الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) الأذن والعين.. أبواب الحب وآلامه

 
14/4/2002
 
 
 
 
 

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.. دعائي لله أولا بأن يجزيكم خيرا، ويجعل عملكم هذا كله في ميزان حسناتكم وأن يديمكم مساعدين معينين - بعد الله جل وعلا - للشباب على حل مشكلاتهم التي غدت كثيرة! أما بعد..
فأنا فتاة اجتماعية، أحب التعارف كثيرا ولي أصدقاء كثر، وكلهم أكبر مني بسنين عدة، وأغلبهم ليسوا من مدينتي، بمعنى أنني لم أتعرف عليهم وجها لوجه أو مباشرة، كان التعارف إما عن طريق المنتديات في الإنترنت ومن ثم الهاتف، أو عن طريق إحدى الإذاعات المحلية التي تبث إرسالها من إحدى مدن الوطن.. والوسيلة الثانية هي الغالبة.. وهذه ليست المشكلة، بل بالعكس أنا يسعدني ذلك، ولقد كان لمن تعرفت عليهم الأثر الأكبر على الخروج قليلا من وحدتي .
المشكلة في إعجاب بعض الشباب بي، أولا أنا والحمد لله فتاة ملتزمة، أصلي وأصوم وأرتدي الحجاب، ومن عائلة ملتزمة أيضا.. ومشكلة إعجاب الشباب بي لا أدري كيف أشرحها لكم.. لذا سأقص عليكم ما يحدث معي: وهو ما حدث لواحدة من الصديقات اللاتي تعرفت عليهن عن طريق الإذاعة.
أخ شاب يبدو عليه في أوائل العشرينيات من عمره، متزوج حديثا، ولكنه منفصل عن زوجته، ليس بالطلاق فهما متزوجان، ولكن انفصالهما لا أدري مؤقت أم غير ذلك؟ المهم أنهما منفصلان، قبل فترة كنت أهاتف هذه الصديقة، فحدثني أخوها، وسألني عن الوضع في مدينتي، وأنا حييته ورددت عليه بنفس القدر من الاحترام الذي حدثني به.. وتكلمت مع صديقتي، ومن خلال حديثنا عاد ليحدثني وسألني سؤالا عن "الحب هذه الأيام"؟ فأجبته وقلت له رأيي، ويبدو أنه اقتنع به.. فشكرني، وعدت لأحادث صديقتي فقالت لي: إن أخاها قد أُعجب بي فأجبتها أنا بأنه أخي الكبير واحترامي له.. ومرة أخرى، حدثتها وبالصدفة هو الذي رد على الهاتف فتحدث معي، وكانت كلماته حقا تنم عن إعجاب!! أنا لم أتجاوز حدودي، بل كنت في حديثي في منتهى الأدب والاحترام، وأنا لا أحاول ترقيق صوتي أو غيره.. ولكن لا أدري سبب هذه الرقة واللطافة في الحديث معي باحترام!!
هناك مواقف أخرى… ولكن لا أريد أن أسرد الكل لأتمكن من سرد المشكلة الثانية، وهي أيضا في نطاق الإذاعة، وهي مشاركتي في أحد برامج الإذاعة، وتحديدا عن الشعر، وإعجاب أحد الشعراء الشباب بي، وإهداؤه قصيدة لي، وإعلانه ذلك على الملأ، وقصائد أخرى فهمت وفهم من يستمع أنها كانت لي؛ وهو ما فُسر من قبلي ومن قبل المنتبهين لقصتي أنا وهو أنه يحبني مع العلم بأن القصة لم تتوقف حيث هنا!
المهم أن ما قصصته عليكم هو ما حدث معي، إعجاب هؤلاء بي لم يكن مجرد إعجاب، بل تعداه إلى حب، وهذا ما أنا متأكدة منه بلا مبالغة 80%، والعقدة في هذه المشكلة أنني فتاة عاطفية جدا ورومانسية، وإذا ما سمعت كلمة إعجاب من أحد فإني أتأثر كثيرا، فما بالكم لو سمعت كلمة إعجاب؟! وخاصة من شاب! أهيم وأحلم وقد يصل الأمر إلى أن أحبه، ولكن في النهاية أهوي على أرض الواقع أتجرع مر الحقيقة، وأئن وأعاني؛ لأنني أدرك حينها أني كنت أحلم وأن حلمي هذا كان سرابا!
وأنا لا أريد حقا أن أخوض في متاهات، بل غايتي حقا هي إرضاء الله، وأنا أصلا أرفض أي علاقة بين شاب وبنت خارج نطاق الزواج أو الارتباط الرسمي.. حسب رأيي الخاص أن سبب إعجابهم بي هي طريقة تفكيري وآرائي التي يبارك لي عليها من حولي، وأني أكبر من سني بكثير، فأنا في الخامسة عشرة من عمري فقط، ولكن من حولي لا يصدقون ذلك، لدرجة أن الشاب شقيق صديقتي – الذي تحدثت عنه سابقا – قال بأنه اعتقد بأن عمري 22 عاما أو أكثر!
الأمر الثاني الذي قد يكون سببا هو أن صوتي جميل نوعا ما - هذا ما يقوله لي السامعون ليس أنا مع أني لا أظنه سببا رئيسا - أما عن شكلي فأنا لا أملك ذلك الجمال الأخاذ أبدا، فأنا متوسطة الجمال، وربما أقل من المتوسطة، يعني أنا أتخيل لو أن هؤلاء رأوني أولا ثم سمعوني ما كان سيحدث كل ذلك، ربما أطلت عليكم فأرجو المعذرة، ولكني أردت التفصيل حتى تساعدوني.. هل أتخلص من عاطفيتي الزائدة عن الحد؟ وكيف؟ أم أعود لوحدتي ولا أخالط أحدا أم ماذا؟
هذا ودعواتي وشكري الجزيل لمن سيبادر في المساعدة، تحياتي لكم جميعا..

 
 
 

 
 
 
   

دعيني يا صديقتي الصغيرة - وأقصد الصغيرة عمرا الكبيرة فكرا - أروي لك في البداية قصة فتاة تعرفت على شاب عن طريق الهاتف مع أن عمرها يزيد عشر سنوات على عمرك، وغرقت في حبه من رأسها حتى قدميها - كما يقول نزار قباني - وحملها بصوته العذب بعيدا عن دنياها القاحلة، وطارت معه على أجنحة الخيال إلى عوالم لازوردية لم تحلق بها قبله، وأخيرا عندما حصل اللقاء الذي أمضت الليالي تحلم به، وقضت الأيام تستعد له، كانت المفاجأة الأليمة أو الصدمة! فهذه الفتاة كانت قد تعرضت في طفولتها لحادث اغتصاب أثَّر في نفسها كثيرا، إذ إن مغتصبها هو أحد محارمها، ولم تكن تستطيع النظر في وجهه من شدة كراهيتها له. هل تراك استنتجت ما هو سبب الصدمة؟!
كان وجه حبيبها الذي تعرفت عليه على الهاتف هو نفسه وجه المجرم الذي اغتصبها بملامحه ونظراته، وسبحان من يخلق من الشبه أربعين كما يقول المثل! فهل تخيلت نهاية قصة الحب الهاتفي كم يمكن أن تكون مؤلمة ووخيمة وصاعقة ؟!
رغم هذه القصة الخالية من الخيال تماما فأنا لا أنكر أنه يمكن للمرء أن يكوّن صداقة عبر الهاتف أو الإنترنت أو الإذاعة وذلك في حالة وجود الصدق بين الطرفين المتخاطبين، ولكن ألست معي أن الصدق أصبح عملة نادرة في هذه الأيام؟
ثم هل يمكن أن تصل هذه الصداقة إلى مستوى الصداقة الحقيقية التي تكونين بها مع الطرف الآخر جسدا وروحا.. ماهية وليس خيالا؟
هذه الصداقة التي تنشأ عبر هذه الوسائل يلعب فيها الخيال دورا كبيرا، فعندما أسمع صوت المتكلم على الهاتف أو بالإذاعة ولا أرى تعابير وجهه أو لغة جسده، لا يمكنني أن أحكم عليه دون أن يكون صوته هو المسيطر على حواسي؛ لأنه يتعامل معي من خلال حاسة واحدة هي السمع أما باقي الحواس فمعطلة، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نبي مرسل قد قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار".. فكيف نستطيع نحن أن نحكم على صدق الأشخاص أو كذبهم خاصة من خلال حديثهم فقط الذي يسهل جدا اللحن به كما بيّن الحديث؟ ثم كيف وأنا لا أرى وجه محدثي، ولا أسمع صوته أستطيع بناء علاقات متينة على الإنترنت؟ كيف أستطيع أن أميز بعقلي - مهما كان أكبر من عمري - بين الخيال والحقيقة، وبين الكذب والصدق في حال توقف حواسي كلها؟
ومع ذلك أقول يمكن في هذه الحالة عقد صداقات فكرية عند من يدينون بنفس المبادئ، ولكنها لا ترقى إلى مستوى العلاقات الكاملة، وقد يكون هناك استثناء وحيد عندما تكون الأرواح نامية لدرجة كبيرة، فيمكن لها أن تتعارف على الصادقين أمثالها رغم الحواجز، وهذا النمو والتعارف الروحي لا يكون إلا عندما تشترك النفوس في حب خالد: هو حب الله وحب رسوله – صلى الله عليه وسلم - وحب دينه الذي ارتضى، وهذا هو الحب الذي يخلق المعجزات ويفعل الأعاجيب، ومع ذلك فلا أحد يقول إن هذا الاستثناء يمكن أن يضم شابا وفتاة في أوج الرغبة، ويبقى روحيا خالصا في هذا الزمن الغارق في مستنقعات المادة، وأولها مستنقع الجسد.
