|
دعيني أبدأ من خطأ أهلك معك إذ إن من الواضح أنهم فهموا معنى الانفتاح بشكل سيء,
فسمحوا لك أن تقيمي علاقات مع من تشائين, وأن تجلبي للبيت صديقا وكأنهم يعيشون في
مجتمع غربي, من مبدأ أن تفعلي أمامهم خير من أن يكون من ورائهم؛ ولكن إذا لم نختلف
مع أهلك في الثقة التي منحوك إياها, فإننا لا ريب نختلف معهم في أمر السماح بإطلاق
الحبل على غاربه لابنتهم في مجتمع شرقي يعلَّق فيه شرف الفتاة على غشاء البكارة كما
تعلَّق العنزة من عرقوبها, فغريب جدا أمر هذه العائلة التي تسمح لابنتها بالخروج مع
صديق دون أن تحذرها من إتيان أي خطأ أخلاقي معه يترتب عليه سوء سمعة العائلة
اجتماعيا, وهذا الكلام طبعا يأتي بعد استبعاد الدين كعنصر أساسي في التربية بسبب ما
ذكرته من عدم اهتمامهم بتربيتك دينيا, فإذا كان دينهم قد هان عليهم فكيف هانت عليهم
سمعتهم بين الناس؟!
صدقيني يا ابنتي أنا مستنكرة جدا من الانفتاح المغلوط
لأهلك, وأنا أرى أن تفريطهم في تربيتك وعدم توجيهك لما
يصح أخلاقيا –إن لم نقل دينيا – خطأ كبير في حقك, فحسن
التربية والتوجيه والإرشاد هو من أهم حقوق الولد
والبنت على الأهل, وبما أنهم لم يقوموا بهذا الواجب
تجاهك فلا بد أن يتحمّلوا مسؤولية خطئهم لا أن تدفعي
وحدك ثمن الخطأ, وإن كنت بالطبع تتحملين جزءا كبيرا من
المسؤولية.
يجب أن تقومي بمصارحة والدتك بخطئك مع الشاب الأول
وكيف أثّر على خطبتك من الشاب الثاني ولا داعي لأن
تحكي لها عن أخطائك الأخرى فالله غفور رحيم وأمرنا
بستر النفس إلا في حالة طلب المساعدة, لقوله تعالى:
(لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم),
وصحيح أنك ظلمت نفسك بالأخطاء والمعاصي لكن أهلك
أوقعوا عليك الظلم بسبب إهمالهم لتربيتك, وأنت مضطرة
أن تطلبي المساعدة من والدتك التي تقولين عنها أنها
منفتحة, لذا ينبغي أن تعلم بما حصل معك لأنه السبب
الذي أدى بك إلى قبول هذا الشخص ذي السوابق الإجرامية
ظنا منك بأنه مناسب لك.
أنت تقولين أنه كان على معصية وتاب مثلك أنت تماما,
وهنا لا بد من تنبيهك على أن هذه المساواة بينك وبينه
هي خطأ آخر بحق نفسك, فلا ريب أن الله يغفر السيئات
ويمحو الخطايا لكن هناك فرق بين معاصي خطيبك الحالي
ومعاصيك, فمعاصيك كانت بحق نفسك بالدرجة الأولى وهذا
ما فهمته من رسالتك فذنبك أنت هو بينك وبين ربك إن شاء
غفر وإن شاء عذب, أما معاصي خطيبك فهي في حق نفسه وحق
غيره, وحقوق الله قائمة على المسامحة وحقوق العباد
قائمة على المشاحة أي أن حقوق العباد على العباد لا
يغفرها الله سبحانه إلا بعد أن يغفر الشخص الذي وقع
عليه الجرم, وذلك لأن الله سبحانه عادل كريم ومن العدل
أن تعود الحقوق لأصحابها, إن لم يكن في الدنيا ففي
الآخرة, إضافة إلى جرم هذا الشاب في تعذيب الناس وهو
يقول لك أنه ما زال يقرأ في كتب التعذيب, فمعنى ذلك
أنه لم يتخلّص من ماضيه القبيح وهواياته السايكوباثية
التي تدل على اعتلال شخصيته, وها هو يبدو لك بشخصية
طيبة أحيانا لكن شخصيته الإجرامية تغلبه؛ وإن كان
الغموض يكتنف موضوع التعذيب هذا, فهل كان يعمل في
وظيفة تتطلب منه تعذيب الناس كأن يكون من أعوان الظلمة
وجنود الطواغيت أم أنه كان يعذب الناس لغايات منحطة
أخرى؟!
