الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (زوجية) زوجي يكره مثاليتي.. فما العمل؟                                                    فلسطين

 
 
 
 
 
 
 

 أعانكم الله دائما للمساعدة الآخرين وأنار لكم طريقكم دائماً أما بعد..

إنكم قد تستغربون من شكواي هذه، وطلب مشورتكم إن زوجي يكره -كما يقول - مثاليتي في التعامل مع الآخرين بحسن نيتي عند تعاملي مع أهلي وأهله مثلاً، فيقول أنت طيبة جدا وطيبتك ستضيعك فهل فعلا الطيبة الزيادة خطأ؟، هل فعلا يجب أن أعامل من حولي بحذر؟ وأنهم قد لا يكنون المحبة لنا ويظهرون العكس؟

لا أدري كيف أعامل زوجي فهو يكره مطالبتي له بصلة الرحم دائما مع من يحصل معهم خلاف أو بحسن النية مع إخوانه وإخواني بقولي مثلاً لا يقصدون الإساءة أو كن أحسن منهم وهكذا.. لا وبل يقول لي أنت مثالية وهذه الأيام لا ينفع معها المثالية يجب تتعاملي مع من حولك كما تُعاملي، فيريدني أن أفكر في مصلحتي قبل كل شيء ومعتقده أن تعامل الناس مع بعضها قائم على المصالح وحتى في عملي عندما أتغيب كثيرا أقول له إنني يجب أن أهتم بعملي فالله سيحاسبني إن لم أتقن عملي وضميري يؤنبني يغضب ويثور بأنني مثالية زيادة عن اللزوم وأن صاحب الشركة لا يدري أساساً كم عدد موظفيه كنوع من الاستهزاء طبعا وبأن لا أحد يلتزم بعمله إرضاء لرب العالمين هذه الأيام ولكن من أجل الراتب.

وإن قلت له لا تأخذني قبل نهاية دوامي يمقتني بنظرات غضب قائلا صاحب الشركة قريبك ولن يحاسبك! ودائما يردد "الحياة هكذا تريد لا تريد التي بطريقتك"، رغم أني أعلم بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله لكن إذا عاندته يثور وإذا تعاملت معه بالحسنى وبالكلمة الطيبة أدخل والدي بالموضوع وأبي مثله في التفكير وبالتالي الاثنان ضدي!!

ماذا أفعل فمثاليتي التي لا تعجب الناس هذه الأيام ولا تعجب زوجي أصبحت من الأسباب المشاكل بيننا، مع أنه يصلي ويحب الدين وسيؤدي العمرة إن شاء الله قريباً، فهو يعتقد المثالية كانت أيام الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لأنهم يستحقون المعاملة المثالية، أما هذه الأيام –في ونظره- الناس لا يستحقون فعل الخير لهم أو معاملتهم بالحسنى فهو نوع من الضعف في التعامل، إنني أحس مقصرة في ديني بسبب ما قلت لأنني للأسف أضطر لمجاراته فأصبحت مقصرة في عملي تفاديا للمشاكل، وهل فعلا الحياة أصبحت تحتاج إلى نوع من الوعي والحذر والطيبة لا تنفع هذه الأيام، أرجو نصحي لكيفية أيضا التعامل مع زوجي.

 
 
 

 
 
 
   

تحياتي لك وتقديري لمحاولاتك في تأدية واجبك نحو أقاربك ونحو عملك, فالأمر الذي يسميه زوجك ووالدك بالمثالية هو ليس إلا تأدية الواجب وأداء العمل كما يحب الله ويرضى, والمعاني السلبية التي يحملها زوجك – وكثيرون مثله– تجاه تأدية الإنسان واجبه منتشرة بشدة في مجتمعاتنا العربية, والحقيقة أنه لو أدى كل منا واجبه لأتت حقوقه إليه والعكس بالعكس, لأن واجبات المسلم هي حقوق لغيره عليه, وحقوقه واجبات على غيره, ولكن أكثر الناس – للأسف – يريدون الوصول إلى حقوقهم دون التفكير بالبدء من جانبهم أولا بإعطاء الآخرين حقوقهم عن طريق تأدية العمل والواجب, ولو أن كل الموظفين في المؤسسة التي تعملين بها مثلا أدى عمله على أحسن وجه, لاستطاع كل المراجعين العودة إلى أعمالهم وبالتالي تأديتها بإتقان, وهكذا فإن البناء الاجتماعي يأتي على شكل متتالية مطردة, سواء في الأسرة إلى المدرسة إلى أي عمل آخر.

كثيرون هم الذين يؤدون واجباتهم الدينية كزوجك يا أختي العزيزة, أما واجباتهم الدنيوية - سواء تجاه أقاربهم أو غيرهم - فلا يعتبرونها سوى عبء ثقيل يحاولون التهرب منه, والأسباب كثيرة, منها الفصام بين الدين والدنيا مع أن المفروض هو العكس أي أن تكون أعمالنا الدنيوية مرتبطة بالدين وبالثواب الأخروي, ومنها أن الحقوق ضائعة في المستويات العليا أي لدى المسؤولين عن الشعوب, وكما قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:(الناس بأمرائهم أشبه منهم بآبائهم) وهذا القول يقرر حقيقة واقعة وموجودة, لكنه لا يعني استدامة الحال على ما هو عليه, فإذا كان الواقع سيئا فإن خلق واقع جديد هو الواجب الذي يشير إليه حديث الرسول عليه الصلاة والسلام:(كما تكونوا يولى عليكم), لذلك عندما تلقى التهم على كاهل الحكام فهو أمر مفروغ منه لكن في نفس الوقت يجب أن يوجه كل منا اللوم إلى نفسه ليغير ما بها فالتغيير الفردي هو أساس التغيير الاجتماعي والسياسي:(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم), وقد امتدح الله سبحانه النفس اللوامة بل وأقسم بها في القرآن الكريم, وعندما نبه النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه على فتن ستأتي كقطع الليل المظلم ذكر من هذه الفتن الأمراء الذين يفضلون أنفسهم على الرعية وكانت نصيحته الخالدة:(أدوا الحق الذي عليكم واسألوا الله الذي لكم), وعلى هذا يؤكد كثير من المفكرين الإسلاميين وعلى رأسهم مالك بن نبي رحمه الله, والذي أشار إلى سبب آخر في ما يعاني منه زوجك وغيره مما أسماه ظاهرة المسجد, فالدين ينتهي عندهم بمجرد الخروج من المسجد, ولعل زوجك لا يقصد أن يكون من هؤلاء الذين لا يعلمون أن معاملة الخلق هي معاملة للخالق, ولكنه التيار الغالب الذي يجرف الجميع إلا من رحم ربك.

تسألين عن كيفية تعاملك مع زوجك فأنصحك بالموازنة بين حقوق الله عليك, والتي هي حقوقه الخاصة من جهة وحقوق الخلق من جهة أخرى على اختلاف مستوياتهم, فصاحب العمل له عليك حق حتى لو كانت وظيفتك حكومية, فأنت تسترزقين منها ولا بد أن يكون راتبك حلالا بأداء العمل كما لو كان صاحب العمل أو المراقب أو المشرف موجودا ويراك, فاشرحي لزوجك وجهة نظرك في رغبتك باستمرارك بأداء عملك على أحسن وجه كي لا يكون راتبك مقابل عمل لم تؤديه, فيتحول من الحلال المبارك إلى الحرام المنقطع, وهو ما عبرتِ عنه بتقصيرك في عملك.

أرجو أن تعلمي أن ديننا دين واقعي ومثالي في آن واحد, لكن لا بد من التذكير بأن تعاملنا مع الأقارب يجب أن يكون عنوانه صلة الرحم وهي لا تكون فقط بصلة من يصلنا بل بصلة من قطعنا أيضا وأذكر هنا حديثا شريفا جامعا أيضا:(أمرني ربي بأن أعفو عمن ظلمني وأصل من قطعني وأعطي من حرمني) أو كما قال عليه الصلاة والسلام؛ وبالنسبة لتعاملك مع الناس فإني أذكرك بالحديث الشريف:(الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله) وإذا احتج بعضهم بأن هذا الحديث ضعيف أو بعض ألفاظه غير مستحبة, فلا يمكن أن ينسى أحد الأحاديث الأخرى التي تحض على الخلق الحسن وهي كثيرة جدا ومن الأحاديث المجملة بمعانيها حديث:(اتق الله حيثما كنت, وأتبع الحسنة السيئة تمحها, وخالق الناس بخلق حسن) ومثل الأحاديث هناك الآيات الكثيرة في القرآن الكريم الذي أُنزل على من قال:(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) فصلى الله عليه وسلم وبارك وجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه, ورزقنا العمل بسنته والموت على ملته لنكون من أهل شفاعته..

بعد كل ما أوضحته لك يا أختي الكريمة أنصحك بألا يأخذ ثباتك على موقفك طابع المعاندة للزوج, ولكن ليكن حوارك معه بالحسنى بأن تبّيني مثلا أنه حتى لو كان صاحب الشركة قريبك, لكنه يمكن أن يتجاوز عن تقصيرك مرة أو مرتين أو ثلاثة, ولكن لا شك أن ثمة مرة ستكون القاضية, فليس من صالحك ولا من صالح زوجك أن تجلسي في البيت, خاصة إذا كان عملك يشكل دعما ماديا له, أما بالنسبة للأقارب فصلة الرحم كما يأمرنا بها الدين هي ذات طابع مثالي, مع ضرورة التمييز بين هذه المثالية وقدرة النفس على الاحتمال حيث لا يكلف الله نفسا إلا وسعها, ولا يسأل الله الإنسان ما هو فوق طاقته, فكل منا قدرة احتماله المختلفة عن الآخر؛ كما أن كثيرا ما تختلط علينا الأمور فنعتبر التسامح قوة في الوقت الذي لا يكون بمقدورنا إظهار أي رفض لموقف تخسف فيه حقوقنا, فالتسامح الحقيقي يكون مع المقدرة على إمضاء العقوبة أو الرد بالمثل, وقد نحتاج أحيانا أن نظهر لفئة معينة من الناس أن تسامحنا معهم ليس نتيجة ضعف وذلك كي لا يتمادوا في باطلهم أكثر, وهناك فرق بين أن نتسامح في حقوقنا الخاصة, حيث هو من التسامح المحمود, وبين أن نتسامح بحقوق الأسرة أو الجماعة وهو ما يعتبر ضعفا وهوانا, على سبيل المثال يمكن أن يتسامح شخص غني مع أخيه الفقير في دين لم يستطع أن يوفيه, لكن إذا انعكس الوضع  واستولى الغني على مال الفقير الذي يعاني أولاده من الفاقة أصلا فلا معنى لتسامح الأخير هنا لأنه سيضر بمصلحة من هو مسؤول عنهم, وتسامحه سوف يفهم بأنه نتيجة الضعف والخوف والجبن, وهو مثل بسيط ضربته لك لكن يمكنك أن تطبقيه على المجتمعات والدول فتجدينه صحيحا, كما أن التسامح في بعض الحق قد يكون نوعاً من التكتيك للوصول إلى حقوق أوسع, والله أعلم.

إسلام أنلاين 7/12/2006

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |