تكاد
تكون مشكلتك متكررة في بلدك بشكل ملحوظ, لأن فرص الزواج أمام
الفتاة غير متاحة إلا عن طريق المعارف والأقرباء, فإذا لم تتزوج
الفتاة ابن عمها أو ابن خالها, فإن سوقها تبور, ولا أجدني مضطرة
للاعتذار عن هذه العبارة الأخيرة, لأنها الحقيقة - للأسف - في
عالمنا العربي وبالذات في البلاد الخليجية – مع التأكيد على وجود
استثناءات – حيث ينظر إلى المرأة على أنها سلعة تباع وتشرى فهي
مصدر متعة للرجل ووعاء لإنجاب الأطفال وبالتالي تكثير العشيرة
وتكبير العائلة, فإذا كبرت سنها فإنها لن تصلح لإحدى هاتين
المهمتين, أو لكليهما, ولذا تقل رغبة العزاب بها, بينما لن تعدم
متزوجا من امرأة أو اثنتين أو ثلاثة يضمها إلى "حريمه", فإذا كان
لديه من الأولاد ما يكفيه فإنه لا يحبذ أن ينجب منها, لأنه يريدها
للمتعة وليس للإنجاب, دون أن يتذكر أو ربما دون أن يعرف أصلا أن
فطرة الأمومة كامنة في جوانح كل أنثى وأن من حقها أن تكون أما لطفل
من لحمها ودمها, وكي أخفف عنك أذكر لك قصة مريضة عندي وصلت لعمر
الثلاثين ولم تتزوج, ولكنها منذ أربعة أعوام راجعتني مع زوجها الذي
سبق له الزواج, وكانت حاملا, فكان لا يستطيع إخفاء انزعاجه منها
وكأنها خانت اتفاقا بينهما مفاده عدم الإنجاب, ولكنها استمرت في
هذه "الخيانة" فكانت تراجعني في كل عام وهي حامل بمجرد أن تضع
مولودها وتنهي فترة نفاسها, وكأنها تعوض ما فاتها, وقد رأيت زوجها
أخيرا مستسلماً للأمر الواقع, وكأنه يريد سلته بلا عنب, وهذا مثال
على أنانية الرجل الذي لا يفكر بحقوق المرأة بقدر ما يفكر بنفسه,
فتأتي امرأة واحدة فتنتقم لكل النساء مرة واحدة!
وتأكيدا على صدق كلامي أذكر عبارتك التي تقولين فيها:( ولكني
إنسانة لي قلب أتمنى أن أجد شخصاً يهتم بي ويشعر بوجودي يشعرني
باني مرغوبة وليس مجرد كلمة تلاحقني أينما ذهبت ، أتمنى أن أكون
أسرة وأن أسمع كلمة ماما ولو كان ذلك للحظات) فمن حقك أن تبحثي عن
الرجل الذي يملأ فراغك العاطفي, ولكن من يوافق على هذا الكلام في
مجتمعك؟ ومن يتذكر أن خديجة أم المؤمنين هي التي طلبت الزواج من
محمد عليه الصلاة والسلام؟ ومن يتذكر أن امرأة عرضت نفسها على
النبي عليه الصلاة والسلام ونزل بها وبأمثالها قرآن يتلى؟
بالطبع لا يعني ذلك أن تعرض المرأة نفسها على أي رجل, لكن مادامت
أعجبت بخلقه ودينه فإن من حقها أن ترسل له رسولا حكيما سواء كان
أبا أو أخا أو أما أو قريبة كبيرة ذات خبرة, وفي السيرة أن عمر رضي
الله عنه عرض ابنته حفصة على عثمان وأبي بكر ثم خطبها الرسول عليه
الصلاة والسلام فكانت زوجته, لكني أشعر أني أتكلم عن زمن ولى وأصبح
لا يقتدي به إلا كل شجاع جريء صادق مع نفسه وغيره, ويعلم أن أعراف
البيئات وتقاليدها السيئة هي التي طغت على تعاليم الدين السمح, فهل
لك أن تجيبني يا عزيزتي ماذا يُفهم من كلام الله عز وجل:(فلا
تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف)؟ أفضل تفسير
سمعته لهذه الآية أن من واجب ولي أمر المرأة ألا يمنعها ممن ارتضته
زوجا لنفسها, وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام (ليس للمتحابين مثل
النكاح) يؤكد على هذا, ولكن كم عدد العائلات في بلدك خاصة وفي
البلاد العربية عامة تقبل أن تطبق على إناثها هذه الأوامر المقدسة؟
إذا
أتينا إلى مشكلتك أنت شخصيا, فهذا الرجل المقيم - والذي يدعى
"أجنبي" رغم أنه عربي – أرى أن الفراغ العاطفي الذي تعيشينه هو
عامل لتعلقك به وإن كان ليس هو كل العوامل, لكن إذا كنت أنا لا أجد
أي غضاضة في أن تتزوج المرأة أكبر منها أو أصغر منها, مادام فرق
السن مقبولا, وما دام عماد علاقتهما الحب المدعم باقتناع العقل,
وخاصة أن الوعي في الفكر لا في العمر, لكن ما هو رأي المجتمع بهذا
الزواج؟ وهل يدع الناس بعضهم بعض بخير دون أن يمسكوا في سيرة تلك
التي تزوجت من هو في عمر ابنها, وتلك الأخرى التي ليس فيها مسحة
جمال وتزوجت من ذلك الجميل, وتلك الثالثة التي لم يعجبها إلا
"أجنبي" فتدخله بيت أهلها؟
كل
هذه الأسئلة أيتها العزيزة إضافة إلى هواجسك التي تطرحينها على شكل
أسئلة أيضا, ستكون حاضرة وبقوة إذا فكرت أن تفاتحي هذا الشاب بأي
شكل من الأشكال, سواء كان تشجيعا منك أن يتقدم لك, أو بإرسال أي
رسول حكيم له, لكن المشكلات ستظهر أمامك, فهو قد يرى فيك صيدا
مناسبا إذا كان رجلا ماديا, فأنت من عائلة غنية, وهو سيكسب إقامة
دائمة, ولن يحتاج أن يكون مكفولا, ولذلك فقد يتغاضى عن فارق السن
بينكما, ولكنه أيضا قد يكون يحبك فعلا ولا يهتم لفرق العمر, لكن
كيف لك أن تتأكدي من صدق مشاعره تجاهك؟ وأيضا هل أهله سيوافقوا على
زواجه ممن تكبره حتى لو وافق أهلك؟
كثير
من المصاعب في طريقك, وقد تكون كلها راودت خاطرك, ولم أفعل شيئا
إلا أن سجلتها لك لتريها أمامك, وتحاولي أن تفكي شفراتها واحدة بعد
الأخرى, فهو لا يستطيع أن يبدأ الخطوة الأولى بحكم أنه غريب, "ويا
غريب كن أديب", مثل معروف في بلدك وغيره, فكيف تبدئين أنت هذه
الخطوة؟
أن
تعطيه الضوء الأخضر – كما يقال – وتطلبي منه أن يتقدم لطلب يدك من
والدك, ثم تشرحي له أنك لن توافقي ما لم يوافق أهلك, فهذا عرض غير
مغرٍ برأيي بل غير منطقي أيضاً, لأن هذا الشاب إذا كان عقلانيا في
علاقته بك فسيطلب منك أن توضحي شعورك لأهلك, وبأنك تريدين الزواج
منه على سنة الله ورسوله, وأنه من صالحك ألا تتأخري بالزواج أكثر
من هذا لأن معنى ذلك أن فرص الحمل أمامك ستصبح قليلة بسبب العمر,
فإذا لم يوافقوا عليه فمعنى هذا أنهم سيضيعون عليك فرصة الزواج
وإشباع الرغبة والجوع العاطفي, كما سيفوتون عليك تحقيق أمنيتك بأن
تصبحي أما, بمعنى أن هذا الزواج هو مصلحة لك بقدر ما هو مصلحة لك
فإذا كنت توجبين عليه أن يقوم بالهجوم – مجازا- على قيم مجتمعك
التي ترفض زواج المواطنة بمقيم, فمن غيرك سيقوم بدور الدفاع لتخطي
هذا الحاجز الاجتماعي؟
ما
أنصحك به أن تنتظري حتى يأتي من بلده, وتجسي نبضه فإذا كان لم
يرتبط هناك, فمعنى ذلك أن الطريق من جهته سالكة باتجاهك, لكنك لا
تضمني مشاعره أنها لم تتغير, فإذا شعرت أنه يكنّ لك شيئا من الود
القديم, فيمكنك أن تختاري الأكثر حكمة من أهلك, إذ لا أحبذ أن
تعرضي أنت الأمر عليه, فقد يصدمك جوابه بالرفض, وهذا الرسول الحكيم
هو الذي يسأله عن رأيه في الارتباط بامرأة أكبر منه سنا وأقل منه
جمالا, وليحدد له جنسيتها, فلا بأس أن يبحث كلا منكما عن مصالحه
بما أن الحب موجود, فبالنسبة لك من مصلحتك أن تتزوجي, ومن مصلحته
هو أن يكسب إقامة دائمة, وأرجو ألا يفهم كلامي أني أحبذ زواج
المصلحة, بل على العكس إنه يزول بمجرد زوال المصالح, لكني ذكرت
عبارة "بما أن الحب موجود" فهي الأساس ولا بأس بالإضافات الأخرى
التي تجعل الزواج مستقرا كالغنى المادي والجمال إلى جانب الصفات
المهمة والتي لها الأولوية من حيث الدين والخلق.
إذا
بدا أن هذا الشاب لا يمانع الارتباط بامرأة تكبره سنا ويفوقها
جمالا, فيمكنك القيام بخطوة أخرى, وهي إرسال هذا الرسول الحكيم مرة
أخرى لإخبار هذا الشاب بأنك أنت هي
الشخصية التي ترغب بالزواج منه, ولكنك تحتاجين وقتا كي تعلمي رأي
أهلك بالموضوع, بمعنى أن لا تضعيه تحت ضغط موافقة أهلك وإلا فلا,
وفي نفس الوقت كي لا يضغط عليك هو فيجرك إلى الزواج منه دون موافقة
أهلك, وأنا شخصيا لا أرى مانعا من لقائكما في مكان غير مكان عمله
مع وجود هذا الرسول الحكيم الذي تثقين به ويكتم سرك, وهناك
تتبادلان وبشكل عقلاني وجهات النظر في المشكلات التي ستعترض طريق
الارتباط, على أن يكون الصدق هو رائدكما, وبالطبع قد يكون كلامي
غير مقبول بالنسبة لك, فكيف تقابلين شخصا غريبا؟ فهذا في مجتمعك
كبيرة من الكبائر ولكنها ليست كبيرة في الدين لأن من حق الخاطب أن
يرى وجه من يريد خطبتها, بل ويذهب بعض الفقهاء إلى أكثر من هذا
بكثير مما لا مجال لتفصيله هنا, ولو كنت صغيرة في السن وقليلة
الخبرة في الحياة, لما كان جوابي لك بمثل هذا الجواب ولما اقترحت
عليك هذا الاقتراح, ولكن الضرورات تبيح المحظورات, وهي ليست سوى
محظورات اجتماعية, فأنا لا أدعوك إلى الخلوة به أو إلى أن تُريه
أكثر من وجهك, وبعد أن تتأكدي –عن طريق الرسول الحكيم كما أسلفت -
أنه لا يمانع في الارتباط بمن هي أكبر منه أو أقل منه جمالا فأنت
أكثر منه مالا وتملكين جنسية تدعمه مستقبلا.
قد
يكون من الأفضل وكي لا تقعي في حرج لقائه ثم رفضه لك إن كنت
تعتقدين بأنك أقل جمالا من طموحه مثلا, بأن ترسلي صورتك بالخمار
فقط مع الرسول الحكيم الذي اخترته, وإذا لم يوافقك اقتراحي فإن
غايتي هي مساعدتك, مع علمي بصعوبة وضعك في مجتمعك, لكنها حياتك يا
أختي ويعز علي وجود هذه النسبة من العوانس – مع تحفظي على التسمية
- في مجتمعك, فثلث النساء مطلقات وأرامل, وثلثهن عازبات, وهذا لا
يرضى به الإسلام الذي هو دين الفطرة, ومن حق كل امرأة أن تصل
لحقوقها في اختيار الزوج وممارسة الأمومة, ولا يجوز لأحد أن يمنعها
هذا الحق, فاعملي على الوصول إلى حقوقك بالحكمة والمرونة اللازمة,
وإذا احتاج الأمر لإرسال أي أسئلة أخرى فلا تترددي بالمتابعة معنا.
نشر
في إسلام أنلاين 26/7/2006