أيا كان الحال فإنني لا أنصحك بأن تكملي مشوار حياتك
معه بعد كل ما ظهر لك منه؛ وقد علمتني الحياة أن بعض
الناس تكون نوازع فطرة الشر فيهم أكثر من نوازع فطرة
الخير, دون أن يبدو ذلك عليهم لكنهم يظهرون على
حقيقتهم لدى أدنى اختبار فيستسهلون فعل الشر لأنهم
يتماشى مع طبيعتهم المخفية, وإذا أخطأ معهم أحد كان رد
فعلهم كبيرا جدا وأقوى من الخطأ نفسه بكثير, وتتسق
خبرتي هذه مع حديث الرسول عليه الصلاة والسلام عن
علامات المنافق, فالمنافق إذا حدث كذب وإذا خاصم فجر
وإذا اؤتمن خان, ولا يعني هذا أني أصنّف خطيبك هذا ضمن
المنافقين, فالله أعلم بما في نفسه, لكن يكفي أن تكون
هذه أفعاله معك وأنت لم تصبحي زوجته بعد لأقول لك
احذري أن ينقلب عليك في أي لحظة مهما كان خطؤك بسيطا,
وها هو يهددك بذلك, ويتحكم بك كما يريد, فإلى أين أنت
ماضية؟
اعتقادك بأن الله ينتقم منك هو أمر خاطئ ويتنافى مع
الإيمان السليم بالله سبحانه وبسعة رحمته ومغفرته,
وهذا الاعتقاد جعلك تقبلين بأيّ كان وجعلك تقيِّمين
نفسك على أنك أقل من أي شاب يتقدم لك, وإذا كنت أتفهم
وضعك النفسي قبل توبتك ورجوعك إلى الله فإنه غير مقبول
أن يستمر بعد التوبة فالتائب حبيب الله, والتوبة تجبّ
ما قبلها, فلماذا دخلت في دوامة اليأس بهذا الشكل مع
أن الله عز وجل قال:(إنه لا ييأس من روح الله إلا
القوم الكافرون)؟ وهل حقيقي أن الله هو الذي ينتقم منك
أم أنك أنت تنتقمين من نفسك باختيارك؟ يبدو تقييمك
لذاتك منخفضا جدا وخاصة مما ذكرته عن تصرفاتك مع أي
شاب تخطبين إليه وأنك ستكونين كالعبدة له, وما يزال
هذا التقييم السلبي للذات ملازما لك فأين أنت من قول
الرسول عليه الصلاة والسلام:(كل ابن آدم خطاء وخير
الخطائين التوابون)؟
الآن يتوجب عليك أن تفضي بسرك لوالدتك وبخوفك من هذا
الخطيب وخاصة خوفك عليها أن يؤذيها, وإذا كان فيه ذرة
من خير فالشر فيه أكبر بكثير وهو بحاجة إلى دورات
إصلاحية ليتخلى عن شخصيته الإجرامية كليّة, وإذا كان
يشفق على هؤلاء المجرمين ولا يقطع صلته بهم لأنهم
غلابة حسب رأيه فمن الأفضل أن يلجأ هو - وهم أيضا- إلى
مصحة للعلاج النفسي, فالإجرام ليس فطرة كي نقبلها من
البشر بقدر ما نقبل الأخطاء العادية, ولا يعني ذلك أن
نترّفع على المجرمين فقد يتوبون وتصدق توبتهم ويكونون
أفضل منا عند الله, لكن في نفس الوقت لا يمكن أن
نعتبرهم أصدقاؤنا وهم على ما هم عليه من شخصية غير
سوية, لأن ضررهم لنا أكبر بكثير من نفعهم, وإصلاح هذه
الشخصية يحتاج وسطا اجتماعيا ملائما يمكن أن يعوّض
الشخص ذي الطبيعة الإجرامية- أو ما يسمى بالشخصية ضد
المجتمع - عن بيئته الخارجية التي مهدّت لإجرامه وكذلك
يحتاج أناسا مختصين يستطيعون مساعدته وانتشاله من
العدوان المستعمِر لنفسه داخليا.
أنت أيضا ربما بحاجة إلى مساندة نفسية أكثر مما نستطيع
تقديمه عبر هذه الصفحة, فتقييمك الذاتي المنخفض لنفسك
يصل إلى حد الخطر مما يجعلني أتوقع أن إهمال أهلك لك
وعدم اهتمامهم بك هو سبب هذا التقييم السلبي للذات,
وهو ليس مرضا نفسيا يحتاج أدوية عند مختص بل هو اضطراب
نفسي يقيّمه ويعالجه المرشد النفسي, وبالإضافة إلى ذلك
فلا تنسي اللجوء إلى الله كي يخلّصك من الورطة التي
أوقعت نفسك بها وهي الخطبة لهذا الشاب.
أما بالنسبة لموضوع غشاء البكارة وأنك لم تعودي بنتا
أو بكرا فهذا له معالجته الخاصة عند أخصائيي النساء
والولادة, وينصح بها بعض الفقهاء كي تستر الفتاة على
نفسها, وإن كانت المعالجة النفسية برأيي تأتي بالدرجة
الأولى.نشر
في إسلام أنلاين 26/9/2006 |