وهو لم يكمل الدبلوم مضافا إليه أنك أكبر منه بسنة تقريبا فهذين الأمرين معا قد يهيئان لخلاف بين الزوجين خاصة في المجتمعات القائمة على التفوق الذكوري.

 3- كل ما سبق يمكن تلافيه ببعض الاختبارات الصحية للأول وبعض الوعي للثاني, لكن ما لا يجب إهماله هو ما أشرتِ إليه من اختلاف البيئة بين بيئتك التي لا تعتمد على العادات والتقاليد في تدينها, وبين بيئته التي تركز كثيرا على العادات والتقاليد وكأنها الدين بحد ذاته.

 هذا العنصر الأخير هو الأكثر إخافة في الموضوع, مع الإشارة بداية إلى أن بيئته ليست أكثر تدينا من بيئتك, بل تدين عائلتك تدين حضري أو مدني بينما تدين عائلته تدين بدوي أو ريفي, وإذا عدنا إلى القرآن جيدا نجد أنه يأمر بالتحضر ونبذ حياة البداوة – على رأي المفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله – ويظهر ذلك في ذم تصرفات الأعراب وطريقتهم في مخاطبة الرسول عليه الصلاة والسلام  في أكثر من مكان في القرآن, وإذا دخلنا من هنا إلى موضوع غطاء الوجه الذي يقال أنه مختلف فيه, فالحقيقة أنه اختلاف بين الفهم البدوي والفهم الحضري للقرآن, فالفقهاء في بلدك يصرون على أن حجاب المرأة يشمل غطاء الوجه والكفين, بينما الفقهاء في كل أرجاء العالم الإسلامي متفقون على أن الوجه والكفين ليسا بعورة, وهذا الاختلاف بين الفقه السعودي الخاص والفقه الإسلامي العام سبب كبير لتفرق المسلمين وعدم اتحادهم لصد هجمات أعداء الإسلام على حجاب المرأة, لذلك كان لي كثير من المقالات في صحيفة الوطن السعودية حول هذا الموضوع يمكنك العودة لها على موقعي الشخصي, لعلها تساعدك في إقناع هذا الشاب الذي لا يريد بيئته بتخلفها ولكن يصر على تدينها أن يعلم أن غطاء الوجه ليس إلا تقليدا, وأشير هنا إلى مقالة لي بعنوان:

أيهما أحق أن يتبع: التقليد أم الشرع؟

وقد أثارت ضجة كبيرة في مجتمعك السعودي, كما هي كل مقالاتي عن المرأة, وأنا أذكر هذا الأمر ليس من باب مدح النفس والتغني بالمجد بل لأؤكد على صعوبة وضع المرأة في بعض البيئات السعودية والممانعة في تغييره, لأن خشيتك من المستقبل بالارتباط بهذا الشاب - رغم كل ميزاته – هي خشية في محلها, وإن كان يُحسب له فتحه موضوع غطاء الوجه وغيره عن وضع المرأة في بيئته ويكون صريحا معك, كي تكوني على بينة من هذا الارتباط, فأنت ما زلت على البَّر – كما يقولون - ويمكنك فرض شروطك كما يمكنه هو, لكن عندما تصبحين زوجته فهناك الكثير من العامة والفقهاء – على حد سواء – سيعطونه الضوء الأخضر ليأمرك بما يريد ولن يحق لك مخالفة أوامره خاصة في ما يتعلق بغيرته عليك, فالإنسان ابن بيئته ولا يستطيع فكاكا منها إلا من رحم ربك, لا سيما في وضع مثل وضعك ووضعه حيث سيعيش بين أهله لأنه المسؤول عن أعمال والده, ومن معرفتي بالمجتمع السعودي جيدا أستطيع أن أقول لك أنك أمام خيار صعب جدا, فمن تعوّدت على الحياة في بيئة متحررة بالنسبة للمرأة يصعب عليها الخضوع لقيم بيئة متشددة, والمشكلة أن هاتين البيئتين موجودتان في كل بلادنا العربية لكنها في السعودية شديدة الوضوح لدرجة أني أشرت إلى ذلك في حواري لموقع راديو وتلفزيون سويسرا ويمكنك الاطلاع عليه حيث دار عن المرأة السعودية

لاحظي أن تحليلي اقتصر على موضوع البيئة لأنها الأهم في نجاح الزواج أو فشله, ورب قائل يقول: إن الغربيات يتزوجن أحيانا من سعوديين – أو خليجيين أو عرب ويعشن معهم حياة سعيدة, رغم اختلاف المجتمعات فهل تراني هوّلت الأمر وصعبته عليك؟

لا أعتقد يا عزيزتي, لأن الزواج مع اختلاف الثقافات أو البيئات لا يمكن أن يصمد إلا إذا انطوى على حب شديد بين الزوجين على أن يحرس هذا الحبَّ في نفس الوقت وعيٌ كبير لديهما بالصعوبات التي تعترض هذا الزواج, والاتفاق على طريقة مواجهتها قبل أن تظهر, وإذا كان الاختلاف في وضعك عن وضع تلكم النساء أن عائلتك موافقة, فهذا لا يكفي لأنك أنت التي ستتزوجين وأنت من ستغادرين بيئتك لتعيشي في البيئة الأخرى, وإذا كنت تخشين من الآن حدوث أي خلاف بين والدك وعمك إن رفضت, فأن يحدث الخلاف قبل الزواج أفضل من أن يحدث الطلاق ويؤدي إلى خلاف أكبر, ولا أنصحك أبدا بأن تؤسسي زواجك على رغبات الأهل فتفزعي لهم, وللقارئ غير السعودي أقول: تفزعي كلمة سعودية ولكن أصلها فصحى كما في لسان العرب: فَزِعْت إِلـيه فأَفْزَعَنِـي ، أَي لَـجَأْتُ إِلـيه من الفَزَعِ فأَغاثنـي.

مجتمعك يا عزيزتي فيه الكثير من الأصالة وعلى سبيل المثال هذه اللهجة الجميلة التي تنتسب إلى لغتنا الأصيلة التي نفتقدها في مجتمعاتنا العربية الأخرى التي ابتعدت عن كل شيء أصيل بسبب توجهات المتحكمين فيها, وأما الناس في مجتمعك فالأصلاء كثر لكنهم بحاجة إلى من يعمل على تربة أصالتهم لتنمو شجرة إيمانهم كما يحبها الله:(تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها), وهي الشجرة ذات الجذور الراسخة في الأرض لأصالتها وذات الأوراق التي تعجب الزراع في كل وقت لعصريتها, وقد يكون هذا الشاب أصيلا ومرنا في نفس الوقت, وبما أنك أشرت إلى وعيه الكبير فربما تحتاجين لبعض جلسات المصارحة معه بوجود شخص راشد أو كبير من عائلتك تشرحين فيها مخاوفك وتفهمين منه إمكانية تبديدها, ولو كان الأمر يقتصر على غطاء الوجه لقلت لك توكلي على الله, ولكن غطاء الوجه ليس إلا مظهرا واحدا من مظاهر كثيرة تؤكد على تبعية المرأة للرجل وحاجتها إليه في كل وقت, وقد شرحت هذا في مقالتي

 حجاب المرأة بين العقل والنقل

وما أعلمه عن الصحابيات الأوائل هو أنهن كن مستقلات برأيهن قويات بشخصياتهن ولذلك استطعت أن يرتفعن بالمجتمع إلى قمة سامقة بمشاركة إخوتهن الرجال, فاقتدي بهن ولا تنسي اللجوء إلى إيمانك وصلاة الاستخارة مهمة كما هي الاستشارة فما خاب من استخار ولا ندم من استشار, مع تمنياتي بأن يهديك الله من أمرك رشدا.

إسلام أنلاين 9/1/2007

     
   
     

 
   

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |