من الطبيعي أن تشعر الفتاة برغبة جنسية في أي عمر بعد
البلوغ, وتكون هذه الرغبة أكثر ما تكون بين العشرين
والخامسة والثلاثين من عمر المرأة, لكن أن تصل لحد
"الفظاعة" فهذا ما يجعلنا نبحث عن الأسباب والمحفزات, وهي
لم تعد خافية على كل ذي عينين, فكل ما حولنا يثير الغرائز
بطريقة "فظيعة" ويأتي على رأس المثيرات ما يراه الشباب
والفتيات في الفضائيات التي يليق بكثير منها تسمية
الفضائحيات, التي تعرض أغاني الفيديو كليب أو العري كليب
بالأحرى, وصرعات الإعلانات عن أدوية مقوية جنسية وموضة
الأفلام الرومانسية التي لا تكتمل حبكتها إلا إذا احتوت
على مفعلات الرغبة الجنسية ومزعزات الطمأنينة النفسية
ناهيك عن القنوات البورنوغرافية ومواقع النت الإباحية,
وهلم جرا.. فأين النجاة من هذا الطوفان أيها الشباب
والشابات؟
لا نجاة يا عزيزتي إلا بالانشغال الحقيقي, وأنت تقولين
أنك تشغلين نفسك حتى تأوي إلى سريرك "مهدودة" فاسمحي لي أن
أصارحك بأني أشك في قدراتك على السيطرة على نفسك وجسدك
وتفكيرك أثناء هذا الانشغال, إذ يبدو لي من صرختك الواضحة
في رسالتك - والتي لا أدري إن كانت ستظهر بالعامية كما
كتبتِها أو بالفصحى التي تقلل من وضوح معاناتك بعد أن تخضع
للتغيير اللغوي الذي يعني تغييرا في الأسلوب, وهو الأمر
الذي قد يخفف من أصداء هذه الصرخة - يبدو لي يا عزيزتي أن
جسدك يصرخ بالرغبة حتى وأثناء تناولك لأعمالك ونشاطاتك
فلماذا يحدث معك هذا يا ابنتي؟
إذن ليس استغرابي وتساؤلي عن وجود الرغبة الجنسية لديك,
فهذا أمر طبيعي, لكنه عن وصولها لحد الفظاعة ولحد
الاستغراق بحيث تسيطر عليك حتى في الأحلام, وبالطبع فإنه
أمر مقبول أن تحضر في أحلامك بل ورحمة من الله وتخفيف عنك,
لكن وصفك لها بالفظاعة والسيطرة عليك أمر يجب التوقف عنده
لأنه يدل على أن هذه الطاقة الطبيعية تحولت إلى قوة طاغية
بالشدة والحدة, ويعني أن هناك أسبابا أخرى لمعاناتك
العنيفة تحت وطأة الرغبة الجنسية, وهذا إن دل على شيء يا
عزيزتي فهو يدل على أنك لم تتعلمي كيف تسيطرين عليها بدل
أن تسيطر عليك, لذا أذكرك بقول البوصيري رحمه الله:
والنفس كالطفل إن لم تهمله شب على .......... حب الفطام
وإن تفطمه ينفطم
لذلك يحسن بك أن تقوي إيمانك وتتقربي من الله سبحانه كي
يكون عونا لك على نفسك, والتقرب منه يكون بالطاعة والبعد
عن المعصية, ومن المعاصي ترك الجوارح لترعى في ما حرم
الله, فالأذن تزني وزناها السمع والعين تزني وزناها النظر,
وكيف يمكن السيطرة على هاتين الجارحتين وغيرهما إن لم يكن
الإيمان رداؤنا والعقل زينتنا؟
الإيمان يزيد وينقص وزيادته بالطاعة الخالصة لله, وهي
ليست فقط بالقيام بالفرائض بل بالطاعات التي لا يطلع عليها
أحد, كقيام الليل وصدقة اليمين التي لا تعلم بها الشمال,
وكل النوافل التي من شأنها أن تزيد نسبة الإخبات لله في
نفس المؤمن والمؤمنة, وفي إتباع السيئة الحسنة كي تمحها
فلا تتراكم السيئات على القلب فيصبح منكوسا لا يعرف معروفا
ولا ينكر منكرا, وفي كثير من الأمور التي زهدنا بها بسبب
غوص أقدامنا في مستنقعات الحياة الدنيا, مع أننا نذكر قوله
عليه الصلاة والسلام: (ألا أن سلعة الله غالية.. ألا أن
سلعة الله الجنة).. وقوله:(حفت الجنة بالمكاره وحفت النار
بالشهوات).
أما العقل فهو الذي يجب أن يكون ملكا متوجا على العواطف
والغرائز, وإذا كانت الغرائز تحت سيطرة العقل فليس معنى
ذلك إلغاؤها, لكنه يعني تأجيلها إلى حين يمكن إشباعها
بطريق الحلال, وقد ذكرت في أحد الردود أن الطاقة الجنسية
يمكن تشبيهها بالطاقة الكهربائية التي لا تعمل إلا بضغط
الزر الخاص أو بوصل المأخذ الكهربائي, لذلك فإنه من المفيد
إبقاء القاطعات الكهربائية مفتوحة غير موصولة إلا عندما
نعلم أن هذه الطاقة ستأخذ مسراها الطبيعي المباح.
شعورك بالغير أيضا من صديقة تتزوج هو أيضا شعور عادي
لمن هي في مثل حالتك, لذا فمن الجدير بالذكر أن البحث عن
الزوج بالنسبة للفتاة ليس شيئا معيبا إذا تم ضمن أصول
الحياء وآداب الفطرة السليمة, وهو ليس مهمتها وحدها بل
مهمة أسرتها أولا ومهمة المجتمع ثانيا الذي أصبح تغيير
كثير من تقاليده الزائفة أمرا واجبا على كل منا, كي نعين
الشباب والفتيات على إشباع رغباتهم بالحلال, وإلا فإن الله
سبحانه سائلنا جميعا عن هذا المنكر الذي نراه ولا نسعى
لتغييره, وأقصد بالمنكر تلك العوائق التي وضعها المجتمع
أمام زواج الشباب والفتيات, ومنها زيادة المهور وحب
المظاهر, ولعل الفتوى التي طرحها المجمع الفقهي عن زواج
فريند هي نتيجة لفهم واقعي لما يحصل من زواج عرفي بدون علم
الأهل, لكن كم هو عدد العائلات التي تقتنع بزواج أبنائها
وبناتها بهذا الشكل؟
وعودة إلى ثورة الغريزة التي هي أساس مشكلتك ومشكلة
غيرك من الشباب والشابات فإننا بحاجة إلى ثورة على
المفاهيم البائدة للزواج والتي تجعله أقرب لإتمام صفقة منه
لإكمال علاقة أساسها المودة والرحمة, كما أننا بحاجة إلى
رفض كل المثيرات الغرائزية في الإعلام والشارع, إضافة إلى
وجوب إيجاد أنماط تربوية جديدة للنفس والمجتمع, فمهما كانت
أصوات المثيرات عالية فإن صوت الفطرة السليمة أقوى إذا
كانت التربية سوية, وهذه الفطرة تأبى أن ترضخ لكل ما لا
يرضي الله, فالحياء من الإيمان لذا فإنه فطرة وعندما نركز
جرعاته في نفوس من نحن مسؤولين عنهم, فإنهم سيتمتعون
بمقاومة لكل الإغواءات الشيطانية التي يتعرضون لها في
الواقع الافتراضي أو الفضائي أو الحياتي, ولن يعانون من
إرهاقات غريزة الجنس كما يعاني غيرهم, فهذه هي مسؤولية
المربين.
أما مسؤوليتك أنت يا ابنتي فهي أن تتذكري أن الله منحك
أمانات وسوف يسألك عنها, وهذه الأمانات هي السمع والبصر
والفؤاد, (كل أولئك كان عنه مسؤولا) وهو ما سبق أن تحدثت
عنه من حفظ الجوارح, التي يجب أن تخضع للجوانح, وهي القلب
المعبر عنه بالفؤاد في الآية الكريمة, ويسهل ذلك للقلب
المملوء بمحبة الله سبحانه ومراقبته والخشية منه, كما قد
يقصد بالفؤاد العقل, وهو العقل المسلم اليقظ المنتبه لخدع
الشيطان ومكر النفس الأمارة بالسوء وفتن المجتمع, فيتجنب
الوقوع بها, وكل ذلك لا يمكن إلا بالتسامي الروحي والتوكل
على الله وطلب المعونة منه, وفي الدعاء المأثور عن خير
الخلق محمد صلى الله عليه وسلم:(اللهم إني أسألك فعل
الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين, وإذا أردت بقومي فتنة
فاقبضني إليك غير مفتون).
أنصحك بالرجوع إلى بعض المشكلات المشابهة مثل:
أخشى من حبي للشهوات
حائرة بين نار الرغبة وإكمال الدراسة
حائرات بين نار الرغبة وتأنيب الضمير