الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (زوجية) ماضي زوجتي يؤرقني.. نيران الشك والحيرة

     
 
 
 
 

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أبعث هذه الرسالة شارحا لكم مشكلتي، وأرجو من الله، ثم منكم مساعدتي.

المشكلة باختصار:

أنا متزوج منذ 3 سنوات ولي طفل، في بداية الزواج، وعن طريق الصدفة سقطت "شريحة جوال" من حقيبة زوجتي، فأثارت غضبي، وعند سؤالها عنها قالت: شريحة سابقة لأمي ومحترقة.

ومنذ ذلك اليوم والوساوس تراودني، وبدأ الشك يسري بقلبي بأنها صاحبة معاكسات، ولكنني أطرد هذه الوساوس والشكوك بما أشاهده عليها من مظاهر التدين.

وقبل4 أشهر تقريبا حدث شيء غريب، وهو أنني دخلت عن طريق الإنترنت على حسابها بأحد البنوك ووجدت عمليات تحويل كثيرة، وعند سؤالها عنها بدأت بالبكاء وبعد الإلحاح عليها بإخباري قالت: أخشى أن تكرهني! فقلت: ما المشكلة؟ قالت: كنت قبل الزواج أعاكس شخصا تعرفت عليه عن طريق الإنترنت (هذا ما توقعته أنا) واستمرت العلاقة لمدة سنتين تقريبا، ولكن والله -والكلام لها- لم تتجاوز علاقتنا المكالمات فقط ولم أخرج معه أبدا، وأنا تائبة الآن من ذلك.

قلت لها: ولم يشاهدك؟ وهل اتصل بك بعد الزواج؟ قالت: فقط مرتين أتى للبيت ليأخذ بطاقة الصراف، ولم يمكث طويلا؛ لأنه كان خوافا، ولم يتصل نهائيا بعد الزواج؛ لأنني أنهيت العلاقة.

حقيقة أنا محتار جدا.. ماذا أعمل؟ وكيف أتغلب على مشكلتي؟

لا يمكن أن أحاسبها على ذنب اقترفته قبل الزواج، وهي الآن متدينة، وعاهدتني بالمحافظة على العرض، وأعلم أنه ليس لي إلا ما ظهر من حالها، وأنه ليس في عالمنا المشهود معصوم، وكل الناس خطاءون، وهكذا خلقهم الله.

ولكن بدأت الشكوك مرة أخرى بالظهور، في السابق لم أكن أعرف شيئا كان مجرد توهم، أما الآن فلا، عرفت الماضي فبدأت أشك في كل اتصال، وأتساءل هل الأسماء التي في جوالها حقيقية؟! ربما تعاكس عندما تذهب لأهلها.. ثمأطرد تلك الوساوس بما عاهدتني وبما أشاهده من التدين، ثم يضيق صدري بما يحدث بداخلي من صراع، فأحدثها مرة أخرى فتعاهدني وأهددها بالطلاق لو حدث ذلك مرة أخرى.

لا أريد الإطالة عليكم بما يحدث لي من معاناة خلال الأشهر الماضية، ولكن أسعفوني بطريقة أسلكها في مثل هذه الحالة قبل أن يقتلني الشك.

جزيتم خيرا.

 
 
 

 
 
 
   

أشكرك على إرسال مشكلتك إلينا, وسبب شكري أن إحساسك بوجود المشكلة وطلبك للحل دليل على وجود الوعي لديك بأهمية البحث عن حل قبل أن يستفحل داء الشك فيك بزوجتك فيصل إلى حالة متقدمة يتعذر معها العلاج.

وكذلك فإن من أسباب شكري لك هو أن مشكلتك تساعدنا على إلقاء الضوء على بعض الأمراض الاجتماعية لدينا والتي تظهر في مجتمعك بشكل واضح بسبب التكتم على المشكلات, وهو الأمر الذي يحوّل المشكلة إلى أزمة تكاد تخرج من حدود الفردية باقتصارها على أفراد قلة إلى ما يشبه الظاهرة المستفحلة.

كي لا يكون كلامي نظريا أعدد لك بعض هذه النقاط غير المضيئة في المجتمع العربي عموما والمجتمع السعودي خصوصا والتي أستخلصها من رسالتك ومن الأخبار التي أقرأها في الصحف العربية عامة والسعودية خاصة كل يوم وكذلك من الممارسات الخاطئة التي أراها أو أسمع بها كل يوم:

1-             المعاكسات الهاتفية

2-             العلاقات خارج الزواج بين الجنسين والتي قد يشكّل الواقع الافتراضي على الانترنت نقطة البداية فيها ثم تتحول إلى علاقات حقيقية يلتقي فيها الذكر والأنثى بشكل يشبه ما ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام عن من يحوم حول الحمى فيوشك أن يقع فيه, وأكبر مثال التقاء زوجتك بهذا الرجل قبل زواجها منك, حيث ذكرت لك أنه أتى إلى البيت مرتين.. وغالبا لا يوجد أحد في البيت غيرها, والحمد لله أنه "خواف" لأنه لو لم يكن كذلك فالله أعلم بالكارثة التي كانت سوف تحصل.

3-             استغلال الشباب للفتيات ليس فقط للوصول إلى العلاقة الجنسية, والتي يبدو أن زوجتك لم تقتحمها, لكن أيضا بالاستغلال المادي, فالشاب أتى إلى البيت وأخذ بطاقة صراف, فهو قد لا يكون "خواف" على رأي زوجتك, بل لا يهمه جسد الفريسة لأنه قد يكون شبع من أجساد غيرها, وما يهمه هو مال الفريسة الساذجة إلى أبعد مدى.

4-             عدم وجود ثقة للناس بعضهم ببعض, ومن مظاهر عدم الثقة هو الشك بين الزوجين, وهو الذي يحيل الحياة الزوجية إلى أتون يحرق الطرف الشاك والطرف المشكوك به, وبالطبع فإن موقف الزوجة هو الأضعف إذا كانت هي المشكوك بها مقارنة بوضع الزوج لأن المجتمعات العربية تغفر للرجل كل شيء أما المرأة فتقف لها بالمرصاد على كل شيء.

إذن هذه بعض الدلالات الثقافية على تخلف المجتمعات العربية وهو التخلف الناجم عن ما يسمى عين في الجنة وأخرى في النار, فثقافة المجتمع المتدين بفطرته تفرض نمطا من السلوك على أفراده, يصل إلى حد التمظهر بالدين أحيانا, مما لا يخفى عليك إطناب بعض الدعاة به كإرخاء اللحية وتقصير الثوب للرجل والاكتساء بالأسود للمرأة دون أن يظهر منها شيء, بينما على الجانب الآخر يوضع كل من الرجل والمرأة أمام مغريات لا أول لها ولا آخر, فالفراغ الذي يحيط بالأشخاص يتسرب إلى نفوسهم, وبما أن الطبيعة تكره الفراغ, وهو مبدأ علمي ينطبق في الفيزياء وكذلك في علم النفس والاجتماع, فإن هذه النفوس التي أُجبرت على التدين دون أن يشرح لها أحد فائدة هذا التدين في الدنيا قبل الآخرة, تقوم بملء هذه الفراغ بالمتاح الفاسد لعدم وجود البديل الصالح, وأنا أقصد تحديدا الفضائيات التي لم يعد لها هم سوى الكلام عن العلاقات بين الجنسين, ولا يخرج من هذا التعميم إلا ما رحم ربك من بعض البرامج القليلة الموجهة نحو المصلحة العامة, أما بشكل عام فمصلحة أباطرة الإعلام تقضي بأن يطرحوا كل ما فيه لذة وإثارة وتشويق لزيادة رأس المال, والنفس بطبعها تهتم بكل ما يثير فضولها لذلك تنجح هذه الفضائيات في جذب المزيد من الفتيات والشبان, وأكبر دليل على ما أقول هو أن أي متابع للفضائيات يرى أنها تزداد كالفطر ويزداد تخصصها, فهذه قناة ( IT IS FOR U) تضع مع الإعلان الخاص بالقناة نفسها صورة فتيات محجبات بحجاب غريب الشكل يأتين بحركات لا معنى لها سوى أنك أيتها الفتاة يمكنك أن تكوني محجبة وتأتي بحركات سخيفة وتطلقي ضحكات أسخف, وبما أن هذه القناة رأت إقبالا من الفتيات عليها, لذلك ستخصص فرعا آخر للشباب خاص بأفلام العنف والأكشن, وكأنه لا يكفي الأفلام العاطفية المفسدة التي تبثها على قناة الأفلام الأجنبية, وإذا كان في هذه القنوات شيء من الفائدة أحيانا, فإن الأهل أنفسهم لا يسلحون أبناءهم وبناتهم بالمهارات الناقدة لما يرونه أمامهم في التلفاز, فلا يتكون لدى الناشئ ثقافة المناعة, بل يستعاض عنها بما يسمى ثقافة المنع, وقد أشرت إلى ذلك في كثير من مقالاتي في صحيفة الوطن السعودية.

كل ما سبق كتابته هو كي تعذر زوجتك في ما تعرضت له من غواية النفس والمجتمع, فقامت بعمل علاقة مع هذا الشاب قبل زواجها, ومن الطبيعي أن تثار شكوكك لأي حركة أو تصرف تقوم به, خاصة أنك ابن المجتمع الذي ثقافته تكيل بمكيالين لكل من الرجل والمرأة, فهي قد أقسمت لك أكثر من مرة على أنها قطعت علاقتها به بعد الزواج, وأنت تصدقها ثم تعود الهواجس فتعود لسؤالك إياها, فتقسم لك أن ذلك لم يحدث بعد الزواج, وهنا لا بد من عرض الرأيين بالنسبة للزوج وزوجته, فالرأي الأول يقول: أن المسلم ممنوع من التجسس على الآخرين فلا يحق للرجل أن يتجسس على زوجته, والرأي الثاني يعتقد أن هذا الرأي غير صحيح على إطلاقه لأن الزوج قوام على المرأة ومسؤول عنها بالقرآن الكريم والحديث الصحيح, وأما رأيي شخصيا فهو أن ذلك يعود إلى العلاقة الكائنة بين الزوجين: هل هي علاقة مودة ورحمة أم سلطة وسيطرة, ومع ذلك فإن أي رأي مما ذكرته لا يبرر الظن السيئ بالزوجة, وهو الوضع الذي أنت عليه حاليا.

لذلك فإنه من الأفضل لك ولها ولطفلكما أن تصدّقها فيما قالت, خاصة أنها فيما يبدو عديمة الخبرة فعلا, وإلا كان من المفروض أن تخفي عنك ماضيها الذي ليس من حقك أن تبحث فيه, لأنه خاص بها, أما حاضرها فهي شريكتك في الحياة ويجب أن تعاملها على أساس من المودة والرحمة والشعور المتبادل بالمسؤولية, وإحسان الظن بالمسلمين مأمور به المسلم, وخاصة في أهل بيته, كما قال عليه الصلاة والسلام:(إن من الغيرة غيرة لا يحبها الله, وهي الغيرة في غير ما ريبة) فإذا كانت قائمة بحقوقك ومطيعة لك وملتزمة بفروضها وبالأخلاق الإسلامية معك ومع أهلك, فمعنى ذلك أنها تجاوزت فترة المراهقة التي كانت تعيشها قبل الزواج بسبب ما كانت تراه في وسائل الإعلام أو بسبب الرغبة بتقليد الصديقات اللواتي يزينّ لها بأن تكون صديقة لأحدهم إلى غير ذلك من مساوئ الصحبة غير الواعية.

ذكرت أن هذا هو الحل الأفضل, أما إذا كنت غير قادر على التمثل بأخلاق الزوج كما يفرضها الإسلام على الرجل من صفح عن الماضي وتسامح ورفعة أخلاق, فمن الأفضل أن تفارقها بالمعروف, فأن تخرج – أنت وهي - من هذا الزواج الفاشل بطفل واحد خير من أن يزداد عددهم فتزداد شكوكك وظنونك بزوجتك لدرجة تصل إلى التجسس على كل كبيرة وصغيرة في حياتها, وهذا ما أعتقد أن الحياة الزوجية لا يمكن أن تقوم عليه, والله أعلم

إسلام أنلاين 7/3/2007

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |