أهلا وسهلا بك, وأبدأ معك بقصة ذات مغزى تتضمن حل مشكلتك وغيرك من
الناس الذين يشتركون معك بها, وما أكثرهم! وهي قصة معبرة تعود
للثقافة الغربية التي غزتنا في عقر دارنا ولكننا للأسف لم نأخذ من
الغرب الحكمة كما أخذنا الأمور الأخرى.
تقول القصة أن عددا من الخريجين الذين حصلوا على مواقع متقدمة في
أعمالهم اتفقوا على زيارة أستاذهم الذي كان يدرسهم عندما كانوا في
الجامعة, وفي بيت الأستاذ تحولت دفة الحديث باتجاه الضغوط التي
يخضعون لها في الحياة الشخصية والعملية. ذهب الأستاذ إلى المطبخ
ليحضر لتلامذته القهوة فأتى بإبريق كبير وعدد متنوع من الفناجين
المصنوعة من الصيني أو البلاستيك أو الزجاج. بعض الفناجين كان عادي
المنظر بينما بعضها الآخر غالي الثمن, طلب الأستاذ من تلاميذه
السابقين أن يسكبوا لأنفسهم القهوة الساخنة. وبعد أن فعلوا ما طلب
منهم قال لهم: لاحظوا أن كل الفناجين غالية الثمن وجميلة المنظر
قد أُخذت بينما بقيت الفناجين بسيطة المنظر ورخيصة السعر. إنه من
الطبيعي بالنسبة لكم أن تختاروا الأفضل لكن هذا هو لب مشكلتكم
وأساس الضغوط النفسية التي تشتكون منها. كل واحد منكم كان يريد
القهوة, وليس الفنجان, ولكن - وبشكل واعٍ- اختار كل منكم فنجانه
ليكون الأفضل ولذا فإن عينيه كانتا على فناجين الآخرين. الآن, إذا
كانت الحياة هي القهوة فإن الأعمال والنقود والمراكز الاجتماعية هي
الفناجين؛ إنها عبارة عن أدوات تحمل الحياة داخلها, لكنها ليست
الحياة ولن تغير شيئا من طبيعة الحياة. أحيانا عندما نركز على شكل
الفنجان فإننا نفتقد استمتاعنا بنكهة القهوة؛ لذلك لا تدعوا
الفناجين تقودكم بل استمتعوا بالقهوة بدلا من ذلك.
وهذه هي مشكلتك ومشكلة الناس الآخرين الذين تتحدثين عنهم فكل منهم
يرغب بالطراز الأحدث في المنازل والديكورات والسيارات وبكلمة واحدة
المظاهر البراقة الخادعة التي لا تجلب السعادة ولا تغير طبيعة
الحياة على رأي البروفسور في القصة السابقة.
عندما ركزت يا أختي على هذه الأمور بدأت تتساءلين من أين لهؤلاء
الناس كل هذا؟ وفقدت متعة الشعور بنعم الله الأخرى مثل وجود زوج
محب في حياتك فكم من النساء يستطعن أن يتحدثن صادقات عن وجود الزوج
المحب؟ الشعور بنعم الله يا أختي الكريمة هو الذي يضفي على حياتنا
الرضا, ولو غيرت نظرتك قليلا لتذكرت قول الرسول عليه الصلاة
والسلام:(من بات آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فقد حاز
الدنيا بحذافيرها)
للأسف فقدَ أغلبنا الشعور بالرضا بسبب النظر لما في أيدي الآخرين,
فنحن نتساءل دائما: لماذا لا يكون لدينا مثل ما لديهم؟ ولماذا لا
نصبح أفضل منهم؟ وبالطبع فلا عيب ولا ضير أن يحسّن الإنسان أحواله
وأن يطور أوضاعه ماديا ومعنويا, لكن ليس عن طريق المقارنات مع
الغير, فالمقارنات قاتلة أحيانا, ومخطئ جدا من يظن أن بإمكان
الإنسان أن يحوز كل ما يريد, فمن سنة الحياة البلاء والمكابدة, قال
تعالى:(ولقد خلقنا الإنسان في كبد) فمن عندها زوج يحبها ليس لديها
ولد لأنها لا تنجب, ومن لديها أولاد قد يكون أحدهم معاق أو عاق,
ومن سعدت مع أسرتها الصغيرة لم تخل من مشكلات مع عائلتها الكبيرة,
ومن اكتملت نجاحاتها الأسرية ليس لديها عمل يقارب طموحها أو تثبت
ذاتها من خلاله .. أو .. أو .. وهكذا
الحياة تعطي بيد يا أختي وتأخذ بيد أخرى, فإن فهمناها ورضينا بها
على علاتها فسوف نعيش حياة طيبة شرط أن يكون أساسها الإيمان والعمل
الصالح وإلا فلا سعادة ولا رضا, قال تعالى:(من عمل صالحا من ذكر أو
أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا
يعملون) فإذا كان من واجبنا أن نسعى لتحسين معاشنا وتطوير موارد
رزقنا كما أنه من حقنا أيضا أن نعمل ما في وسعنا للحصول على هذا
الغنى المادي الذي يمنحنا شعورا بالاستقرار والأمان, فإن الحياة
الطيبة لا تكون إلا بالغنى المعنوي الناجم عن ترافق الإيمان والعمل
الصالح, ورُبّ امرأة فقيرة لكنها سعيدة مع زوجها رغم عيشها في كوخ,
ورب امرأة غنية كأميرة في قصر لا تشعر بفرق بينه وبين القبر.
ثم إذا تساءلنا عن الاستقرار الذي يمنحه الغنى المادي فإنني أحيلك
إلى ما يحدث في بلدك الأصلي من دمار للبيوت وزهق للنفوس فأي
استقرار مادي في ظل تلك المآسي والحروب؟ يبدو واضحا أن الجواب هو
ما تقوله الحكمة القديمة من أن علينا أن ننظر في الدين لمن هو
فوقنا فنعمل لنكون مثله, وننظر في الدنيا إلى من هو أقل منا فنشكر
الله على نعمه؛ والبارحة كنت أتصل بصديقتي الناجية من الموت بسبب
ما يحدث في لبنان بعد أن عادت إلى مكان إقامتها في الخليج,
فأخبرتني بحزنها على بيت أهلها الذي غادروه خوفا من الموت, فأصابته
قذيفة جعلت البناء كله أثرا بعد عين, فما كان مني إلا أن ذكرتها أن
تحمد الله على سلامة والديها, فلو خُيرت ببقاء البيت أو الأهل
لاختارت الأهل, وهكذا فإن مصائب الناس الكبيرة تخفف مصابنا الصغير,
نسأل الله السلامة لكل الأبرياء.
مع كل هذا فأنا أدرك يا أختي الكريمة مشكلتك وأتفق معك في تساؤلاتك
عن الناس الذين لا يفضلونك ذكاء ويتبوؤن مناصبا أعلى, وما ذاك إلا
لأننا نعيش في "بلاد العرب أوطاني" التي امتلأت بالوصولية
والمحسوبية و(امسك لي وأنا أقطع لك), تلك البلاد الطاردة لأولادها,
لأنها بلاد يعشعش فيها الفساد من كل نوع؛ ومع ذلك فيجب أن أذكرك
أننا لسنا مؤاخذين بما يفعله غيرنا إلا إذا كنا نستطيع أمرهم
بالمعروف ونهيهم عن المنكر ولم نفعل, وإنما مؤاخذون بما نستطيع
فعله لأنفسنا ولا نفعله لأنه يشكل الجزء الأكبر من الصعوبة في
حياتنا وهي أن نعايش هذا الفساد دون أن ننجرف في تياره فقد نهانا
الرسول عليه الصلاة والسلام أن نكون إمعة إن أحسن الناس أحسنا وإن
أساؤوا أسأنا.
والمشكلة في حياتنا أنها لم تعد تتوقف عند ذلك, فبالنسبة للأمور
المالية مثلا استجدت على الناس أمور وطرق ووسائل يمكن لهم أن
يزيدوا دخلهم بواسطتها, لكن علماء الدين إلى الآن مختلفون فيها مع
أن المال قوام الحياة الدنيا, ولهذا لم تعد معرفة الحلال والحرام
سهلة دائما, وإذا أردت أن أضرب الأمثلة بعدم القدرة على إدراك
الصواب من الخطأ في حياتنا المعاصرة فالأمثلة لا تعد ولا تحصى,
وأبسط مثال أني لو نصحتك بأن تنظمي ميزانية إنفاقك وتضعي جزءا من
مالك ومال زوجك في التوفير فلا شك أنك ستسألين عن فوائد البنوك أو
الأسهم أو.. أو مما لا نجد رأيا واحدا يتفق عليه جميع الفقهاء, ومع
أن اختلاف الأمة رحمة, لكن اختلافهم فيما له علاقة بالضروريات
الكبرى كالمال هو طامة كبرى, وقيسي على ذلك مواضيع أخرى مثل تحديد
من هو الفقير المستحق للزكاة حاليا؟ هل هو الذي يملك قوت يومه أو
الضروريات كما في العهد النبوي فقط أم أن أمورا استجدت في حياتنا
وأصبحت ضرورية أيضا للناس مثل أقساط المدارس حيث التعليم الحكومي
لم يعد يلبي متطلبات التوظيف, والتعليم الخاص أو الأهلي يكلف الناس
الكثير من المال وكذلك الدروس الخصوصية, وأصبحت سوق العمل تتطلب
شهادات مميزة وكفاءات معينة, وكل ذلك يكلف المال للحصول عليه....
وهذا الأمر الأخير يمثل مشكلتك الخاصة التي تطرحينها, وبالطبع
جوابها أنت أقدر على معرفته مني, وذلك لأني لا أعمل في إدارات
التوظيف, لكن ربما يمكنك السؤال في عملك نفسه عن الشهادات المطلوبة
لتحسين نوعية عملك وبالتالي زيادة دخلك السنوي؛ وأما مشكلة زوجك
فأعتقد أنه يحتاج لدراسة أي مشروع من جميع جوانبه سواء في عمله
الخاص أو العام, فلا تكفي النوايا الطيبة لكن لا بد من التفكير بما
يسمونه الجدوى الاقتصادية لأي مشروع حتى لا تكون المشاريع مجرد
مغامرات غير محسوبة؛ وكي تكون المشاريع ناجحة يجب أن يخطط لها بشكل
سوي بحيث ترجح كفة الأرباح على كفة الخسائر, علما بأنه ليس كل
الناس ينجحون في البزنس كما ينجحون في الحصول على الشهادات, وهناك
بعض الجينات المتوارثة التي تجعل بعض الناس أقدر من غيرهم في
التجارة وما شابه من حيث المؤهلات الشخصية كالقدرة على اجتذاب
الزبائن وإمكانية الإقناع إلى آخر ذلك من أمور يحاول بعض
المتكسّبين جعلها علما لا فنّا فقط, وإن كنت أرى أن الموهبة هي
التي تحدد قدرة الشخص الفنية كما أن الدراسة تنمي قدراته العلمية.
من كل ما سبق يمكننا أن نخلص إلى ما يلي: أن القناعة كنز لا يفنى,
ولكنها في نفس الوقت لا تتنافى مع الطموح المشروع, وحتى يكون
الطموح مشروعا يجب أن يتفق مع الإمكانيات والقدرات, فمثلا أنت سيدة
متزوجة ولديك عائلة وزوج وأولاد, وفي نفس الوقت أنت امرأة عاملة,
ولا شك أن لديك واجبات اجتماعية تقومين بأدائها, فمن الصعب لامرأة
بنفس إمكانياتك في الوقت أن تستطيع الالتزام بدورات إلا إذا كانت
محتسبة من أوقات العمل, فهل هذا ممكن؟ وإلا فمعنى ذلك ان عملك
سيشغل نصف اليوم ويأتي دوامك في الدورات ليشغل النصف الآخر, فمن
أين ستجدين الوقت الكافي لزوجك وأولادك؟ طبعا هذا يعتمد على أعمار
أولادك وعددهم وإذا كان هناك من يساعدك في المنزل أم لا, وكذلك
يعتمد على تفهم زوجك لوضعك, مع أنه هو في حاجة إلى من يتفهم وضعه,
وربما كان بإمكانك أن تجدي الحل الأمثل بالدراسة عن بعد, سواء
بالمراسلة أو عن طريق النت, وكما يقول المثل العامي:(الذي له أعين
وراس يفعل كما يفعل الناس)
ثم أنت تسألين عن رزقك ورزق زوجك يا أختي وهل هو مؤجل أم غير مكتوب
لكم؟ فبالطبع هذا سؤال لا أعلم جوابه لأن من يعلمه هو الحكيم
الخبير الذي يرانا حين نقوم, ويعلم سعينا وكدحنا, ولا يفوته صغيرة
ولا كبيرة من أمرنا, أما ما أعلمه فهو أن علينا القيام بعمل
الأشياء التي تدخل ضمن نطاق قدراتنا وفعالياتنا مخلصين النية لله
بحيث لا يكون عملنا للحصول على الرزق من أجل أن يتحدث الناس
بإمكانياتنا أو يرون أنا نفضلهم مالا وعيشا, وعندما نفعل ما نستطيع
قاصدين وجه الله فإن أعمالنا تعتبر في سبيل الله وتثقل ميزان
حسناتنا حتى لو كانت أعمالا دنيوية لأن الدين والدنيا لا ينفصلان
عند المسلم, وعندها يداخلنا شعور بالرضا وبتقبل ذواتنا, وهذا
الشعور الإيجابي يدفعنا للمزيد من الطموح ويشكل حافزا للنجاح إذ
نعلم أن الله معنا وأنه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا, كل ما
يجب علينا فعله أن نبحث عن الصواب ونتحرى الإخلاص, (والله معكم ولن
يتركم أعمالكم).
أخيرا فإن الدعاء هو مما يدخل ضمن نطاق قدراتنا يا أختي, ويناسب
حالتك دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام:(اللهم أصلح لي ديني الذي
هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي
إليها معادي وأحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة
خيرا لي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من
كل شر) والسلام عليك.
إسلام أنلاين 20/7/2006