|
عادة ما آتي بالبسملة سرا قبل أن أبدأ بكتابة أي رد على أي مشكلة, إلا ردي عليك فقد
بدأته بالبسملة جهرا, لعل الله يفتح علي ويوفقني لمساعدتك في حل مشكلتك التي أعتقد
أنها موجودة بنسبة لا بأس بها في مجتمعك, فثلث حالات الزواج تنتهي بالطلاق, ولذلك
تقول الإحصائيات أن ثلث النساء في بلدك عوانس وثلثهن مطلقات, وأنت فيما يبدو جربت
الزواج خوفا من كلمة عانس, فإذا بك عرضة لأن تحملي لقب مطلقة!
لا بد من استعراض بعض ما جاء في كلامك قبل البحث عن
الحل, كي نضع اليد على الخلل ألا وهو سوء الاختيار:
كان عمرك 27 سنة عندما تعرفت على هذا الرجل الذي يكبرك
بـ20 سنة, فلماذا أعجبت به؟
الجواب أقتطفه من كلامك إذ تقولين: (كنت معجبة بثقافته
وفكره فهو في 47 من العمر) والفاء التي سبقت (هو) في
عبارتك كأنها تدل على أن سبب إعجابك بثقافته وفكره هو
عمره, فإذا أرجعنا سبب إعجابك إلى القواعد الثقافية في
المجتمع التي تنتمين إليه, لوجدنا قناعة عند نسبة لا
بأس بها من النساء أن الزوج كلما كان أكبر من المرأة
كلما كان أقدر على قيادة دفة السفينة الأسرية, وهذه
القناعة صحيحة إلى حد ما, لكن عندما يصبح هذا الفرق
عشرين عاما, فسوف يتحول هذا الزوج الذي يشغل مهمة
القبطان الموجّه للسفينة بحكمة ويعترف لنائبه – الزوجة
– بالمكانة والقيمة إلى قائد يرى في هذه الزوجة مجرد
طفلة ليس لها خبرة في الحياة, ولا تغضبي مني إذا قلت
لك أنك فعلا كذلك, والدليل على ذلك سوء اختيارك ليس
فقط لمن يكبرك بعشرين عاما, فالعمر ليس مشكلة دائما
إلى هذا الحد, ولكن لمن هو أب لولد وبنت وسبق له
الزواج ومطلق, فلماذا لم تسألي عن سبب طلاق زوجته منه؟
إن وجود الأولاد في حياة المرأة يجعلها تفكر ألف مرة
قبل أن تصل إلى الطلاق من الزوج, فلماذا غابت عن
تفاصيل قصتك هذه الجزئية الهامة؟ ثم كيف تخيلت يا
عزيزتي أنك ستعيشين شهر عسل وبجو رومانسي وهناك مع
الزوج مرافقين اثنين هما ابنه وابنته؟
لا تظني أني ألومك وحدك, بل إذا أردت أن أستخلص ثقافة
مجتمعك التي هي أحد تجليات ثقافة مجتمعاتنا العربية
الأخرى, لأعطيتك مدلولات كثيرة للتخلف الاجتماعي منها
الاهتمام بالحفل الكبير والمباهاة وغضب العريس لأن
أهله يستطيعون أن يعملوا فرحا أكبر, ومنها عدم وجود أي
سؤال عن العريس القادم لأن الأهل يريدون أن يتخلصوا من
هذه "العانس" بأي طريقة, وإذا لم يظهر الأهل انزعاجهم
من ابنتهم التي تجاوزت الخامسة والعشرين, فإن صديقاتها
وزميلاتها في العمل يبدأن ينهشن لحمها ويسخرن منها
لعدم اهتمام رجل بها, فتفتح ذراعيها لأول طارق متخيلة
أنه الفارس على الجواد الأبيض, ولك أن تقرئي ردي على
هذه الأخت لتري أنها مشكلة عربية عامة:
محبطة و مكتئبة.. الغرق في هموم عربية
مشكلتك من أولها لآخرها معروفة وموجودة في مجتمعك
وغيره, لكن الحق يقال إنها أشد ألما في مجتمعك الذي
يفترض أن يكون المثال الحسن للمجتمع الإسلامي وللأسف
فهو ليس كذلك, وفي قصتك أكثر من شاهد على ذلك, سواء من
حيث المعاملة السيئة للزوج أو شكّه بزوجته أو رغبته
عنها بدل رغبته فيها أو الإتيان بذكرى زوجته الأولى
أمامها ليثير غيرتها, أو من حيث تدخلات أهله في أخص
تفاصيل حياتهما بما فيها طقوس العلاقة الحميمية من
ملابس وغيرها, أو من جهة الأب الذي يريد لأبناء
اقتربوا من سن المراهقة أن يناموا معه ومع زوجته
الجديدة, وهي الأخرى لم تفكر قبل الارتباط أن من حق
الأولاد أن يذكروا أمهم ويشتاقوا لها, وأنها – أي
الجديدة – لم تدرك أنها لن تستطيع أن تحل محل الأم ولو
حرقت أصابعها العشرة لهم, وكيف خيّل لها أن هذه
الأولاد سيكونون بدون عقد نفسية في ظل زواج غير مستقر
انتهى بالطلاق؟ وكذلك كيف تجاهلت أن الرجل – بشكل عام
- الذي ارتوى من زوجته الأولى جنسيا لن يكون قادرا
على تلبية مطالب الزوجة الجديدة كما لو كان يتزوج أول
مرة, خاصة مع فارق العمر الكبير, والسؤال: لماذا وضعت
نفسك من البداية في هذا الأتون المحرق يا سيدتي
العزيزة؟
الآن مشكلتك تتلخص في إيجاد حل يخرجك بأقل الخسائر
الممكنة, وها هو والدك يخيرك بين الطلاق وبين الرجوع
والصبر, وهو ما أنت عاجزة عنه خاصة مع تفاقم الوضع
الإنساني بينك وبين زوجك, وضربه لك, والأنكى من ذلك
ضربك له, مع تفهّمي أنك تدافعين عن نفسك, دون أن أتقبل
الضرب كحل لمشكلات الحياة الزوجية اللهم إلا في حالة
الزوجة التي أكمل عليها الله نعمه بزوج خلوق كريم
حليم, ثم تنشز عليه بسبب أمراضها النفسية, فهذه من
الأفضل عرضها على طبيب نفسي قبل اللجوء إلى ضربها, ولا
أراك كذلك بالطبع, إنما أنت امرأة ضحية لعادات مجتمع
يعطي الرجل الأفضلية على المرأة في كل شيء, ويستعلي
الاهتمام بالمظاهر في هذا المجتمع على كل شيء.
أنت يا عزيزتي من يقرر الحل, علما بأن إنكاره لأخطائه
أمام أهلك ليس علامة صحية لوضع يساعدك على الرجوع,
وكذلك فإن عدم تدخل أهلك بشكل يحفظ لك كرامتك يدل على
سلبيتهم, فوضع والدك للقرار بيدك ليس صحيحا برأيي,
لأنك لم تقرري الارتباط بهذا الرجل وحدك, ولم تعانديهم
لتتزوجيه كما تفعل بعض الفتيات أحيانا, لذا فإن من
واجب أهلك أن يتدخلوا بشكل يحميك من عواقب رجوعك إليه,
أو يؤكدوا معاضدتهم لك في حال وصلت - أنت وأهلك - إلى
قرار مشترك بأن تبقي في بيتهم محمية من عواقب الإيذاء
الجسدي والنفسي.
ما أنصح به أن تطلعي والدك - أو أي رجل حكيم آخر من
عائلتك ويتصف بالإيجابية- على مشكلتك كما كتبتها لنا
ولا تخجلي من ذكر الموضوع الجنسي فهذا حقك شرعا, ثم
تضعي والدك أمام مسؤولياته, فلست وحدك المسؤولة عن
قرارك بالارتباط لتكوني المسؤولة عن فكه, وإلا فما
معنى وجود الولي الذي يشترطه الشرع لإتمام عقد الزواج
إذا لم يكن لضمان حقوق المرأة؟! وأنت كامرأة سعودية
يصعب أن تتحركي بدون مساعدة الأهل, ثم ليضع والدك زوجك
أمام هذه الوقائع وأنها لا تصلح لاستمرار الحياة
الزوجية واستقرارها, فإما أن يتبنى كل واحد منكما - أي
أنت وزوجك - سلوكيات تناسب الحياة الزوجية بما فيها من
مودة ورحمة, وإما فإن الفراق أرحم وأكرم من حياة
تقضيانها بالنكد والإساءة المتكررة كما قال الله
تعالى:(وإن يتفرقا يُغْنِ الله كلا من سعته).
لا أنسى أن ألفت انتباهك إلى ما ذكرته أنك تعرفت عليه
من عملك, ويبدو من تفاصيل قصتك أنك تركت عملك, لأنك
ذكرت أنه يبخل عليك بالمصروف, فأعتقد أن رجوعك إلى
عملك أو التحاقك بعمل كريم آخر يعزّز من قيمتك
الذاتية, كما أنه يجعلك في وضع يغنيك عن طلب المصاريف
من زوجك إذا عدت إليه, أو حتى من والدك إذا بقيت في
بيته لأنه سيصعب عليك أن تمدي يدك له مرة أخرى, والعمل
كرامة, واليد العليا خير من السفلى, ومع أن زوجك مكلّف
بالإنفاق عليك, لكن هذا العيب أهون من العيوب الأخرى,
فوازني بين حسنات وسيئات الرجوع إليه أو الطلاق منه.
لا أنصحك بالرجوع قبل أن تنظري في عيوب نفسك وتحاولي
إصلاحها, وأختم لك ردي بقصة دكتورة أكاديمية من بلدك
لجأت لي لحل مشكلتها مع زوجها وكانت المشكلة متمثلة في
ابنته المراهقة التي تعامل زوجة والدها بشكل سيء,
فطلبت من السيدة أن تتفهم وضع تلك الفتاة المراهقة,
وأن تحاول مدّها بالحنان وبذل الإحسان, وأن تعاملها
كابنتها وأكثر, خاصة أن الفتاة ليس لها ذنب في طلاق
والديها, وأنها بمثابة أمانة عندها من الله وعليها أن
تحسن إليها كونها ضعيفة رغم كل ما يصدر عنها, وبعد
فترة وصلني من السيدة ما يدلّ على أنها تعيش برضا
وسعادة, والعقبى لك إن شاء الله.
إسلام أنلاين 6/3/2007 |