أنت تقولين إنك ملتزمة.. وإنك ترفضين أي علاقة بين شاب وفتاة خارج إطار الزواج.. فما رأيك بعلاقاتك التي تقيمينها مع شباب على الهاتف أو عن طريق الإذاعة أو الإنترنت.. هل هي داخل إطار الزواج مثلا؟!
أخو صديقتك قلت عنه إنه أعجب بك، وبعد ذلك بالتأكيد يا صديقتي الرومانسية قمت بتحويل هذا الإعجاب في خيالك البكر إلى حب ذي أجنحة، ورحت تطيرين يمينا مرة وشمالا مرة أخرى، ولكن ماذا أنت فاعلة إذا تكسرت أجنحة خيالك على صخرة الواقع عندما يعود هذا الشاب لزوجته؟
والثاني ذلك الشاعر المتيم الذي أعجب بك وتحول إعجابه إلى حب بنسبة 80%، فأذكرك أولا بقول الله تعالى: "وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ" [الشعراء: آية 224-227]. ثم أخبرك – وأرجو ألا أجرح مشاعرك كثيرا - أن ما يقوله الشعراء العاطفيون في شعرهم هو كذب بنسبة 80% أيضا، وقديما قيل: "أجمل الشعر أكذبه"! وأكثر من 90% من الشعر هو خيال، ولا أحد يقول من هؤلاء الشعراء إنه يريد أن يحقق خياله بنسبة 100% ؛ لأنهم يعلمون أن تحقيق خيالاتهم في الحب يعني تحمل مسؤوليات الزواج، وهم في غنى عن ذلك بإعجاب المعجبات وصيد الساذجات بكلمات سرعان ما تتبخر معانيها بعد أن تقع الفريسة سهلة في شباك وهْمٍ اسمه الحب. وما أدراك ما الحب؟ وهل ما يسمى حبا في هذا الزمن هو الحب؟ أم أنه الجنس وقد غطى عورته بورقة التوت؟ وإذا سقطت هذه الورقة وبان ما تحتها فقولي على جنة الحب السلام!!
هل تعلمين يا ابنتي كيف هو خيال الشاب عن فتاة ما؟ وما الفرق بينه وبين خيال الفتاة عن شاب ما؟ أخبرك بأنه لا يستطيع الشاب أن يكون خيالا تاما عن أنثى إلا إذا تخيلها عارية، هذا ما تفرضه طبيعة الذكر النفسية والجسدية، ولقد أوضح ذلك عالم فاضل من علمائنا هو الشيخ علي الطنطاوي – رحمه الله - في رسالته التي عنوانها "يا ابنتي"، ومن هنا أمر الله النساء بالستر والحجاب ولم يأمر الرجال لأنه هو سبحانه خلق الذكر والأنثى، وعلم ما يصلحهما هما الاثنين وما يصلح مجتمعهما بالضرورة.
فهل تراك تبقين باب الشيطان مفتوحا ليلج منه إلى ما هو أكبر من مجرد الخيال، أم تغلقينه بالكف عن هذا النوع من التعارف مع الجنس الآخر فورا وبدون تردد؟
ثم لنفترض أنه وجد فعلا ذلك الشاب الصادق الذي يرغب فيكِ، لكنه كون عنك فكرة من صوتك أنك ذات جمال أخَّاذ، ولما رآك وجدك متوسطة الجمال أو أقل – كما تقولين – ألا يكون وقع المفاجأة قاسيا عليه؟ وكيف يكون حالك أنت إذا صارحك بأنه كان يعتقدك أجمل الجميلات؟ ولماذا تضعين نفسك في موقف كهذا من الأساس؟ هل تغضبين مني إذا قلت لك: إنك تخدعين الشباب وتخدعين نفسك بهذه الحيل التي تجعلينها طريقا للتعارف؟ ألا يمكن أن تكون هذه الحيل دفاعية لتغطي على نقص في نفسك بسبب عدم تميزك بجمال صورتك كما هو صوتك؟
أنا لا ألومك، فعمرك هو عمر الرومانسية والأحلام، لكن عليَّ أن أصحح لك بأن الالتزام ليس بالصلاة والصوم وارتداء الحجاب فقط، وإنما هو أن تكون الأقوال والأفكار والأعمال كلها خالية من شوائب هوى النفس، خالصة لوجه الله تعالى، مصبوغة بصبغة الشرع "صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ" (البقرة: آية 138).
لا أحد يمنعك من إنشاء صداقات مع فتيات.. لكن لو كان ذلك ممن حولك من زميلات أو قريبات لكانت الصداقة أمتن، وما أنصحك به أن تبحثي عن مجموعة تعتبرينهن أخواتك في الله لالتزامهن بشرع الله بصحبة عالمة فقيهة تفهم الإسلام أنه دين ودنيا؛ فترشدك إلى استخدام خيالك وإبداعاتك لنصرة دينك الذي يحتاج لجهد كل فرد وعلى كل مستوى.
ولعل في هذه الصحبة ما يغنيك عن الخوض في متاهات كما قلت، وإذا تعذر عليك ذلك فحاولي أن تكوني أمة وحدك، بأن تعملي على تثقيف نفسك دينيا وتعمقي مفاهيمك عن شمول الإسلام لمناحي الحياة كلها، وإذا صعب عليك الحصول على كتب بسبب ما يحدث في وطنك الغالي علينا جميعا، فهذا الموقع "إسلام أون لاين.نت" موقع غني بصفحاته ومتنوع بمواضيعه، ولا مانع أن تقتبسي أي أفكار تعتقدين أنها تجذب القطاع الأكبر من المستمعين إليك في الإذاعة، فبذلك تجندين مواهبك في خدمة هذا الدين العظيم، ولا خير في الكلمة إن لم توقظ عقلا أو ترقق قلبا، وهي الكلمة الطيبة التي قال الله عنها في كتابه المحكم: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ".
وانتبهي أن صاحب العقل الكبير مسئوليته كبيرة أمام الله يوم القيامة لحديث عائشة - رضي الله عنها - عندما سألت الرسول عليه الصلاة والسلام: بم يتفاضل الناس يوم القيامة؟ قال: بالعقل، فقالت: بل بالعمل، فقال عليه الصلاة والسلام: "على قدر عقولهم يعملون، وعلى قدر ما يعملون يجازون".
وفقك الله لما يحبه ويرضاه، وجعلني وإياك خدما له، وأختم لك بهذين البيتين من الشعر اللذين يتناسبان مع شاعريتك، ويساعدانك على تفهم المهمة التي من أجلها خلقت والتي لها يجب أن تعملي، ألا وهي العبودية لله سبحانه:
ومما زادني شرفا وتيـهـا ***** وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي ***** وأن صيرت أحمد لي نبيـا

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |