الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) أخي دمرني.. والله ينقذني

     
 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله معاناتنا بدأت منذ 3 سنوات، حيوان يمشي على الأرض هو أخي.. أنا على يقين أنني كنت سأقبع وراء القضبان ولسنوات طويلة، ذلك أنني خططت لحرق أخي بالبنزين.. يتناول الأقراص المخدرة كل يوم، إنها مأساتنا في هذه الحياة وقصة العذاب الذي تجرعته أسرتي قطرة قطرة ولــ 3 سنوات.. فصلت من الدراسة بسببه.. كيف لشخص طموح ومجتهد أن يتقبل هذه المصيبة ؟ لم أرسب أبداً، وقرار الفصل جاء بسبب تغيبي لـ 3 أشهر.. مع فجر كل يوم جديد أتطلع لحياة كريمة أنا وأسرتي المغلوبة على أمرها، أسرتي التي بالكاد تجمع قوت يومها، نظير عمل مضني وشاق.. عمري 21 سنة، بلا مستقبل، ضائع بعدما دمرني أخي الذي أكن له كل الحقد والكراهية وحب الانتقام الذي يجري في عروقي.. مأساتنا فريدة ولا تتكرر، بل أجزم أنها نادرة في عالم الإجرام.. ليس لنا أقارب والشرطة لا تأتي إلا بالوساطة والرشوة. ليالي طوال قضيتها أنا ووالدتي في البرد ننتظر خروج الشرطة معنا.. لكن النتيجة دائما سلبية، وفي أحد المرات خرجوا معنا ولما لم يجدوه في المنزل أشبعونا سبا (ظلم وشطط في استعمال السلطة، أي ديمقراطية هذه).. رمضان المعظم من أسوإ الشهور عندنا، وإن كان المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ينتظرونه بشوق فنحن نتمنى أن لا يأتي.. اليهودي (لم أجد كلمة أبلغ من هذه) ينغص عليها شهر الصيام، فهو يدخن في نهار رمضان أمام الاسرة والناس.. تصوروا كيف ستكون مشاعرنا، إنني كلما تذكرت ذلك زاد عزمي على تنفيذ مخططي وأقسم أنني سأخلص أسرتي من جبروته وإلا الأبد وعندما أقتاد للسجن لن يلومني المجتمع فالكل يعرف المأساة.. المصيبة أعظم من ذلك، فهو يعمد لتكسير الصحون والأواني فور بدإ الإفطار، ويبدأ بالسب والشتم والتفوه بكلام فاحش يندى له الجبين إن لم نوفر له النقود.. هذا هو حالنا في رمضان وكل يوم.. مهما تخيلتم حجم المأساة والعذاب فإنه أفظع من ذلك وبدرجات.. إن الشهر الفضيل من أسوإ الشهور عندنا ولا حول ولا قوة إلا بالله.. نفس الصور تتكرر في الأعياد وكل يوم من أيام السنة.. نهب كل ممتلكات المنزل، سرق ملابسي وحذائي.. كسر كل شيء، بهذلنا وأصبحنا نعيش بلا كرامة.. لم تعد الكلمات الساقطة عيب عندنا لأننا تكيفنا معها.. لكم أن تتصورا فضاعة الأمر.. أبي مغلوب على أمره، يخاف من ابنه العاق.. وهو مسؤول عما نمر به لأنه لم يحسن تربيته وأطلق له الحبل على الغارب يشرب الخمر في باحة المنزل أمام أختي (عمرها 18 سنة) وأخي الصغير..يتناول الأقراص المخدرة ويبدأ في الهذيان.. ما يؤلم فعلا هو تواجد أختي في المنزل لأنها تتأثر كثيرا خصوصا بالكلمات الساقطة.. أمي تبرأت منه وهي ساخطة عليه إلى يوم القيامة، وهي من حركت شكوى ضده للقبض عليه لكن الشرطة تطلب أموال ومصاريف وإجراءات طويلة لادخاله السجن. ووالله كم مرة فكرت أمي في اقتراض المال لادخاله السجن لكن طول الإجراءات يفشل الأمر دائما ... غريب؟ أليس كذلك ؟ لو كان الأمر يخص شخصية معروفة ولها وزنها في المجتمع لما ترددت الشرطة في إدخاله السجن.. لكن عندما يتعلق الأمر بأسرة لا حول ولا قوة لها فإنه لا أحد يهتم.. ناهيك عن المعاملة الاإنسانية التي نلقاها في الشرطة كأننا نحن المجرمون.. لا أعرف من اي الأصناف هذا اليهودي، لكن الشيء الذي نحن متأكدين منه أنه ليس بمسلم.. والديّ فات الأوان لانقاذهما، ما يهمني الان هو أختي وأخي الصغير.. سيدمر دراستهما كما حدث معي، ستنشأ لديهما عقد نفسية خطيرة وما لا نعلمه أفظع.. أنا مرتبك لأنني والله شاهد على ما اقول عدت الان فقط من الشرطة، وأنا أخط هذه الرسالة لأرسلها لكم يوم الأحد لتبقى ذكرى، علما أنني لا أملك أنترنت ولا حتى خط هاتف. وسأقوم بإرسال الرسالة من مقهى عام.. سيدي الفاضل لماذا لم نعرضه على طبيب نفسي ؟ لأن هذا مستحيل وبجميع المقاييس ؟ هذا حيوان يستحق الموت بلا رحمة.. إن أخبرت أمي بالأمر ستهزأ مني، لأننا لا نملك المصاريف الضرورية لعلاجه في مصحة، ثم لأن التكاليف باهضة جدا جدا ولا يوجد أطباء أكفاء، معظمهم تخرج من كليات فرنسية ويحملون ثقافة فرنسية وبعضهم لا يجيد حتى العربية... أيضا هذا الحيوان لا يفهم معنى الإدمان ومعنى العلاج لأنه جاهل ومستواه هو الابتدائي فقط علما أن عمره 25 سنة.. الأزمات التي سببها لنا طوال 3 سنوات.. الشرطة التي لا تريد أخذه للسجن وتريد وساطة ورشاوي.. دراستي ومستقبلي الذي ضاع بسببه.. أمي المريضة وما عانته من ويلات ومآسي.. إخوتي.. سمعتنا.. الآلام والأحزان المستمرة كل يوم...الدموع الغالية التي ذرفت.. أقسم أنها لن تذهب هدرا.. لن انسى أو اسامح ما حدث.. يوم ميلادنا هو اليوم الذي أراه يحترق نارا ويتعذب كما عذبنا.. هذا حلمي وأسمى ما أتطلع إليه.. والله لن يهنأ بالعيش ولن يستمر طويلا.. كل الأمور جاهزة بقي التنفيذ وأنا أنتظر الفرصة المناسبة حتى لا أسبب ضررا داخل المنزل.. أي عقوق هذا ؟ وأي نكران للجميل مع من أجزل له العطاء..

تحية تقدير وإجلال للدكتورين: ليلى أحمد الأحدب– أحمد عبد الله إنني أحبكما في الله..

لا أنتظر ردا بقدر ما أردت إخباركم بالأمر حتى تعلم كل الناس بالحقيقة إن دخلت السجن..

 
 
 

 
 
 
   

أشكرك على ثقتك ومعذرة للتأخر في الرد عليك لكن مشكلتك لم تصلني إلا اليوم الأحد الثاني بعد عيد الفطر, وأنت تقول أنك أرسلتها الأحد ويبدو أنه الأحد الأول من رمضان, لأن رسالتك هذه وصلتني عن طريق محررة الصفحة مع رسالة أخرى بتاريخ 20 رمضان تقول فيها: (أرسلت لكم استشارة منذ مدة طويلة وكنت أريد أن أتلقى ردا من الدكتورة ليلى أحمد لأني في حالة نفسية سيئة جدا، قد فقدت الأمل وأصبحت جثة هامدة. أخي عليه من الله ما يستحق من اللعنات يفطر رمضان أمام الناس ولكم أن تعلموا مقدار الحرج بل ومقدار الذل والعار الذي يسببه لنا).

وقد يكون للانترنت دور في هذا التأخير, أو أن تعليقك الأخير بأنك لا تنتظر ردا هو سبب عدم إرسالها لي, وعلى كل حال فأرجو أن ينطبق علينا القول:(أن تصل متأخرا خير من ألا تصل أبدا).

في رأيي أن مشكلتك تقع ضمن المشكلات التي يصعب حلها نظريا كما هو حل المشكلات التي نتعرض لها في هذه الصفحة, وذلك لأن تفاصيلها تكاد توحي بانسداد كل الأبواب في وجهك, ولأن التعامل فيها ليس معك أنت لكن مع أخيك المدمن, ولقد اخترت أن أصفه بالمدمن من بين كل الأوصاف التي ذكرتها عنه لأن هذه المشكلة هي سبب كل المشكلات الأخرى التي يسببها أخوك, لذلك لا يمكن حل أي مشكلة تصدر عنه ما لم يتم معالجة إدمانه, ولا أرى الشرطة هي الجهة المناسبة للجوء إليها بل لا بد من معالجته في مصحة سواء كان ذلك بإرادته أو غصبا عنه؛ وبما أن ما تحكيه لنا ليس مشكلة عادية بل مصيبة من المصائب فلا بد لي أن أتخيل نفسي مكانك لأرى بهدوء ما يمكنني فعله إذا كان لي مثل هذا الأخ الذي فُرض علي ولم أختاره بنفسي:

أولا: يجب التعامل بهدوء مع المشكلة أو المصيبة أو الأزمة أيا ما شئت أن نسميها, ولا تنفع هذه الصراخات التي تضج بها رسالتك مع احترامي لمشاعرك ولسنك الصغير نسبيا, ولكن وعيك الكبير يفرض أن تتعامل مع هذه الأزمصيبة (دمج كلمتي الأزمة والمصيبة) بهدوء, فالتفكير برويّة يجعلنا أقدر على البحث عن حل وعلى التصرف بدون ردود فعل لأن ردود الفعل تؤدي إلى طامات كبرى مثلما تحكيه لنا عن رغبتك بقتل أخيك, وأنت تقول أن المجتمع سيسامحك, وأنا أسألك: هل نحن نأخذ باعتبارنا المجتمع وتقييمه لأفعالنا أم أن الأهم لنا هو تعاليم ديننا التي تأمرنا بالمحافظة على النفس (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا)؟ لا يوجد مبرر شرعي كي تقتل أخاك, لأنه مدمن أي مسلوب العقل والإرادة, ومن المعلوم أن مدمن المخدرات يمكن أن يبيع نفسه وعرضه من أجل المال, فكيف إذا كان مدمنا للمخدرات والخمر معا؟

ثانيا: مما يساعد على التعامل مع المصيبة الرضا بها مبدئيا وذلك بحمد الله أن لم تكن أكبر من ذلك, وفي الواقع يوجد مصائب أكبر من مصيبتك تنجم عن الإدمان, فقد عرض التلفزيون السعودي منذ عشر سنوات تقريبا قصة يحكيها أحد المدمنين التائبين لا يمكن أن تنسى, وهي أنه كان يعمل كوسيط بين تاجر كوكايين وبين تاجر حشيش, وتاجر الحشيش هذا يعيش في مكة المكرمة - انظر أين؟ في خير بقاع الأرض- وكان مطلّقا زوجته وله منها ابنة وحيدة بالغة تعيش معه وكان يتعامل مع ابنته جنسيا, أي يتخذها خدينة له, فلما جاء هذا الشاب الذي يحكي القصة ومعه تجار الكوكائين إلى تاجر الحشيش هذا رفضوا أن يبادلوه الكوكايين بالحشيش ما لم يمكّنهم من الفعل الجنسي مع ابنته, وبما أنه مدمن للكوكايين فقد فعل وسلّم ابنته لهم, وعلى مرأى من ذلك الشاب الوسيط كان المنظر: جمع من الحيوانات السفلة يتبادلون المضاجعة مع فتاة لا حول لها ولا قوة, ودون أن تهتز شعرة لأبيها الذي سلبها بكارتها وشرف روحها ونضارة جسدها. وفي تلك اللحظة فقط عاد ضمير الشاب الوسيط للوعي وهو المدمن على البلاءين معا أي على الكوكايين والحشيش فترك المكان واتجه بنفسه إلى أقرب مصحة لمعالجة الإدمان؛ ولك أن تقارن بين وضع هذه الفتاة التي تكلمنا عنها هنا وبين وضعك أو وضع أختك مثلا.

ثالثا: لا يعني الرضا بالواقع ألا تسعى إلى تغييره, فأول ما يجب تغييره نفسيّتك أنت, وذلك بالخروج من عقدة الذنب, فأنت لست مسؤولا أمام الناس عن أفعال أخيك وأقواله, وأنت لست مسؤولا عن ذنب والديك بعدم تربيته, وأنت لست مسؤولا عن إهمال والدتك له أو سوء تربيتها له, فهل تصدّق أن إنسانا يأتي مدمنا بالفطرة؟ أم أنها التربية الخاطئة؟ وهل التربية هي مسؤولية الأب وحده حتى تسمح والدتك لوالدك بترك الحبل على الغارب له؟ قد تكون معذروة كامرأة ضعيفة الشخصية قليلة الحيلة لم تدرك ككثير من الأمهات نتيجة هذا التدليل؛ هذا إذا لم تكن شاركت هي فيه من حيث لا تدري أنت, لأنك لم تذكر هل أخوك هذا أصغر منك أم هو الكبير, وعلى أية حال فليس هذا هو المهم, إنما أن تعلم أنك لست أنت من يدفع ثمن أخطاء تربية أخيك, وإنما هي فواتير واستحقاقات يؤديها والديك بعيدا عن مستقبلك أنت.

رابعا: لا يعني هذا أني أطالبك بأن تكون أنانيا لا تشعر بمعاناة والدك أو مصاب والدتك أو لا تتألم لما يحدث أمام أختك وأخيك, لكن أن توقف التفكير فيما لا فائدة فيه, وما هو مفيد حقا أن تفكر في استعادة دراستك كشاب متفوق وطموح, ويبدو لي أنك عاطل عن العمل, وأن ما يحصّله والدك بشقّ الأنفس لن يكفي لسد دراستك الخاصة, لذلك عليك أن تفكر بالبحث عن عمل وتحاول أن تجمع بين الدراسة والعمل, ولا أعرف من أي بلاد الله أنت, ولكن يكفي ما ذكرته عن الشرطة التعيسة لأتخيل أنك في  بلد من "بلاد العرب أوطاني" التي ليست أكثر من سجون كبيرة لمواطنيها, فكيف سيتحرك الشرطة - وهم مساجين أصلا - ليسجنوا من يستحق السجن؟ 

خامسا: تقول أنه ليس لكم أقارب فهل لا يوجد شيخ مسجد قريب؟ أحد كبير تثق به؟ معلم سابق فيه بقية من إنسانية؟ جار رحيم؟ جارة حكيمة؟ جمعية أهلية أو خيرية؟ أي أحد يمكنه المساعدة للتدخل من أجل أن تنتهي هذه الأزمصيبة بإدخال أخيك مصحة للعلاج.

تقول: هو يرفض ذلك, وأقول لك: كم عدد المدمنين الذين يطلبون العلاج بأنفسهم؟ هم نسبة قليلة فيما أعتقد, فالمدمن لا يعلم أنه مدمن لأن العقاقير التي يتناولها تجعله يتوهم أنه في قمة السعادة, لذلك يجب استعمال الحيلة حتى لو كان بتقييده وهو نائم نوما عميقا ثم أخذه إلى المصحة, أما التكاليف فأعتقد أنه توجد أمكنة حكومية وأعلم أنها بعيدة عن الإنسانية لكن ليس بالإمكان أبدع مما كان, وما يهم هو التخلص من هذا الإثم الجاثم عندكم في المنزل, دون تفكير بقتله أو بالفتك به, ولا بتسليمه إلا الشرطة لأنه قد يخرج من السجن ناقما عليكم جميعا بمجرد أن تنتهي محكوميته, لذا فإن حل المشكلة الذي يؤدي إلى تعقيدها وتأزمها ليس حلا, ويجب التفكير بهدوء وروية وتعاون الأسرة على ذلك بما فيها الأب والأم والأولاد.

سادسا: إذا اضطرك الأمر لمصحة خاصة فيمكنك اللجوء إلى المحسنين سواء في بلدك أو البلاد العربية الأخرى, وأنصحك عندها بتصفح مواقع الانترنت, أو بطلب مساعدة من صديق لديه انترنت في البيت, ولعل أحدا من القراء الكرام يتفاعل مع مشكلتك فيمكنه مساعدتك ماديا أو معنويا.

أعلم أن ما ذكرته لك ليس كافيا ولكن هذا ما حضرني الآن لأني لا أريد أن يتأخر الرد أكثر مما تأخر, وإن كنت تحبنا في الله فنقول: أحبك الله الذي به أحببتنا, ونذكّرك به سبحانه الذي هو من يحيي ويميت ويضر وينفع ويعطي ويمنع وهو على كل شيء قدير؛ فتوسل إليه سبحانه وتضرع, وسأختم لك بشيء مما تعلمته من اختصاص النساء والولادة لعله ينفعك وينفع القراء الكرام وهو: أن الجنين عند بدء المخاض يجب أن يكون متجها برأسه إلى أسفل, ولا يمكن أن تتم ولادته بسهولة إلا إذا انثنى رأسه على صدره, فإذا اختلفت زاوية الانثناء هذه أو الانطباق عسرت الولادة وامتنع مرور الجنين من حوض الأم, مما يحتاج معها إلى تداخل بعملية قيصرية أو ما شابه, وبما أن هذه الوضعية الموصوفة لانحناء الرأس على الجسد تشبه تماما وضعية الخشوع التي يجب أن نتلبس بها بيننا وبين الله وكأن فيها التذلل التام لعظمته جل وعلا, فقد استنتجت - عرفانيا – أنه كلما تلبست بخلعة العبودية والذل لله ذي الجلال والإكرام كلما كان معك وساعدك في المرور من أصعب أزمة وأشد حلكة, وتذكر قول ابن عطاء السكندري:(أفضل أوقاتك وقتا تشهد فيه فاقتك). والسلام عليك.

     
   

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |