|
في الحقيقة أنت يا أخي الكريم من يستحق الشكر على ثقتك بنا وعرضك لمشكلتك علينا
خاصة أنك تسأل قبل أن يتم الزواج وقبل أن تقع الفأس في الرأس.
إضافة إلى أن كثيرا مما تتضمنه رسالتك يعكس صورة
حقيقية لما يحدث بين الخاطب وخطيبته وكذلك العاقد
والمعقود عليها في مجتمع محافظ جدا كمجتمعك ويكفي
للاستدلال على ذلك أن أصارحك أن ما عرفته عن خطيبتك
بعد عقد القران (الملكة) كان يجب أن تعرفه عنها أثناء
الخطبة وقبل دفع المهر, لكن كثيرا من الأسر في مجتمعك
تعتقد أن الخاطب لا يحق له أن يرى خطيبته إلا يوم
يتقدم لها وبشكل خاطف تحت مسمى الرؤية الشرعية, وبعد
ذلك ينبغي عليه أن يكتفي بما سمعه عن الفتاة وأهلها,
فهي تحافظ على فروضها وهذا جيد وكذلك هي تتعاهد قيام
الليل وهذا جيد جدا ولكن ألم يكن ينبغي أن يعرف شيئا
عن علاقتها بأسرتها منها هي أثناء الخطبة لا بعد العقد
مثلا؟
على كل حال دعنا نبدأ خطوة خطوة بتحليل مشكلتك لنشير
بإصبع الاتهام إليك مرة وإليها مرة كي لا نضع اللوم
دوما على الثقافة والعادات الاجتماعية, لأن الوعي لا
يمكن أن يبقى أسيرا للتقاليد إلى ما لا نهاية, وعملنا
الأساسي في هذه الصفحة – حسب رأيي الذي أشترك به مع
كثيرين– أن نتخلص من إسار كل تقليد ليس له علاقة
بالشرع من قريب ولا بعيد ولا يساهم بتقدم وتنمية
المجتمع بل يكرس التخلف والجهل وبناء الأسرة على أسس
مختلة مما يهدد المجتمع نفسه بزيادة المشكلات
الاجتماعية من طلاق وهجر وخلع وما يتراكم نتيجة ذلك من
مآسي الأسر والذرية.
أولا: تقول أنك معلم وخطيبتك طالبة وبينكما فرق عمري
ست سنوات, لذلك تفاجأت أنها تريد أن تعيش سنها
المراهق, والسؤال يا أخي الكريم: وماذا في هذا؟ هاك
حديث عائشة رضي الله عنها: (رأيتُ النبي صلى الله عليه
وسلم يَستُرُني بردائه، وأنا أنظرُ إلىٰ الحَبَشةِ
يَلعبون في المسجد، حتىٰ أكونَ أنا التي أسأَمُ.
فاقدُروا قدْرَ الجارية الحديثةِ السِّنّ، الحريصةِ
على اللهو) فزوجتك يا سيدي العزيز ما زالت في سن تحب
فيه اللعب والترفيه, وهذا توجيه من أم المؤمنين بأن
يراعى الرجل سن زوجته, وهناك أحاديث أخرى تدل على
ممازحة الرسول عليه الصلاة والسلام لزوجاته وبالأخص مع
عائشة لأنها كانت صغيرة السن بما ذلك مسابقته معها في
الركض أكثر من مرة وغير ذلك كثير.
ثانيا: أخبرتك أنها لا تريد رجلا متدينا, فأصبت بنكسة
وبعد أن بدأت تنتظم على الصلاة وتركت التدخين عدت إلى
عهدك السابق, ولكن يا أخي بالله عليك ألا تشعر أن ثمة
فجوة في الاتصال بينك وبين خطيبتك؟ ألا تعرف أن هناك
بعض الفارق في المصطلحات بين شخص وآخر؟ ألا تدرك أن
الأمور كلها نسبية تختلف بينك وبين الآخرين؟
ربما تقصد زوجتك أنها لا تريد متدينا بمعنى أنها لا
تريد متزمتا, بينما فهمت أنت قصدها بأنها تريد رجلا
متفلّتا مستهترا بالدين, أما كلامك القليل معها فمن
قال أن ذلك يدل على حسن الخلق؟ كيف يمكن أن يكون ثمة
حوار بين طرفين إذا كان أحدهما يتكلم والآخر يجيب بنعم
أو لا أو آه أو كيف الحال؟!
ثالثا: ثم أرجو أن تلاحظ التناقض الموجود في هذه
الجملة: "وكنت تقريبا لا اتحدث فكل كلامي كان (نعم حقا
اها اجل), فقد كنت امل ان تكون لي الزوجة التي تاخذ
بيدي وتعينني على امور ديني ودنياي. وكنت رومانسي
لابعد درجة وحنون جدا فانا الذي اتحدث عن مشاعري
دائما" فكيف تقول في بدايتها أنك لا تتحدث بينما في
نهايتها أنت الذي تتحدث عن مشاعرك دائما؟!
رابعا: أيضا أرجو أن تنتبه لخطئك في نظرتك إليها بأنها
كانت تتعلل بالخجل والحياء الذي يبرر عدم قدرتها على
التعبير عن مشاعرها, فلماذا لا تصدقها في هذه الناحية؟
برأيي أنها صادقة لأن تربية الأنثى في المجتمع الشرقي
تمنعها من التعبير عن أبسط رغباتها, وحتى لو كانت
خطيبتك مدللة, فلا يعني ذلك أنه سهل عليها التعامل مع
ذكر جديد في حياتها, وهي وحيدة والديها, وإذا كانت
عائلتها تمنع تعاملها مع الأقرباء الذكور في العائلة
فمن المتوقع أنها ستجد صعوبة في التعامل معك والتعبير
عن شعورها تجاهك.
خامسا: كذلك عليك أن تلاحظ جهلك التام للفرق بين الذكر
والأنثى فأنت تريد أن تلمسها وتقبلها و.. وأكثر من ذلك
لو استطعت, أما هي فعازفة عن هذا كله, وهذا شيء طبيعي
يا أخي فالله سبحانه قال: (وليس الذكر كالأنثى)
والمقصود تحديدا بهذه الآية هو الاختلاف في الصفات
الفطرية بين الذكر والأنثى, على سبيل المثال غريزة
الجنس لدى الذكر يعبر عنها جسديا, أما عند الأنثى
فيعبر عنها عاطفيا, وبعد الزواج يختلط التعبير الجسدي
مع التعبير العاطفي ولاحرج, أما في البداية فمن
الطبيعي أن تستحي الفتاة من خطيبها حتى لو كان عاقدا
عليها, ولو لم تكن تستحي فإن البيئة تعلّمها أن تظهر
الخجل كي لا يشك خطيبها بأن لها علاقات سابقة, وهذا ما
يحصل كثيرا ويظن الرجل بزوجته الظنون, لذا فإن حياءها
قد يكون حقيقيا, وقد يكون مجرد خجل مفروض عليها.
سادسا: ثم بالله عليك ألا تلاحظ معي أنك تتصرف برد
الفعل الجامح لأقل فعل من طرفها؟ عندما أخبرتك أنه
أفضل ألا تأتي إلى بيت أهلها وهي تقصد من ذلك عدم
إحراجها أمام أهلها انطلقت أنت كالصاعقة وبدأت تكيل
لها السخرية والاستهزاء, فهل هذه تصرفات ناضجة؟ ألم
يكن من واجبك تقبّل عذرها بأنها ما زالت في بيت والدها
وليست في بيتك؟
سابعا: قد تكون مخاوفك حقيقية من كونها مدللة, وتعرف
من أين تؤكل الكتف, وهنا أؤكد كلمة (قد) لأنها قد لا
تكون كذلك, وإنما هو مجرد انطباع خاطئ لديك بسبب
تصرفاتها غير المستجيبة لك, فبرأيي وبرأي كثير من
الفقهاء الأفاضل أن الفتاة ما دامت في بيت والدها
فطاعة والدها واجبة قبل طاعة زوجها, وما لم يتم دخوله
بها في بيته, فلا يعتبر زوجها تماما, وهذا مستقى من
القرآن الكريم فحكم التي دخل بها زوجها غير حكم البكر
المعقود عليها التي ما زالت في بيت والدها, ومن الأفضل
هنا مراعاة العرف في كل بلد, ففي بلدك تعتبر عائلة
زوجتك عصرية لأنها تسمح لك برؤيتها والجلوس إليها,
بينما أنت تعرف أن بعض العائلات - خاصة تلك التي
تحكمها العادات القبلية - لا يسمح للشاب برؤية زوجته
إلا ليلة الدخلة.
بقي لي أن أخبرك أن الخطأ بالأساس هو في نظرتك إلى
علاقتكما المستقبلية بأنك كنت تريد زوجة تعينك على
دينك ودنياك, ولكن إذا كان هذا طلبك فلماذا لم تبحث عن
امرأة ناضجة؟ لماذا قبلت من الأساس بفتاة مراهقة؟
الفرق الذي بينك وبين خطيبتك ست سنوات لكنه في الحقيقة
فرق مرحلي أي أنك في نهاية مرحلة الشباب الأولى بينما
هي ما زالت في مرحلة المراهقة, فمن الذي عليه أن
يستوعب الآخر؟
معروف عن الشاب الشرقي التقليدي أنه يحب خطبة التي
تصغره بسنوات كي يربيها على يديه – كما يقال – لكن في
الحقيقة لا أحد يستطيع أن يربي أحدا في هذا الزمان,
فحتى الوالدين باتا يجدان صعوبات في التربية لم تكن
معروفة في الأجيال السابقة, فهذا الجيل متمرد بكل معنى
الكلمة, ولا مانع من التمرد فقد يكون بداية مبدعة لشخص
متفرد.
بالنسبة لخطيبتك فقد تكون فعلا شخصيتها قوية, وقد تكون
تعرف ما تريد منك, لكن يبدو لي أنك بحاجة إلى توعية
أكثر بمتطلبات الزواج المعنوية, لا المادية فقط, ولذلك
تحتاج إلى الاطلاع أكثر على كل ما يحيط بالحياة
الزوجية من مشكلات, كما يبدو لي أنك بحاجة إلى المزيد
من الوقت لتتأكد من مشاعرك تجاه خطيبتك, فنهاية رسالتك
تحمل تضاربا كبيرا في العواطف, بين مشاعرك الجمة لها
وبين خوفك من تصرفاتها وسلوكياتها, مع أنها مبررة
برأيي, ويكفي أنها عدلت من سلوكها بناء على طلبك بعد
إذن أهلها لها بأن تكون أكثر تجاوبا معك, وهذا إن دل
على شيء فإنه يدل على إمكانية حصول توافق بينكما أكبر
مما تتوقعه.
يجب عليك فقط أن تكون أقل انفعالا وأوسع نظرا وأكثر
وعيا, وتذكر أن الحياة الزوجية بحاجة إلى حوار بنّاء
أكثر مما هي بحاجة إلى عواطف ملتهبة, وأنها تقوم على
التفاهم العقلي أكثر مما تقوم على الرغبات الغريزية,
ودائما فإن التوازن بين العقل والقلب والغريزة هو سبيل
النجاح لبناء حياة أسرية مقبولة مريحة.
إسلام أنلاين 17/7/2007 |