الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) حائر بين جلباب أبي وحماقات حبيبتي

 
 
 
 

بسم الله الرحمن الرحيم أساتذتي الكرام في صفحة مشاكل وحلول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أشكركم شكرا جزيلا على هذه الزاوية الرائعة التي استفدت منها كثيرا.

 أرجو منكم أولا أن تعذروني على الإطالة، فمنذ مدة وأنا أبحث عمن أبثه همومي ولم أجد سواكم، أرجوكم أن تقرءوا قصتي حتى النهاية، لأن بدايتها تتكرر كل يوم، إلا أن نهايتها مختلفة، أو على الأصح لم أصل لنهايتها حتى الآن.

أنا شاب متدين نشأت في أسرة متدينة، نشأت في صغري بين دروس العلم وحلق القرآن، وحفظت القرآن الكريم كاملا ولله الحمد.

وبالرغم من أن والدي عالم في الشريعة، فإنه كان شديدا علينا منذ الصغر، كان حريصا على تربيتنا التربية الصحيحة، كان يحرص على جعلنا نماذج يقتدى بها، إلا أن شدته كانت تأتي أحيانا بنتائج عكسية؛ فمثلا كلنا يعلم أن العلاقة بين الجنسين ينبغي ألا تقام إلا على أساس شرعي، إلا أنه كان يشدد على هذه الناحية كثيرا لدرجة أنه كان يستنكر استنكارا شديدا أن يختار الشاب شريكة حياته بنفسه، ويرى في ذلك تجاهلا للأهل وقلة في الدين والأدب، من هنا سأبدأ حديثي.

بدأتُ حياتي الجامعية كأي شاب ملتزم متفوق في دراسته، ولم أفكر في يوم من الأيام أن أنظر إلى هذه الفتاة أو تلك، أو أن أفتعل لنفسي قصة حب كما يفعل الكثير من الشباب، بل لم أفكر في ذلك، لاعتقادي بأن الحب لا يصطنع اصطناعا، بل يكون شعورا حقيقيا عذريا، كان هذا سلوكي دائما، حتى إن خجلي كان غالبا ما يتدخل عندما يضعف إيماني، إلا أنني كأي شاب كنت أشعر بشيء من "الاستلطاف" فقط لا غير نحو إحدى الفتيات المحجبات.

وأؤكد لكم أنه مجرد استلطاف لم أظهره لأي شخص كان، حتى إنني لم أكن أرى تلك الفتاة إلا نادرا وبالصدفة "مرة كل ثلاثة أشهر"، ولم أكن أتابعها بنظراتي ولم أحاول أن ألفت نظرها نحوي بأي شكل كان، استمرت الأمور على ما يرام، حتى جاء ذلك اليوم عندما كنت في السنة الثالثة، وعندما كنت أجلس وحيدا في إحدى القاعات بانتظار بدء المحاضرة، وإذا بتلك الفتاة تدخل القاعة وتتقدم نحوي، شعرت بنوع من الارتباك، إلا أنني تظاهرت باللامبالاة، طلبت مني أن أعرفها بنفسي، بحجة أنني أشبه شخصا ما وظنت أنني هو.

كان لقاء عاديا استمر لدقيقة واحدة، لا أدري ما هو السبب الذي جعلها تأتي إلي كل يوم في نفس الوقت لتقف معي دقيقة مثل تلك الدقيقة، ثم أصبحت الدقائق تزداد يوما بعد يوم، أصبحت تطلب مقابلتي في أوقات غير ذلك الوقت، ووجدت نفسي أستجيب لطلباتها، ولسوء الحظ وجدت لنفسي ساعة فراغ مشتركة بيني وبينها كنا نقضيها معا يوما بعد يوم، كانت علاقتنا علاقة زملاء، وكنت أحرص دائما وأبدا وبمناسبة وبدون مناسبة أن أؤكد لها هذا النقطة خوفا من أن تظن أنني أفكر في نوع آخر من العلاقات، وكانت دائما تؤكد لي أنها لم تكن تعرفني قبل تلك "الدقيقة"، وأنني لم ألفت نظرها مطلقا، استمر بنا لقاء الساعة، وأضفنا إلى تلك الساعة ساعة أخرى في طريق العودة للمنزل.

 وتسارعت الأيام، ولم أجد نفسي في يوم من الأيام إلا وأنا أتبادل معها أرقام الهاتف النقال، وأصبح تواصلنا عبر الرسائل القصيرة فقط. فأسرتها كما علمت منها متدينة أيضا ولا تسمح لها بمثل هذه العلاقات، ووجدت أن ذلك "الاستلطاف" الذي كان في نفسي قد بدأ يكبر شيئا فشيئا، وبقيت مصرا على الكتمان، خوفا من الوقوع في الحرام أولا وخوفا من أن أكون سببا في تعلق هذه الفتاة بي دونما فائدة، لم أكن أحب أن أربط تلك الفتاة بعلاقة ستنتهي تحت سطوة والدي الشديدة، ومرة أخرى عدت لأؤكد لها أننا مجرد زملاء فقط لا غير، قلت ذلك مرارا وتكرارا، حتى أصبحت تبدي انزعاجا من هذه الفكرة.

في يوم من الأيام دعتني لمقابلتها لأمر ضروري، ذهبت إلى حيث أرادت، فأخبرتني بأنه قد تقدم شاب لخطبتها، ومرة أخرى بالغتُ في كتمان مشاعري وثورة عواطفي وباركت لها ودعوت لها بالتوفيق، إلا أن مباركتي لم تعجبها، وشعرت أن هناك كلاما آخر تود أن تقوله، ومن هنا بدأت الكارثة، أخرجت ورقة من حقيبتها وقالت لي: هذه القصيدة أنا كتبتها، لم أستغرب كونها كانت تكتب الشعر، إلا أن الجديد أنها أضافت: "هذه القصيدة لك أنت، لأشكرك فيها على مساعدتك لي في بعض الأمور".

قرأت القصيدة، وأعدت قراءتها مرات ومرات.. طويتها.. وضعتها في جيبي، وغادرت المكان مصدوما بعد أن شكرتها، الذي أذهلني أنها لم تصرح بحبها لي، غير أنني شعرت أن كل كلمة من كلمات تلك القصيدة تنطق بالحب، وصلت إلى البيت، خلوت بنفسي، أعدت قراءة القصيدة، وضعت عواطفي جانبا وفكرت في الأمر مليا، وقررت تجاهلها مرة أخرى، في اليوم التالي كان هناك لقاء متفق عليه ضمنيا، قلت لها دون مقدمات: أنا لم أكن لأقيم أي علاقة في يوم من الأيام بيني وبين أية مخلوقة خارج بيت الزوجية، وإنني مهما وقعت في الحب فسوف أكابر وأكتم مشاعري ولن أظهرها للمحبوبة أيا كانت، ومهما تكن الظروف، وإنني أكره اللعب بالعواطف والمشاعر.. ترددَتْ كثيرا كثيرا، ارتبكت، عاتبتني طويلا على تجاهلي لها ثم قالت لي: إنني أريدك أنت ولا أريد سواك، وأخبرتني أنها سترفض أي شاب يتقدم لخطبتها حتى تعطيني الوقت الكافي للتفكير.

خاطبتها بشيء من العقلانية، محاولا تخفيف شحنة العواطف التي كانت تملأ الأجواء، ووعدتها ببذل جهدي لتلبية طلبها، كنت صريحا معها من البداية، وبينت لها كل العقبات التي تقف أمامي، من رفض والدي المعلوم لدي مسبقا إلى ظروفي الاجتماعية والمالية والشخصية، لم أخف عنها لا شاردة ولا واردة، كنت صريحا معها غاية الصراحة، أصرت على الفكرة حتى لو كانت النتائج غير مضمونة.

 وعدتها بأن أبذل جهدي في ذلك، وأبدت استعدادها للوقوف إلى جانبي للوصول إلى الغاية المطلوبة، بدأت السير في هذا الاتجاه، فاتحت والدي بالموضوع، استفسر مني عن طبيعة علاقتي بتلك الفتاة، لم أخبره بالحقيقة، قلت له إنني معجب فيها وبأدبها ودينها، وإنني لم أتحدث معها ولم أكن على علاقة بها أبدا، لم يكن والدي على درجة من الغباء الذي يسمح له بأن يرفض طلبي من البداية، فهو لم يشأ أن يخلق بيني وبينه جوا من الفعل ورد الفعل، هذا ما أعتقده، وعدني بأنه سيفكر في الموضوع، وأنه سيستفسر عن أهل الفتاة من بعض معارفه.

جاء بعد أيام ليبلغني رفضه بحجة أن والد الفتاة رجل سيء الأخلاق، وربما يكون سيء التربية وما إلى ذلك من الأمور التي يراها سببا كافيا للرفض. كررت محاولاتي كثيرا لإقناعه بأن هذه الأعذار غير كافية، وأنني ألاحظ على الفتاة الأدب والحشمة والتدين، إلا أن حجتي كانت ضعيفة حيث إنني لم أعلن عن طبيعة علاقتي بها، بالإضافة لذلك لجأ والدي إلى حجج أخرى كنت أراها في نظري حججا واهية، وكنت دائما ما أناقشه وأناقض حججه تلك، وكلما وصل إلى طريق مسدود، كان ينهي حواره بعصبية ويقول لي: إذا أردت أن تتزوج من تلك الفتاة فاذهب إليها وتزوجها ولن أتعرف عليك.

على الجانب الآخر كنت أطلع فتاتي على جميع التطورات، وبكل صراحة وشفافية، وفي كل مرة كنت أجد نفسي أنهار أمام عواطفي وأزداد تعلقا بها وتزداد هي تعلقا بي، وصرنا نقضي معا ساعات طويلة، تنتهي بوداع حار ودموع منهمرة، ووجدت نفسي واقعا بين نارين: بين حبي الصادق لها وبين رفض والدي الشديد. بدأت أحاول أن أخفف من تعلقها بي، فأنا ربما أكون أشد تحملا للمفاجآت منها، صرت أؤكد لها أن حبي لها شديد، إلا أنني أعذرها إن هي ذهبت لغيري. كنت أراها تذوب أمامي كالشمعة، لم تعد تخلو مكالماتها الهاتفية معي من بكاء ونحيب، وأنا أشعر بدموعها نارا تكوي قلبي وأحشائي.

وجاء دور القدر ليسخر مني ومنها، حتى هذا اليوم لم أتخيل كيف حدث في يوم من الأيام، حين شاهدتني أختها الصغرى معها، وأخبرت أهلها بذلك، في نفس اليوم تقدم شاب لخطبتها، وبعدها بأيام علم والدي بحقيقة علاقتي معها، لا أدري كيف حصلت كل هذه الأمور في وقت واحد! شعرت أن الدنيا اسودت في وجهي، عشت أياما عصيبة بكل ما تحمل الكلمة من معاني، حاولت الهروب من المصائب التي وقعت بها، وجدت نفسي وقد خسرت كل شيء في لحظة واحدة، خسرت ثقة والدي بي، خسرت فتاة أحلامي التي أحببتها وأحبتني، وجدت نفسي ضائعا تائها كالغريق الذي يريد أن يتعلق بقشة.

لجأت لأحد رفاق السوء، ونسجت وإياه قصة من وحي الخيال أقنعت والدي بأن ما وصله من أخبار عن علاقتي بالفتاة غير صحيح، ثقته بي جعلته يصدقني، إلا أنني لم أعد أقدر أن أواجه والدي أو أن أضع عيني في عينه، دائما أشعر بالذنب، وحتى هذه اللحظة أشعر بأن ثقة والدي بي مهزوزة. صرت أكره لقاء أبي، أكره حديثه، أجيب على أسئلته بكلمات مختصرة قد تفيد جوابا وقد لا تفيد حتى يومي هذا.

نعود لأحداث قصتنا، تلقيت مكالمة هاتفية من أخت حبيبتي الكبرى، قالت لي إن الأمور انتهت، وإن أختها ستتزوج من الشاب الذي تقدم لخطبتها ليلة البارحة، وإنها سترفضني حتى لو لم تتزوج غيري، قابلت محبوبتي بعد هذه الحادثة أكثر من مرة ولمدة قصيرة، كانت مليئة بالبكاء والدموع، أكدت لي تعلقها بي، وأنها سترفض ذلك الشاب، حتى تلك اللحظة كنت أشعر بتعاطفي معها، إلى أن جاء اليوم الذي أخبرتني هي بنفسها أنها لم تعد لي، وأن عقد قرانها سيكون بعد أيام، لاحظت أنها تغيرت معي، ربما كانت تريد أن تكرهني بنفسها، تغير أسلوب كلامها معي، صارت تقابلني بجفاوة، وبدأ حبي لها يتحول إلى كراهية، قررت ألا أبقى تحت رحمتها، فلم يعد لدي ما أخاف عليه، ولم أعد أملك ما يمكن أن أخسره.. صرت أتجاهلها عندما أراها، المشكلة هي أنها ما زالت معي في نفس الجامعة، صرت أراها بشكل شبه يومي في طريق ذهابي وإيابي، دائما كنت أتهرب منها، أظهر كرهي لها وللقائها.

ذات يوم، وبعد مضي ثلاثة أشهر على عقد قرانها، وجدتها تلاحقني وتناديني، تجاهلتها لفترة، ثم وجدت نفسي مضطرا للالتفات إليها لأخفف النظرات التي أصبحت تلاحقني، عادت لتكلمني بلطف وتسألني عن أخباري، أجبتها بكلمتين مختصرتين، وتابعت سيري.. وتكرر هذا الموقف مرات ومرات، تلاحقني، أقف معها لحظة، أتنفض في وجهها وأغادر.. أدركت أنها لم تكن سعيدة بخطبتها تلك، حتى تلك اللحظة لم تكن قد زفت إلى عريسها.

ذات يوم توسلت إلي توسلا حارا أن أعطيها من وقتي نصف ساعة، وافقت على مضض. رأيتها وهي تخلع خاتم الخطبة، وتضعه في حقيبتها، وتبدأ لتروي لي معاناتها مع خطيبها، لم أدعها تكمل، كنت أعتقد أنها تكذب علي في كل ما تقول، وأنها كانت تكذب علي منذ البداية.. ومرة أخرى لم تستطع أن تصرح بحبها لي، قالت لي بأنها تحترمني وتثق بي وتدعو لي بالخير، قاطعتها، شكرتها مستهزئا بها وأعطيتها ظهري وذهبت بعيدا.. كان موقفا صعبا على كلينا.

 بعدها بأيام استوقفتني وأخبرتني بطريقة غير مباشرة بأنه قد كان منها ومن خطيبها ما يكون بين المرء وزوجه، لقد كان إخبارها لي أمرا في غاية الغباء.. في تلك اللحظة، ثارت أعصابي، ووجدت نفسي أصرخ في وجهها على مرأى من الناس ومسمع.. لم أعد أذكر ماذا قلت، ولم أعد أتخيل حجم الشتائم التي كلتها لها في تلك اللحظة.. وعبثا حاولت أن تهدئ من ثوراني.. تركتها وذهبت أمشي على غير هدى، شعرت نفسي أسقط من قمة جبل إلى واد سحيق لا نهاية له.. لماذا فعلت ذلك؟ لماذا تعاقبني؟ لماذا تحاول الانتقام مني؟ ما الخطأ الذي ارتكبته بحقها؟ تذكرت كيف أنني كنت أغار عليها من أخيها وأبيها.. وفي لحظة أجدها بين أحضان رجل غريب، وبدون زواج، وأجدها تصرح لي بذلك وبكل وقاحة.. ازدادت الدنيا سوادا في عيني، وازدادت نفسيتي تعقيدا، خصوصا أن هذا الأمر قد تزامن مع ضغط السنة الجامعية الأخيرة.. صرت أكره كل الأشياء، أكره كل الإناث، أكره نفسي، وأهلي.. لم أعد أصلي إلا عندما أضطر لذلك.

بعد حوالي تسعة أشهر من تلك الحادثة، وبعد حوالي سنتين من بداية تعرفي على تلك الفتاة، كنت نائما في يوم من الأيام، رأيت حلما غريبا، رأيت الفتاة ذاتها تجلس إلى جانبي، ويجلس والدي مقابلي، ويبدو على صاحبتنا بوضوح أنها حامل وفي مرحلة متقدمة من الحمل، استيقظت من نومي على صوت رسالة قصيرة وصلت إلى هاتفي النقال، فتحت الرسالة، صعقت عندما قرأت فيها "أنا الفتاة التي تسببت أنت بتدمير حياتها".

استمرت بمراسلتي لأيام، واستمررت بالرد عليها بعصبية واستهزاء وسخرية وشماتة، عرفت منها أنها انفصلت عن زوجها، وأنها فعلا حامل، عندما رأت ردي السيئ، قررت أن تغير رقم هاتفها وأخبرتني بذلك، بدأت أشعر تجاهها بالشفقة، إلا أنني لم أعد قادرا على فعل أي شيء، مرة أخرى انقطع اتصالي بها، ونسيت –أو تناسيت- كل ما حدث.

عادت بعد عدة أشهر مرة أخرى لتراسلني ولتقول لي بأنها تحبني، وإن خلافها مع زوجها كان بسبب تعلقها بي، اعتذرت لي عن كل تصرفاتها السابقة، وإنها تزوجت رغما عنها، قالت لي إنها كانت تلاحقني أثناء فترة خطوبتها من مكان لآخر تريد مني أن أطلب منها فسخ خطبتها إلا أنها لم تجرؤ على التصريح بذلك، وأنني لم أستجب لها، طلبت منها مبررا لموقفها السخيف الذي أخبرتني بأنها مارست الجنس مع خطيبها، فادعت بأنه استدرجها وغدر بها، وأنها كانت تريد مساعدة أي شخص كان، ولم تجد غيري لتبثه همومها، شعرت بأنها تكذب بكل كلمة تقولها، وبأنها لا تحبني وإنما ألجأتها المصلحة لذلك بعد أن أضحت وحيدة مطلقة وهي في بداية عمرها، وفي نفس الوقت شعرت بالشفقة عليها.

طلبت مني الزواج فاعتذرت إليها بأسلوب لبق ولم ألتفت لدموعها ونحيبها على الهاتف، قلت لها إنني مستعد لخدمتها في كل ما تريد ما عدا الزواج، عادت بعد أيام لتطلب مني أن أبحث لها عن عمل، وبعد ذلك عادت لتخاطبني بـ"حبيبي"، ومرة أخرى وجدت نفسي حائرا ضائعا بين حبي القديم وبين غلطتها التي لا أستطيع نسيانها وبين إلحاحها علي بالزواج منها، أحيانا أشعر برغبة في الانتقام منها، أخطط لكي أوقعها في شباك الحب مرة أخرى ثم أتزوج من غيرها، تماما كما فعلت هي، أحيانا يستيقظ ضميري وأفكر بطريقة مناسبة للتخلص منها دون جرح شعورها، أحيانا أشعر بفراغ عاطفي، وأشعر بحاجتي للاستمرار معها، إلا أن فكرة الزواج منها لم تدخل في مزاجي مطلقا، فكيف لي أن أوقعها في حبي ثم أنسحب؟ وكيف لي أن أتزوج من مطلقة رفضها والدي وهي ما زالت بكرا؟ حتى لو رضخ والدي أخيرا ووافق على زواجي منها، فهل يرضي طموحي أن أتزوج من مطلقة خانت حبي لها؟.

أخيرا قلت لها إنني أريد أن أتحقق من حبها لي أولا، وإنني سأحاول نسيان الماضي، حتى لا أظلمها إذا ارتبط معها دون صفاء النوايا، فإن لم أستطع فعليها أن تعذرني، نحن الآن هنا، ساعدوني أرجوكم، ما الطريقة المثلى للتعامل مع هذه الحالة، أنا الآن ضائع، حائر أتخبط في سيل من الأفكار ولا أدري ماذا أفعل، وهي لم تزل تبالغ في إسماعي كلمات الحب والغرام يوميا على أمل الزواج، فماذا أفعل؟ ساعدوني أرجوكم.

 
 
 

 
 
 
   

مشكلتك ليست غريبة لا في بدايتها ولا في نهايتها فكثير من قصص الحب بين طلاب وطالبات الجامعة أو غيرهم تبدأ بنفس البداية وتنتهي بنفس النهاية؛ ومع ذلك فلن أتردد بإخبارك أن أسلوبك في عرض مشكلتك يجعل قراءة شخصيتك من خلف حجاب الانترنت سهلة بعض الشيء؛ وهو الأمر الذي يبرر تعاطفي معك وشعوري بحجم معاناتك؛ أعني أنه رغم تكرر بعض المشكلات فإن ما يجعلني أتعاطف مع بعض السائلين دون غيرهم هو شعوري بأنهم ضحية لأسلوب تربوي فيه من الخطأ أكثر مما فيه من الصواب, وهو ما أشرت إليه من بداية رسالتك, فوالدك العالم بالشريعة والذي كان حريصا على تربيتك بمثالية, ربما لم يكن يعلم أن أقوى تدمير نقوم به باتجاه نفسية أولادنا ينجم عن إجبارنا إياهم على الحياة بشكل مثالي في واقع ليس إلا كما يقول المثل:(إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب).

ورغم تعاطفي معك فأنا سأكون حيادية في حكمي عليك أو على تلك الفتاة, معتبرة أنك صادق في كل ما كتبته, علما بأن ذِكرك لبعض المواقف دون الإحاطة بكامل جوانبها يجعل الحكم صعبا على الفتاة هل هي صادقة في حبك أم لا, خاصة وأنها الأخرى قد تكون ضحية لأسلوب تربوي أو لخطيبها حسب ما ذكرتْه لك, لكن هذا شيء والوصول إلى الحل المناسب لوضعك شيء آخر, فأهم ما يجب أن تتذكره وأنت حافظ للقرآن وابن عالم دين, أن الله أمرنا بمساعدة بعضنا بعضا, لكن دون أن تعني مساعدتنا لأي إنسان ضررا علينا, فالقاعدة الفقهية تقول:(لا ضرر ولا ضرار).

بما أن مشكلتك متكررة فواجبنا قبل البحث عن الحل أن نحلل بعض المواقف والأحداث في المشكلة لننبه إلى خطأ حصل كي تستفيد منه أنت فلا تعيده في حياتك أو لفائدة بعض القراء الآخرين, أو - وهو الأنسب- إن تحليل أحداث الماضي يجعلنا أقدر على تخيل المستقبل كيف سيكون, فدعنا أولا نتأمل موقف التعارف الذي حصل أول مرة, حيث أكدّت مرارا أن ما تحمله لها لم يكن إلا استلطافا, لم يعرف به أحد, حتى فاجأتك الفتاة في قاعة المحاضرات تسألك عن اسمك وكأنها تظنك شخصا آخر, فهنا لدينا احتمال يكاد يكون وحيدا وهو أن هذه الفتاة التي تمتلك إحساس الأنثى شعرت بما هو أكثر من الاستلطاف من ناحيتك, ولمّا لم تقم أنت بأي خطوة إيجابية لتغيير منحى الاستلطاف إلى منحى أشد انعطافا باتجاهها قررت أن تكون هي البادئة, فاصطنعت أنها لا تعرفك قبل تلك اللحظة ومع ذلك أصبحت تأتي لتقابلك كل يوم حتى تطورت الدقيقة وأصبحت ساعة وأكثر, وما يجعلني أرجح هذا الاحتمال هو أنها لو كانت فعلا لم تنتبه لك سابقا وأن مشهد التعارف مجرد موقف عفوي, لما كانت لتكرر مجيئها لتلتقي بك كل يوم, وهكذا نستنتج أنها "راسمة عليك" كما يقال وتريد أن تكون من نصيبها, وهذا ما لا عيب فيه ما دام أسلوبها لم يخرجها عن حياء الأنثى الفطري وهو ما لم يرد في رسالتك, بل على العكس ذكرت دفاعك عنها أمام والدك بأنها في غاية الأدب والاحتشام, لكن هذا الاحتمال الراجح برغبتها بك وتخطيطها للحصول عليك كزوج لا يبرر لها تطلّبها بأن يكون ما بينكما أكثر من زمالة وهو الأمر الذي كنت تصر عليه أنت دائما, رغم أنه يا بني العزيز من الواضح أنه ليس مجرد علاقة زمالة لا من طرفك ولا من طرفها, فلماذا لم تكن علاقتك مع زميلة أخرى على نفس هذه الدرجة من الاهتمام أو الحميمية؟

هنا يجب أن أنبه إلى هذا الخطأ الذي يتكرر من طلاب وطالبات الجامعة خاصة الذين يصفون أنفسهم بالالتزام أو التدين - ولذلك تكون خبرتهم بأساليب الجنس الآخر للإيقاع بهم معدومة أو شبه معدومة- وهو أن الحرم الجامعي يجب أن يكون له من اسمه نصيب, والعكس حاصل الآن, لأن كثيرا من جامعاتنا قد تحولت إلى دار عرض للأزياء ومكان للفت انتباه الجنس الآخر, وبذلك انشغل الجميع ذكورا وإناثا – إلا من رحم ربك – عن الهدف الحقيقي من الدراسة الجامعية وهي بناء المستقبل الذي يؤهل لاختيار الطرف الآخر عن وعي وليس بدافع آخر سواء كان إشباعا لغريزة أو بحثا عن رفقة, ولذا أنصحك بالعودة إلى مشكلة: هواجس ملتزم, يحدث بين الطلبة والطالبات.

ومن هنا فإن استلطافك لها ورغبتها فيك ليس أمرا معيبا أو حراما فقد يكون هناك ما جذبها فيك كتدينك وسمعتك ومركز أبيك الديني, لكن العيب أن تتكرر لقاءاتكما وتتطور علاقتكما بشكل سري, ورغم أنك لم تذكر حدوث أي شيء بينكما يمكن أن يوصم بالحرام فإن هذه اللقاءات على براءتها قد تكون مثل من يحوم حول الحمى فيوشك أن يقع فيه, كما في الحديث الشريف, والسبب أنه خارج عن إرادة أهلك أو علم أهلها, فهذه اللقاءات السرية بين ذكر وأنثى ولو لم تكن خلوة لا تخلو من خطورة لأنها قد تؤدي إلى التفكير فيما هو أبعد, وأعتقد أن الله لطف بك عندما انكشف أمر اللقاء؛ وما كرهك للقاء أبيك ومحادثته رغم أنك خدعته بقصة اخترعها صديقك جليس السوء إلا دليل على أن هذه اللقاءات كانت تعني لك شيئا كثيرا, واسمح لي هنا أن أصارحك بأن هذه اللقاءات لو كانت ذات مغزى عاطفي فقط دون أن تشعل فيك شيئا من الغريزة – وهذا الاشتعال طبيعي لدى شاب عازب يلتقي بفتاة يحبها - لما نجم عن غيابها من حياتك هذا الموقف الحاد تجاه أبيك, لأن الحب الحقيقي مطهرة للقلب من العواطف السيئة لا العكس, وصحيح أنه يتحمّل جزءا كبيرا من المسؤولية بتربيته المغالية في المثالية من جهة وبعدم اهتمامه بمشاعرك تجاه هذه الفتاة من جهة أخرى, لكن كان جديرا بك أن تعمل على إعادة ثقته فيك محاولا أن تقنعه بك كرجل لا أن تهرب من لقائه, فهذا الهروب هو دليل عدم نضجك, واعذرني إذ أخبرك أن ثمة أدلة أخرى على عدم النضج ستأتي لاحقاً.

الآن دعنا نحلل موقف خطبتها من غيرك وعقد قرانها عليه, فقد جاءتك باكية شاكية أكثر من مرة, لكن لما لم تجد لديك أي رد فعل إيجابي لم يكن منها إلا أن استسلمت لقدرها فوافقت على ذلك الشخص الذي أصبح زوجها شرعا وإن لم يكن كذلك عرفا, ثم حملت منه, وهذا كثيرا ما يحصل بين الخطيب وخطيبته بمجرد عقد القران, وهذا التفسير لا يعني تبرير ما يحدث لكني نبهت في كثير من الاستشارات أن الوقوع في هذا المطب ليس إلا بسبب بعض الاختراعات التي أقامها المجتمع فأصبحت أهم من الدين, ويمكنك أن تجدها في بعض المشكلات مثل (مع عقد القران ترتفع حرارة الأرض كثيرا)؛ لكن الغريب أن ينتج عن خطبتها لغيرك تحول حبك لها إلى كراهية, رغم أنك حللت قيودها من البداية وحاولت أكثر من مرة ألا تربطها بك وأخبرتها أنه لا مانع لديك من ارتباطها بغيرك وشرحت لها ظروفك كلها وعلاقتك مع والدك, فالسؤال: لماذا كرهتها بمجرد أن خطبت لغيرك؟ الحب لا يتحول إلى كراهية عند إنسان سوي ناضج, وخاصة أنها لم تضّح بك من أجل عيون أول قارع لبابها, بل شرحت لك تصريحا لا تلميحا أنها تريدك أنت, وفي قصتك لم يرد ذكر أي تصرف خاطئ من طرفها يدل فعلا على تنكرها لحبك أو عدم أصالتها بل ما يفهم من طرحك لمشكلتك أنها بقيت متمسكة بك لآخر لحظة قبل أن تفقد الأمل, فلماذا شعرت بكراهية شديدة لها وبدأت تتحاشاها كأنها مصابة بالجذام؟

هذا الموقف يا بني يدل على عدم نضجك, فالإنسان الناضج في حال مفارقته لمن يحب لا بد أن يبقي على بعض المودة في القلب, ولو تصنّع الجفاء, ولو تبدل ظاهريا, فالحب حتى لو تبدل وطار وتبخر فإنه من المستحيل أن يتحول إلى كراهية, وربما كان تحول شعورك هذا ليس أكثر من رد فعل على وعدها لك بأن تنتظرك, ثم خالف فعلها قولها, ولكن هل تأخرك عن نجدتها وعدم طلب يدها يبرر لها مثلا أن تحول حبها لك إلى كراهية؟ بالطبع لا, فأنت معذور بسبب ظروفك القاسية, وهي معذورة بسبب ظروفها القاسية, وعلى هذا فقد كان من واجبكما أن يعذر كل منكما الآخر, ويستمر على شيء من الود القديم والاحترام للآخر, وبذلك لا يساء للحب وهو على ما هو عليه كقيمة إنسانية خيرة, فلا يتحول إلى قيمة شر بحتة.

ما يؤكد عدم النضج لديك ولديها أيضا هو الموقف الذي تلا تركها لخطيبها, فما إن أخبرتك بذلك حتى استهزأت بها, ودليل عدم نضجها أنها ظننتك ناضجا فجاءت تحكي لك همّها, ودليل عدم نضجك رد فعلك بالاستهزاء, وإذا أضفنا إلى عدم نضجها غباءها – وهي الكلمة التي اخترتها أنت وقد صدقت بها - عندما حكت لك الذي حصل بينها وبين خطيبها/زوجها, فإننا نضيف إلى عدم نضجك عصبيتك الشديدة ورفع صوتك بالشتائم لها, ولو أنك أنصفت لتذكرت أيها الحافظ للقرآن أن خطيبها هو زوجها وليس رجلا غريبا, فلم يكن ثمة داع لإهانتها, بل كان من الأفضل أن تعرض عنها وتتركها لتتدارك خيبتها دون أن تزيد من آلامها.

تبع ذلك عدم ثقتك بالناس وخاصة الإناث وتركك للصلاة إلا وقت الضرورة كما ذكرت وغير ذلك كثير, ثم جاء الحلم في الوقت المناسب وقد يكون حلماً نتيجة لتداعي حلقات المسلسل في لاوعيك, وأشخاصه أنت وهي ووالدك, وبما أنك عرفت بعلاقتها الجنسية مع خطيبها/ زوجها, فلذلك رأيت الحمل واضحا عليها, وقد يكون رؤيا صادقة فسّرتْها الرسالة القصيرة التي وصلتك, والله أعلم بذلك, لكن المهم في الموضوع أنها تتهمك في هذه الرسالة بأنك دمرت حياتها, وهنا يبدو لي عدم نضجها مرة أخرى بانعدام محاكمتها المنطقية, فمن دمر حياتها هو هي نفسها عندما أسلمت نفسها للخطيب بعد العقد, وقد يكون عدم نضجها هو السبب في كتابتها هذه العبارة ولكن قد يكون أيضا سعة حيلتها وطمعها بأن تحرك عواطفك تجاهها وقد نجحت في ذلك فعلا, فهي تعدك أن تغير رقم هاتفها ثم تعود لتتصل بك موجهة كلمة (حبيبي) وهي الكلمة التي تجعل قلبك ينسحق بين رحى حجرين ثقيلين, حجر الحب القديم وحجر الكراهية الحديثة.

أيا كانت أسبابها فإن هذه الفتاة لم تعد تصلح لك, فالحب الذي استُبدل بكراهية يستحيل أن يولد مرة أخرى جميلا كما ولد أول مرة, بل لا ريب أنه سيُجهض كجنين مشوه, ولو كنتما حافظتما على شعرة معاوية كما يقال أعني حافظتما على شيء من الحب بينكما لقلت أنه من الممكن أن يعود هذا الحب للحياة مرة أخرى بعد أن دخل في غيبوبة, إذ يمكن إنعاشه بالعزف على أوتار القلب, ولكن لا قلبك عاد سليما محبا لها كما كان سابقا, ولا عقلك يوافق على الزواج من امرأة مطلقة وحامل من رجل آخر, ويأتي حكم العقل متمترسا خلف ركام تسلط الأب الذي يأبى أن يمنح الابن شيئا من الاستقلالية فيكون خياره في الزواج متقدما على خيار أبيه, ولا أقول مهملا لرأي أبيه.

يا عزيزي قصتكما وصلت إلى طريق مسدود, خاصة وأنت تشعر أنها تكذب عليك, وقد تكون كاذبة ومخادعة وتعرف من أين تؤكل الكتف في أسوأ الأحوال, وقد تكون صادقة ولكنها ضعيفة الشخصية أو حمقاء لا تحسن التصرف في أحسن الأحوال, وعلى الحالين أنصحك بإغلاق الستار على تلك الكوميديا السوداء في حياتك, ولا تترك صلاتك بل الجأ إلى الله لعله يجبر قلبك بفتاة تأتي متسقة مع اختيار القلب والعقل, ولكن كي لا تقع في ما وقعت فيه يجب أن أنبهك إلى أن تكون عواطفك أقل حدة مما هي الآن, وليس عيبا أن نعبر عن عواطفنا لكن قد يفتقد الكثير منا التعبير بالأسلوب المناسب وفي الظرف الملائم؛ كما أنبهك إلى أنه قد تكون لديك شخصية ناقمة رغم كل الهدوء الذي تتوارى خلفه, وهذه الشخصية بحاجة إلى أن تتعلم التسامح, وأول شخص تسامحه هو والدك الذي رباك على مثالية مفرطة متعالية على الجانب البشري وكأن البشر لا يخطئون, وإذا لم تسامحه فلن تستطيع أن تكون أقوى منه وتتغلب على تسلطه ثم تفك نفسك من قيوده كخطوة تالية ومن ثم يكون لك القرار الحياتي بالزواج, وإذا لم تفعل ما أنصحك به فقد تجد نفسك إلى آخر يوم في حياتك وأنت ما زلت تعيش في جلباب أبيك

     
   
     

 
   

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |