مشكلتك ليست غريبة لا في بدايتها ولا في نهايتها فكثير
من قصص الحب بين طلاب وطالبات الجامعة أو غيرهم تبدأ بنفس
البداية وتنتهي بنفس النهاية؛ ومع ذلك فلن أتردد بإخبارك
أن أسلوبك في عرض مشكلتك يجعل قراءة شخصيتك من خلف حجاب
الانترنت سهلة بعض الشيء؛ وهو الأمر الذي يبرر تعاطفي معك
وشعوري بحجم معاناتك؛ أعني أنه رغم تكرر بعض المشكلات فإن
ما يجعلني أتعاطف مع بعض السائلين دون غيرهم هو شعوري
بأنهم ضحية لأسلوب تربوي فيه من الخطأ أكثر مما فيه من
الصواب, وهو ما أشرت إليه من بداية رسالتك, فوالدك العالم
بالشريعة والذي كان حريصا على تربيتك بمثالية, ربما لم يكن
يعلم أن أقوى تدمير نقوم به باتجاه نفسية أولادنا ينجم عن
إجبارنا إياهم على الحياة بشكل مثالي في واقع ليس إلا كما
يقول المثل:(إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب).
ورغم تعاطفي معك فأنا سأكون حيادية في حكمي عليك أو على
تلك الفتاة, معتبرة أنك صادق في كل ما كتبته, علما بأن
ذِكرك لبعض المواقف دون الإحاطة بكامل جوانبها يجعل الحكم
صعبا على الفتاة هل هي صادقة في حبك أم لا, خاصة وأنها
الأخرى قد تكون ضحية لأسلوب تربوي أو لخطيبها حسب ما
ذكرتْه لك, لكن هذا شيء والوصول إلى الحل المناسب لوضعك
شيء آخر, فأهم ما يجب أن تتذكره وأنت حافظ للقرآن وابن
عالم دين, أن الله أمرنا بمساعدة بعضنا بعضا, لكن دون أن
تعني مساعدتنا لأي إنسان ضررا علينا, فالقاعدة الفقهية
تقول:(لا ضرر ولا ضرار).
بما أن مشكلتك متكررة فواجبنا قبل البحث عن الحل أن
نحلل بعض المواقف والأحداث في المشكلة لننبه إلى خطأ حصل
كي تستفيد منه أنت فلا تعيده في حياتك أو لفائدة بعض
القراء الآخرين, أو - وهو الأنسب- إن تحليل أحداث الماضي
يجعلنا أقدر على تخيل المستقبل كيف سيكون, فدعنا أولا
نتأمل موقف التعارف الذي حصل أول مرة, حيث أكدّت مرارا أن
ما تحمله لها لم يكن إلا استلطافا, لم يعرف به أحد, حتى
فاجأتك الفتاة في قاعة المحاضرات تسألك عن اسمك وكأنها
تظنك شخصا آخر, فهنا لدينا احتمال يكاد يكون وحيدا وهو أن
هذه الفتاة التي تمتلك إحساس الأنثى شعرت بما هو أكثر من
الاستلطاف من ناحيتك, ولمّا لم تقم أنت بأي خطوة إيجابية
لتغيير منحى الاستلطاف إلى منحى أشد انعطافا باتجاهها قررت
أن تكون هي البادئة, فاصطنعت أنها لا تعرفك قبل تلك اللحظة
ومع ذلك أصبحت تأتي لتقابلك كل يوم حتى تطورت الدقيقة
وأصبحت ساعة وأكثر, وما يجعلني أرجح هذا الاحتمال هو أنها
لو كانت فعلا لم تنتبه لك سابقا وأن مشهد التعارف مجرد
موقف عفوي, لما كانت لتكرر مجيئها لتلتقي بك كل يوم, وهكذا
نستنتج أنها "راسمة عليك" كما يقال وتريد أن تكون من
نصيبها, وهذا ما لا عيب فيه ما دام أسلوبها لم يخرجها عن
حياء الأنثى الفطري وهو ما لم يرد في رسالتك, بل على العكس
ذكرت دفاعك عنها أمام والدك بأنها في غاية الأدب
والاحتشام, لكن هذا الاحتمال الراجح برغبتها بك وتخطيطها
للحصول عليك كزوج لا يبرر لها تطلّبها بأن يكون ما بينكما
أكثر من زمالة وهو الأمر الذي كنت تصر عليه أنت دائما, رغم
أنه يا بني العزيز من الواضح أنه ليس مجرد علاقة زمالة لا
من طرفك ولا من طرفها, فلماذا لم تكن علاقتك مع زميلة أخرى
على نفس هذه الدرجة من الاهتمام أو الحميمية؟
هنا يجب أن أنبه إلى هذا الخطأ الذي يتكرر من طلاب
وطالبات الجامعة خاصة الذين يصفون أنفسهم بالالتزام أو
التدين - ولذلك تكون خبرتهم بأساليب الجنس الآخر للإيقاع
بهم معدومة أو شبه معدومة- وهو أن الحرم الجامعي يجب أن
يكون له من اسمه نصيب, والعكس حاصل الآن, لأن كثيرا من
جامعاتنا قد تحولت إلى دار عرض للأزياء ومكان للفت انتباه
الجنس الآخر, وبذلك انشغل الجميع ذكورا وإناثا – إلا من
رحم ربك – عن الهدف الحقيقي من الدراسة الجامعية وهي بناء
المستقبل الذي يؤهل لاختيار الطرف الآخر عن وعي وليس بدافع
آخر سواء كان إشباعا لغريزة أو بحثا عن رفقة, ولذا أنصحك
بالعودة إلى مشكلة: هواجس ملتزم, يحدث بين الطلبة
والطالبات.
ومن هنا فإن استلطافك لها ورغبتها فيك ليس أمرا معيبا
أو حراما فقد يكون هناك ما جذبها فيك كتدينك وسمعتك ومركز
أبيك الديني, لكن العيب أن تتكرر لقاءاتكما وتتطور
علاقتكما بشكل سري, ورغم أنك لم تذكر حدوث أي شيء بينكما
يمكن أن يوصم بالحرام فإن هذه اللقاءات على براءتها قد
تكون مثل من يحوم حول الحمى فيوشك أن يقع فيه, كما في
الحديث الشريف, والسبب أنه خارج عن إرادة أهلك أو علم
أهلها, فهذه اللقاءات السرية بين ذكر وأنثى ولو لم تكن
خلوة لا تخلو من خطورة لأنها قد تؤدي إلى التفكير فيما هو
أبعد, وأعتقد أن الله لطف بك عندما انكشف أمر اللقاء؛ وما
كرهك للقاء أبيك ومحادثته رغم أنك خدعته بقصة اخترعها
صديقك جليس السوء إلا دليل على أن هذه اللقاءات كانت تعني
لك شيئا كثيرا, واسمح لي هنا أن أصارحك بأن هذه اللقاءات
لو كانت ذات مغزى عاطفي فقط دون أن تشعل فيك شيئا من
الغريزة – وهذا الاشتعال طبيعي لدى شاب عازب يلتقي بفتاة
يحبها - لما نجم عن غيابها من حياتك هذا الموقف الحاد تجاه
أبيك, لأن الحب الحقيقي مطهرة للقلب من العواطف السيئة لا
العكس, وصحيح أنه يتحمّل جزءا كبيرا من المسؤولية بتربيته
المغالية في المثالية من جهة وبعدم اهتمامه بمشاعرك تجاه
هذه الفتاة من جهة أخرى, لكن كان جديرا بك أن تعمل على
إعادة ثقته فيك محاولا أن تقنعه بك كرجل لا أن تهرب من
لقائه, فهذا الهروب هو دليل عدم نضجك, واعذرني إذ أخبرك أن
ثمة أدلة أخرى على عدم النضج ستأتي لاحقاً.
الآن دعنا نحلل موقف خطبتها من غيرك وعقد قرانها عليه,
فقد جاءتك باكية شاكية أكثر من مرة, لكن لما لم تجد لديك
أي رد فعل إيجابي لم يكن منها إلا أن استسلمت لقدرها
فوافقت على ذلك الشخص الذي أصبح زوجها شرعا وإن لم يكن
كذلك عرفا, ثم حملت منه, وهذا كثيرا ما يحصل بين الخطيب
وخطيبته بمجرد عقد القران, وهذا التفسير لا يعني تبرير ما
يحدث لكني نبهت في كثير من الاستشارات أن الوقوع في هذا
المطب ليس إلا بسبب بعض الاختراعات التي أقامها المجتمع
فأصبحت أهم من الدين, ويمكنك أن تجدها في بعض المشكلات مثل
(مع عقد القران ترتفع حرارة الأرض كثيرا)؛ لكن الغريب أن
ينتج عن خطبتها لغيرك تحول حبك لها إلى كراهية, رغم أنك
حللت قيودها من البداية وحاولت أكثر من مرة ألا تربطها بك
وأخبرتها أنه لا مانع لديك من ارتباطها بغيرك وشرحت لها
ظروفك كلها وعلاقتك مع والدك, فالسؤال: لماذا كرهتها بمجرد
أن خطبت لغيرك؟ الحب لا يتحول إلى كراهية عند إنسان سوي
ناضج, وخاصة أنها لم تضّح بك من أجل عيون أول قارع لبابها,
بل شرحت لك تصريحا لا تلميحا أنها تريدك أنت, وفي قصتك لم
يرد ذكر أي تصرف خاطئ من طرفها يدل فعلا على تنكرها لحبك
أو عدم أصالتها بل ما يفهم من طرحك لمشكلتك أنها بقيت
متمسكة بك لآخر لحظة قبل أن تفقد الأمل, فلماذا شعرت
بكراهية شديدة لها وبدأت تتحاشاها كأنها مصابة بالجذام؟
هذا الموقف يا بني يدل على عدم نضجك, فالإنسان الناضج
في حال مفارقته لمن يحب لا بد أن يبقي على بعض المودة في
القلب, ولو تصنّع الجفاء, ولو تبدل ظاهريا, فالحب حتى لو
تبدل وطار وتبخر فإنه من المستحيل أن يتحول إلى كراهية,
وربما كان تحول شعورك هذا ليس أكثر من رد فعل على وعدها لك
بأن تنتظرك, ثم خالف فعلها قولها, ولكن هل تأخرك عن نجدتها
وعدم طلب يدها يبرر لها مثلا أن تحول حبها لك إلى كراهية؟
بالطبع لا, فأنت معذور بسبب ظروفك القاسية, وهي معذورة
بسبب ظروفها القاسية, وعلى هذا فقد كان من واجبكما أن يعذر
كل منكما الآخر, ويستمر على شيء من الود القديم والاحترام
للآخر, وبذلك لا يساء للحب وهو على ما هو عليه كقيمة
إنسانية خيرة, فلا يتحول إلى قيمة شر بحتة.
ما يؤكد عدم النضج لديك ولديها أيضا هو الموقف الذي تلا
تركها لخطيبها, فما إن أخبرتك بذلك حتى استهزأت بها, ودليل
عدم نضجها أنها ظننتك ناضجا فجاءت تحكي لك همّها, ودليل
عدم نضجك رد فعلك بالاستهزاء, وإذا أضفنا إلى عدم نضجها
غباءها – وهي الكلمة التي اخترتها أنت وقد صدقت بها -
عندما حكت لك الذي حصل بينها وبين خطيبها/زوجها, فإننا
نضيف إلى عدم نضجك عصبيتك الشديدة ورفع صوتك بالشتائم لها,
ولو أنك أنصفت لتذكرت أيها الحافظ للقرآن أن خطيبها هو
زوجها وليس رجلا غريبا, فلم يكن ثمة داع لإهانتها, بل كان
من الأفضل أن تعرض عنها وتتركها لتتدارك خيبتها دون أن
تزيد من آلامها.
تبع ذلك عدم ثقتك بالناس وخاصة الإناث وتركك للصلاة إلا
وقت الضرورة كما ذكرت وغير ذلك كثير, ثم جاء الحلم في
الوقت المناسب وقد يكون حلماً نتيجة لتداعي حلقات المسلسل
في لاوعيك, وأشخاصه أنت وهي ووالدك, وبما أنك عرفت
بعلاقتها الجنسية مع خطيبها/ زوجها, فلذلك رأيت الحمل
واضحا عليها, وقد يكون رؤيا صادقة فسّرتْها الرسالة
القصيرة التي وصلتك, والله أعلم بذلك, لكن المهم في
الموضوع أنها تتهمك في هذه الرسالة بأنك دمرت حياتها, وهنا
يبدو لي عدم نضجها مرة أخرى بانعدام محاكمتها المنطقية,
فمن دمر حياتها هو هي نفسها عندما أسلمت نفسها للخطيب بعد
العقد, وقد يكون عدم نضجها هو السبب في كتابتها هذه
العبارة ولكن قد يكون أيضا سعة حيلتها وطمعها بأن تحرك
عواطفك تجاهها وقد نجحت في ذلك فعلا, فهي تعدك أن تغير رقم
هاتفها ثم تعود لتتصل بك موجهة كلمة (حبيبي) وهي الكلمة
التي تجعل قلبك ينسحق بين رحى حجرين ثقيلين, حجر الحب
القديم وحجر الكراهية الحديثة.
أيا كانت أسبابها فإن هذه الفتاة لم تعد تصلح لك, فالحب
الذي استُبدل بكراهية يستحيل أن يولد مرة أخرى جميلا كما
ولد أول مرة, بل لا ريب أنه سيُجهض كجنين مشوه, ولو كنتما
حافظتما على شعرة معاوية كما يقال أعني حافظتما على شيء من
الحب بينكما لقلت أنه من الممكن أن يعود هذا الحب للحياة
مرة أخرى بعد أن دخل في غيبوبة, إذ يمكن إنعاشه بالعزف على
أوتار القلب, ولكن لا قلبك عاد سليما محبا لها كما كان
سابقا, ولا عقلك يوافق على الزواج من امرأة مطلقة وحامل من
رجل آخر, ويأتي حكم العقل متمترسا خلف ركام تسلط الأب الذي
يأبى أن يمنح الابن شيئا من الاستقلالية فيكون خياره في
الزواج متقدما على خيار أبيه, ولا أقول مهملا لرأي أبيه.
يا عزيزي قصتكما وصلت إلى طريق مسدود, خاصة وأنت تشعر
أنها تكذب عليك, وقد تكون كاذبة ومخادعة وتعرف من أين تؤكل
الكتف في أسوأ الأحوال, وقد تكون صادقة ولكنها ضعيفة
الشخصية أو حمقاء لا تحسن التصرف في أحسن الأحوال, وعلى
الحالين أنصحك بإغلاق الستار على تلك الكوميديا السوداء في
حياتك, ولا تترك صلاتك بل الجأ إلى الله لعله يجبر قلبك
بفتاة تأتي متسقة مع اختيار القلب والعقل, ولكن كي لا تقع
في ما وقعت فيه يجب أن أنبهك إلى أن تكون عواطفك أقل حدة
مما هي الآن, وليس عيبا أن نعبر عن عواطفنا لكن قد يفتقد
الكثير منا التعبير بالأسلوب المناسب وفي الظرف الملائم؛
كما أنبهك إلى أنه قد تكون لديك شخصية ناقمة رغم كل الهدوء
الذي تتوارى خلفه, وهذه الشخصية بحاجة إلى أن تتعلم
التسامح, وأول شخص تسامحه هو والدك الذي رباك على مثالية
مفرطة متعالية على الجانب البشري وكأن البشر لا يخطئون,
وإذا لم تسامحه فلن تستطيع أن تكون أقوى منه وتتغلب على
تسلطه ثم تفك نفسك من قيوده كخطوة تالية ومن ثم يكون لك
القرار الحياتي بالزواج, وإذا لم تفعل ما أنصحك به فقد تجد
نفسك إلى آخر يوم في حياتك وأنت ما زلت تعيش في جلباب أبيك