الصفحة الرئيسية
  
قـصــة واقعيــة
 

ساعة سجن

 

أنا من محبي شرب القهوة, فهي عادةٌ من ضمن عاداتي الصباحية, وكذلك بعد عودتي من عملي عصرا, خاصة عندما يكون الجو  مناسبا للجلوس في الحديقة الملحقة بفناء البيت الخلفي؛ إذ أخرج إلى الهواء الطلق لأتأمل جمال الأشجار الخضراء الباسقة التي تعانق السماء الزرقاء الصافية, وأصغي لزقزقة البلابل وتغريد العصافير, فأبتعد قليلا عن ضغوط الحياة ومشاغلها التي أصبحت تؤثر على الصغير والكبير وترهق كاهل المرأة والرجل؛ ولا يخلو مشهد الحديقة العام طبعا من نعيق غرابٍ هنا, ومنظر وزغٍ هناك, وسبحان الله الذي خلق القبح ليُعرَف الجمال, وبضدّها تتمايز الأشياء!

ولا تخلو جلستي التأملية أيضا من مجيء ابني إحسان البالغ من العمر 11 سنة,  ليريني مهارته في قيادة الدراجة على أحدث صيحة بدون إمساك المقود أو برفع إطار الدراجة الأمامي للأعلى في قفزة يتخيل معها أنه يقود دراجةً ناريةً!  وماذا أفعل وأنا من مشجعي إنماء وإثراء خيال الأطفال لدرجة كبيرة؟!

لكن ما حصل البارحة كان مختلفاً, فقد عدت إلى البيت ووجدت صديق ولديّ واسمه مايكل وهو فلسطيني الأصل أمريكي الجنسية مسيحي الدين, يجلس إلى الكمبيوتر يبني قصر أحلامه كما يحب ويهوى؛  وهرع ولديّ طالبين مني السماح لهما بمرافقة صديقهما على الدراجات, فوافقت على مضض لأنها أيام امتحانات واشترطت عليهما أن يعودا خلال ساعة, فوافقا.

أنهيت تحضير قهوتي كالمعتاد, وخرجت إلى الحديقة وكان إحسان قد استقل دراجته وسبق - مع مايكل - أخاه الذي يكبره بعامين.. أخذ إقبال دراجته من الحديقة بينما كنت أجلس فيها, وأغلق الباب الذي يصل الحديقة بالبيت, ولم يخرج من الباب الخلفي توفيراً لبضع دقائق من الوقت يقضيها في مغامراته على دراجته الهوائية.

استمتعت بقهوتي ولم تستغرق جلسة التأمل أكثر من ربع ساعة, وأردت أن أدخل البيت, فإذا إقبال قد أقفل الباب علي بالمفتاح وبتّ حبيسة حديقتي!!

يا إلهي ما هذا المأزق؟! كيف سأبقى هنا ثلاثة أرباع الساعة بدون أن أقوم بأي عمل؟! لو كان هو يوم الخميس لتوقعت مجيء العامل الذي يأتي أسبوعيا لتنظيفها من أجل أن يفتح لي باب الحديقة الخلفي ويكون نصف المشكلة قد حُلَّ, لكنه الأربعاء!   لو كان معي هاتفي الجوال لطلبت مساعدة أي أحد, ولكن لم يخطر ببالي أن أصطحب الجوال معي في نزهتي اليومية في حديقة بيتي! لو كان صوتي مسموعا لصرخت بأعلى ما يمكنني ليأتي أحد من الجيران لمساعدتي.. لكنها محاولة فاشلة لأن حديقتي الخلفية تقع على امتداد فنائهم الخلفي الذي حوّلوه "كراجا" للسيارات, وإذا وُجدوا فإن أصوات الأغاني المفضلة لديهم تمنعهم أن يسمعوا أي شيء آخر!   لو.. لو .. لو..

ليس أمامي سوى التفكير بطريقة أكثر واقعية .. يجب أن أعتمد على نفسي في الخلاص من هذا السجن الرحب.. اقتربت من الباب الخلفي وهو مصنوع من الخشب ..  خطرت لي فكرة مراهقة أن أفتحه بطريقة اقتحامية, لكن سرعان ما تبددت لأن هذا العنف قد يؤدي إلى انهيار السور الخشبي بأكمله إن لم يسبب لي بعض الكسور والرضوض! تذكرت حديث العنف من أنه مرض ممتد بين الحاكمين والمحكومين, لذلك فإن ضرره سيعود على الجميع, فأنا هنا محكومة والسور يحكمني, والأذى في السور قد يمكن إصلاحه في يوم, أما الضرر الذي يمكن أن يحصل لي فلا يعلم إلا الله مداه!

يجب أن أفعل شيئا.. يجب أن أخرج من هذه الورطة بأي ثمن.. هناك نافذتان تطلان على الحديقة.. نافذة غرفة الجلوس التي أقفل ابني بابها بالمفتاح وكان فتح الباب والنافذة مستحيلا, ونافذة غرفة النوم... التي كانت محور محاولاتي..

يوجد على النافذة شبك رقيق.. ثم النافدة الزجاجية.. ثم الستارة المعدنية من الداخل, فتم تخطي الحاجز الأول بسهولة, إذ مزقت الشبك بواسطة أداة معقوفة وجدتها في الحديقة كانت على شكل زاوية قائمة تقريبا لها ذراعان طويل وقصير.. تذكرت أن النافذة كان من غير الممكن إغلاقها بإحكام من الداخل, وفي كل مرة أعزم أن أستدعي من يصلحها أجد نفسي وقد شغلت بكثير من الأشياء.

حسناً إذن.. ربّ ضارة نافعة.. وكي أقرب لكم المشهد أخبركم أن النافذة مصممة بشكل يمكن أن تفتح من جهة واحدة هي اليمين أو  من ثلاث جهات ما عدا اليمين وأحيانا من اليمين والأعلى وأحيانا أخرى من اليسار والأسفل, وأرجو أن لا يسألني أحد تفسير ذلك فأنا إلى الآن لا أعلم لماذا صمّمها الألمان بهذا الشكل! اللهم إلا إذا كانت العبقرية الألمانية قد أخذت اتجاهات الريح في اعتبارها!!

كان عندي أمل كبير أنني وبدفعة قوية أستطيع فتحها, لكن ذلك بدا صعبا للغاية فهي مغلقة من طرفها الأيسر بشدة والمقبض من الداخل بالطبع , بينما تمكنت من  فتح جزء صغير بالطرف  الأيمن, لا يزيد عن 15 سم على الأغلب مما لا يسمح لي بالتفكير بالمرور عبرها! وكان ما يعوق الفتح أكثر هو ثباتها من الجهة اليسرى. إذن يجب أن أخلخل قليلا في هذا الجزء, وفعلا تم فتحه بمقدار 5سم. أدخلت الزاوية القائمة التي معي واستطعت تحريك المقبض بواسطتها إلى الأسفل مما ساعدَ على توسيع الفتحة قليلا من الطرفين, لكن ما يمنع دفع النافذة الزجاجية إلى الوراء هو وجود الستارة المعدنية التي يمكن رفعها من الداخل فقط بواسطة حبل موصول بها من طرفها الأيسر...

نظرت إلى الغرفة من خلال شقوق الستارة.. بدا لي أن جهودي ستذهب أدراج الرياح وأن علي أن أجلس بدون حراك ريثما يأتي ولداي, لكن ماذا إذا كانا لا يحملان مفاتيح المنزل كما يحصل كثيراً؟! بذلك هما سيُحتبسان خارجا في الشارع وأنا سأُحتبس داخلا في الحديقة.. الأمر يستحق المحاولة إذن.. حاولت سحب حبل الستارة المعدنية من خلال شقوقها, لكن بدون فائدة.. يجب أن تكون الفتحة في الجهة اليسرى أكبر حتى يمكن ذلك, جربت كل الطرق السلمية فذهبت جهودي هباء...

بحثت عن شيء آخر في الحديقة يمكنني استعماله, فوجدت مفكّا صغيراً حاولت أن أحرر به بعض البراغي في إطار النافذة لكنه لم يساعد في شيء لصغر حجمه عن حجم البراغي الموجودة..

هل هو الوقت المناسب لدفعة عنيفة للنافذة وبعدها ليحصل ما يحصل؟! لكن قد ينكسر الزجاج وقد يأتيني شيء من شظاياه وخاصة أنه من نوع الزجاج المضغوط القوي ( صناعة ألمانية وليس صناعة وطنية! )... مع ذلك استجمعت شجاعتي وحاولت أن أدفع دفعة متوازنة القوة بحيث لا تكون موجهة للمركز بقدر ما تقع على الأطراف الأربعة.. وفعلا تحقق لي ما أردت واتسعت الفتحة.. إذن هو مؤثر أعنف مما سبقه هنا, لكنه موجَّه ليس إلى المركز القوي الصلب بل إلى الأطراف الأقل مقاومةً  والتي إذا تخلخلت سهلت السيطرة على كل شيء .. تماما كنظرية تغيير القاعدة الشعبية قبل التفكير بتغيير ذروة الهرم الحاكم!

أصبح الآن من الممكن شد حبل الستارة المعدنية بواسطة الزاوية الحديدية القائمة.. سحبته إليَّ وبذلك استطعت أن أرفع الستارة إلى الأعلى وأصبح بالإمكان دفع النافذة إلى الخلف أكثر وبالتالي فُتِحت من طرفها الأيسر بشكل أكبر .. بقي أن أقوم ببعض الحركات البهلوانية من تسلق النافذة, والقفز المتوازن إلى الداخل, والحمد لله تمت المهمة بنجاح!

تنفست الصعداء عندما وجدت نفسي في الغرفة, وأعدت إغلاق النافذة كما كانت, دون أذى لي أو لها! لا بد بعد ذلك من الاستحمام فقد كلفني الموقف كله نصف ساعة من الوقت والتفكير والجهد, وعندما انتهيت كان عزيزي الذي حبسني يقرع الباب... وما إن عرف ما نتج عن انشغاله بدراجته ولهوه من إهمالٍ لأمه وسَجْنٍ لها حتى أقبل معتذراً يقبل وجنتّي ويديّ, رغم أنه يعرف أني لا أشجع على عادة تقبيل اليد, وذلك لما رأيته خلال حياتي من الآثار السيئة لتعويد النشء على  تقبيل الأيدي وطأطأة الرؤوس ومسح الأثواب وحمل النعال وغير ذلك من أساليب النفاق الاجتماعي, وقد أخذت عليه وعلى أخيه عهداً أن لا يقبلا يد أحد مهما كلفهم الأمر, فقال لي : إلا أنت يا أمي!

شهر أيار/مايو 2003

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |