|
المشكلة الحقيقية واضحة وهي تعنت والدتك في المهر وتوابعه مما ينعكس على إتمام
زواجك وعلاقتك مع زوجك مستقبلا, لكن ما ليس واضحا هو أسباب ودوافع والدتك التي
تجعلها تقف كحجر عثرة في طريق سعادتك, مع أنك ذكرت بعض دوافعها سواء مما استنتجته
لوحدك أو مما قاله لك الآخرون بما فيهم والدك؛ وعلى كل حال فمن حقها عليك الاعتراف
بفضلها فهي لم تكن لك مجرد أم بل كانت الأم والأب بعد أن تخلى والدك عن مسؤوليته
تجاهك, وهذا الاعتراف بفضلها يقتضي أن تراعي خاطرها وتحسني معاملتها إلى أقصى ما
تستطيعين دون أن تكوني ضحية لسطوتها أو أنانيتها, وهذا يوجب عليك معرفة جيدة
بشخصيتها وبالأسلوب الأنسب للتعامل معها.
في وضعك يحسن أن تتخيلي أنك تلعبين لعبة شد الحبل مع
والدتك, بحيث لا تدعيها تسحب الحبل لجانبها فتخسري أنت
ولا تشدي كثيرا فتشد هي أكثر فينقطع الحبل بينكما أي
ينقطع حبل المحبة والمودة بالتالي وتخسرينها, فهي أمك
أولا وأخيرا ومهما أظهرت قسوة عليك فهو تعبير عن
محبتها لك وخوفها عليك, وربما يكون لديها دافع خفي أن
لا يقل فرحك عن أي فتاة عاشت في كنف والديها, وكأنها
بهذا تضمن أن حصيلة تعبها وجهدها في تربيتك لم تذهب
هدرا, وأن ابنتها قد وصلت إلى حقوقها كاملة, وبأنها
ليست أقل من أي فتاة أخرى؛ وبالطبع أنا لا أبرر لها
هذا الدافع لكن أفسره لك كي تتفهمي وضعها النفسي الذي
يجعلك أكثر قدرة على التعامل معها بشكل متوازن ما دامت
هي غير قادرة على هذا التعامل بسبب ما عانته في حياتها
كامرأة مطلقة مسؤولة عن تربية فتاة في مجتمع عربي لا
يرحم المطلقة ولا يرحم ذريتها وخاصة الفتيات, فأولاد
المطلقة يدفعون ثمن الطلاق بسبب نظرة المجتمع الخاطئة
لهم وكأنهم هم أصحاب المشكلة مع أنه لا يد لهم في
الطلاق, ومع أن الطلاق قد يكون حلا لأزمة زواجية
متعثرة ومشكلات أسرية مستعصية بحيث يكون الفراق خير
للوالدين وللأولاد, وبالطبع فإن المذمة التي تصل
للذكور لا تقارن بما يلحق الإناث, وهو الوتر الذي
يمكنك أن تعزفي عليه كما سأخبرك لاحقا.
بما أنك تحبين زوجك ولا تريدين أن تخسريه أيضا, فيمكن
أن تجري تسوية بينه وبين والدتك فليس من الضروري أن
تنفَّذ قائمة مشتريات بيتك المستقبلي بحذافيرها, لكن
كي تضمني حقك مع زوجك فاكتبي المتبقي ضمن ما يسمى مؤخر
المهر, خاصة أن شقتك صغيرة كما تقولين ولا تتحمل
تأثيثها بكل ما يشتريه المبلغ لذا فالحل الوسط هو
الأفضل وذلك بأن يكون 30 ألف جنيه لفرش الشقة مثلا,
ورغم أني لا أعرف الأسعار بمصر لكن أعتقد أنه مبلغ
كاف, وهكذا يصبح المقدم مع الذهب 50 ألف جنيه ويبقى
مبلغ 40 ألف مؤخر المهر, أو اقسمي المبلغ حسب ما ترينه
مناسبا لمصلحتك ومصلحة زوجك, وأنا شخصيا أحبّذ أن يكون
مؤخر المرأة أعلى عن مهرها المقدم لأن المؤخر يبقى
ضمانة لها في حال الطلاق إذا حصل من الزوج وكذلك إذا
أجبرتها الظروف على طلب الطلاق أو الخلع فلا تضطر أن
تعيد المبالغ الكبيرة للزوج.
قد تحتاجين مساندة لك أمام والدتك فاستعيني بأحد
الأقرباء الحكماء الذين يؤثرون على والدتك, وبالطبع
فإن والدك ليس منهم, وكان أجدى به أن لا يتدخل في
موضوعك سلباً ما دام لم يتدخل في الإنفاق عليك سابقا,
مع أن الله سائله عن ذلك, ففي الحديث الشريف:(كفى
بالمرء إثما أن يضيع من يقوت أو من يعول) ويكفي أن
والدتك لم تعمل على قطع علاقتك به, وهذا أكبر دليل على
أنها إنسانة فاضلة تستحق أن تسايريها وتتذكري فضلها
وتراعي رغباتها دون أن تكون عائقا بالطبع في طريق
زواجك ودون أن يقع ظلم عليك أو على زوجك.
لا تنسي أن تستخدمي كل الوسائل الممكنة لإقناع والدتك
بأن الفرح الكبير لن يقدم ولا يؤخر, والأفضل استخدام
النقود فيما يجلب لك ولزوجك السعادة, وليست السعادة
حكرا على الذين يفرشون بيوتهم بكل ما هب ودب من أثاث,
وكم يفتقد أهل القصور السعادة, وكم يرفرف السرور على
زوجين محبين رغم فقرهما, وإن كنا لا ننكر أن المسكن
الصالح من مقومات سعادة ابن آدم كما ورد في الحديث
الشريف, لكن المسكن الصالح لا يكون صالحا إلا بوجود
شريك حياة صالح.
كذلك يحسن أن تذكريها – وبأسلوب لائق – أن طلاقك من
زوجك يعني أن تُوصمي بتهمة الطلاق في مجتمع لا يرحم
دون أن تكون قد تزوجت, وفي هذا ظلم لك وقد يؤثر على
مستقبلك فلا يتقدم لك مثل هذا الشاب مرة أخرى, وذكريها
– وبأسلوب أكثر تعاطفا – أن طلاقها من والدك ينعكس
عليك أيضا, وقد لا يتقدم إليك إلا من يعتبر زواجه منك
إحسانا وتفضلا حيث أنك من عائلة مشتتة, ولا شك أنك
تعرضت لمواقف سابقة في المدرسة أو الجامعة أثرت بك
كانت ناجمة عن طلاق والديك, فأخبريها برفق أنه ليس من
العدل أن يدفع الأولاد أخطاء والديهم إلى الأبد,
وأعلميها أن من حقك أن يكون لك زوج يحبك وأطفال
تمارسين معهم أمومتك, واسأليها برفق إن كانت تحب أن
ترى أحفادها يملؤون بيتها ويقبّلون يديها ويبّرونها
ويكونون من كسبها وفي ميزان حسناتها, فالرسول عليه
الصلاة والسلام قال:(أولادكم من كسبكم), وكي تكسبي
حنانها أكثر لا بأس أن توضحي لها – مثلا- أنك تتمنين
أن تنجبي ذكرا ليكون بمثابة الابن لها خاصة أنها حُرمت
من الولد الذكر, وأقنعيها أن زوجك سيكون ابناً لها
باراً بها, وحاولي أن تحسِّني صورة زوجك في عيني
والدتك وتحسَّني صورتها في عينيه بحيث يهتم ببرها
وبرضاها ويشعرها بأهميتها وكأنها والدته, فمن المهم
جداً أن تكون المودة قائمة بينهما ليستمر زواجك بدون
مخاصمات ومشكلات وأزمات.
المقصد من كل هذا أن تستخدمي ذكائك ولباقتك بحيث لا
تتركي وتراً في داخلها يمكن أن يصدر بعض موسيقى الحنان
إذا عزفت عليه إلا وفعلت, مع حرصك الشديد ألا يمس
كلامك كرامتها أو يسيء إليها, ولا تنسي أن تحسني
اللجوء إلى الله والتضرع ليساعدك في مواجهتها والحصول
إلى تعاطفها معك, علما بأن نيتك الحسنة تجاهها سوف
تبارك حياتك وتثمر خيرا بينك وبينها, فأحسني النية
واسألي الله أن يساعدك للوصول إلى ما تريدين منها دون
أن تضطري للمفاضلة بينها وبين زوجك, فكلاهما له عليك
حق ولعل حقها أشد الحقوق حاليا ما دام زوجك لم يدخل بك
بعد.
وفقك الله ويسر لك أمرك وهيأ لك الرشد والخير.
إسلام أنلاين 20/9/2006 |