الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (زوجية) حائرة بين طاعة الزوج وبر الوالدين                                                         مصر

 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكركم كل الشكر على المجهود الجبار الذي يبذل من أجل إسعاد ومساعدة الآخرين.
أنا زوجة وأم لطفلين (5 سنوات و3 سنوات). نعمل أنا وزوجي في مجال برمجة الحاسوب، وزوجي -ما شاء الله- شديد الطموح، وحاليا يعمل على استكمال شهادة الدكتوراه من الخارج، حيث إنه يسافر كل شهرين لمدة شهر، وذلك ليقلل قدر الإمكان فترة غيابه عن البيت وعن الأولاد.

والمشكلة أنه كان في بادئ الأمر يريد أن يصطحبنا معه للخارج لنبقى سويا ويستطع هو التركيز في دراسته ولكني رفضت وذلك بسبب خوفي الدائم من فقدان أحد والدي وأنا في الغربة. فأنا شديدة التعلق بهما. وخوفا من أن فترة الغربة ممكن أن تطول حتى بعد انتهاء دراسته للعمل لبعض الوقت في الخارج حيث إنه -ما شاء الله- لزوجي سمعة طيبة في مجال بحثه، وقامت عدة شركات أجنبية بعرض فرصة عمل له.

المهم أنه حاليا قد ضبط أموره للسفر كما ذكرت أول الرسالة ولكنه من حين إلى آخر يفتح موضوع السفر للخارج وأنه الأفضل خاصة أن أبناءنا صغار ولا يوجد خوف كبير عليهم في هذه الفترة العمرية (من أفكار الاستقلالية أو غيره من الأفكار الغربية الغريبة على ديننا وأعرافنا).

ماذا أفعل وكيف أتخذ قرارا لا يظلم زوجي ولا يظلم أبنائي ولا يشعرني بالأسف على أهلي؟ علما بأن زوجي لا يقدم على خطوة بدون تشجيع مني، وأشعر أحيانا بالخوف من أنه سوف يمل يوما ما من أسبابي! وتقبلوا مني شكرا جزيلا وجزاكم الله خيرا إن شاء الله.

 
 
 

 
 
 
   

شكرا على ثقتك وكلماتك الطيبة يا أختي العزيزة, وما تسألين عنه هو قرار حياتي لا يقل كثيرا عن القرارات الحياتية الأخرى التي نتخوف من إبداء الرأي النهائي فيها, كمشكلة اختيار الطرف الآخر في الزواج, أو مشكلة قرار الطلاق, لأن ما تسألين عنه هو خيار فراق مؤقت؛ ومع ذلك فسنحاول في هذه السطور التي نناقش فيها معطيات مشكلتك أن نرى في أي اتجاه يكون المسار الصحيح, وعملنا يتلخص في إلقاء الضوء على بعض ما جاء في رسالتك لعل ذلك يساهم في وضعك على طريق الخيار السليم إن شاء الله.

من خبرتي الحياتية الواسعة -بفضل الله- أستطيع أن أقول لك بأن البعد هو قاصمة للحياة الزوجية, فالحكمة من الزواج هي الاستقرار والسكن واستمرار المودة وتوالي الرحمة بين الزوجين, هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى فالبعد بين الزوجين يسمح لكل منهما أن يتطور في اتجاه مختلف عن اتجاه الشريك الآخر, مما يحوّل البعد المادي -نتيجة السفر- إلى بعد معنوي نتيجة تباعد الرؤى والخبرات.

أما بقاء الزوجين مع بعضهما فإنه يتيح لهما تشكيل خبرات مشتركة, خاصة عندما يكون القرب حقيقيا وليس جسديا فقط, وبهذا يبقيان على تواد وتعاطف دائمين؛ وهو الأمر الذي يغيب نتيجة البعد بينهما, فمن الصعب عندها أن يضمن أي طرف بقاء هذا البعد ضمن الإطار المكاني دون أن يتحول إلى بعد عاطفي.

كل ما قدمته لك سابقا يعتمد على قوة العلاقة بين الزوجين من جهة وكذلك على المدة التي سينفصل فيها الزوجان مؤقتا, ويبدو أن علاقتكما –ولله الحمد– مبنية على التفاهم والود, لذا فإن السؤال الذي يطرح هنا: ما هي المدة التي سيقضيها زوجك بعيدا عنك في حال اخترت عدم مرافقته؟ تقولين بأن زوجك شديد الطموح, وأنه يسعى إلى استكمال شهادة الدكتوراه, فإذا توقفنا عند شهادة الدكتوراه فقط فالأمر لا يتعدى سنتين أو ثلاثا –حسب ما أعتقد– وخلالها يمكنه أن يأتي لزيارتكم سنويا, لكن إذا كانت هذه الفترة ستمتد للعمل في الخارج كما توضحين فمعنى ذلك أن المهمة ستصبح أكثر صعوبة, فمن جهة سيفتقد طفلاك والدهم في سنين أشد حرجا من السن الحالي (3 و5 سنوات) ومن جهة أخرى سيعتاد –ربما– على غيابكم أو تعتادين أنت على غيابه.

وبالنهاية قد يصبح الرابط بينكما آليا, أكثر منه عاطفيا؛ كما أن الطفلين قد يعتادا على عدم تدخله في حياتهما مما ينعكس مستقبلا على عدم طاعته بل النظر إليه على أنه مورد مادي فقط, وهذا رأيناه كثيرا في حالة الآباء المغتربين الذين يفتقدون العلاقة السليمة مع أولادهم.

أنبهك إلى أمر آخر يا سيدتي أنك حاليا تستطيعين أن تسدي الفراغ الذي يتركه غيابه في حياة طفليك, لكن قد لا تستطيعين ذلك بعد سنة –أو أكثر بالنسبة للصغير- وخاصة مع دخولهما المدرسة, ومباهاة كل تلميذ بأبيه يصحبه إلى المدرسة أو يلهو معه أو.. أو.. ومع ذلك فهناك بعض النساء القادرات على القيام بدور الأم والأب إلى حين وصول الأولاد لسن المراهقة أو بعدها, رغم أنها مسئولية كبيرة جدا, فوجود الأب يمنح الطفل شعورا بالأمان كما أن الأم تمنحه الحنان, ولا غنى لنشأة سوية عن وجود الوالدين, وإن كانت هذه قاعدة يدور في رحابها بعض الاستثناءات.

أما ما تخافينه كحصول شيء لوالديك وأنت بعيدة عنهما فهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى, والأعمار بيد الله يا أختي الكريمة, ولا يعلم أحد منا متى أجله؛ هل يأتيه قبل أولاده ووالديه أم يتخطف الموت أحباءه قبله سواء كانوا أبويه أو أطفاله؛ لذلك فخوفك هذا لا مبرر له, خاصة إذا كان لوالديك معيل غيرك أو ابن أو ابنة يسكنان في نفس بلدك؛ وصحيح أن بر الوالدين مطلوب إلى آخر العمر, لكن وجودك مع زوجك هو أهم بكثير, لأنه بحاجة لك لإحصانه في بلد أجنبي فيه من المغريات ما فيه, وهي حاجة لا يمكن مقارنة حاجة والديك إليك بها, بل هو أولى شرعا برعايتك له من أبويك, لأنه زوجك, وأبو ولديك, اللذين هما بدورهما بحاجة إلى أبيهما أكثر من حاجتك أنت إلى أبويك أو حاجة أبويك لك, وأنت تقولين بأنك شديدة التعلق بهما فهذا التعلق ناجم عن الحب الشديد لهما, ولاحظي أنك كبيرة يا سيدتي وشديدة التعلق بوالديك, فكيف بهما ولديك الصغيرين ولماذا يحرمان من علاقتهما بوالدهما دون مبرر منطقي؟.

بالطبع فإن عبارتك التي أنهيت بها رسالتك عن خوفك من أن يمل زوجك أسبابك هي عبارة ذات مصداقية كبيرة, وغالبا سوف يشعر بتفضيلك لوالديك عليه, وهذا التفضيل ليس له سند شرعي ولا أساس منطقي,  فإذا كان الرجل مأمورا ببر والديه قبل أن يبر زوجته وأولاده –كما في حديث الثلاثة الذين سُد عليهم الغار وتقرب كل واحد منهم لله بعمله الصالح فتقرب أحدهم ببر والديه وتفضيلهما على أولاده– فإن المرأة مطلوب منها طاعة زوجها وبره قبل أي أحد, دون أن يعني ذلك أنانية الزوج واستئثاره بزوجته, كما تورد بعض القصص في روايات لم ترد في كتب السنة  الصحيحة كمنع الرجل زوجته من الخروج حتى إلى زيارة والدها وهو على فراش الموت دون أن يرد في القصة ما يبرر موقف الزوج الأناني.

وبناء على ما سبق فإذا رتبنا أهم الأشخاص في حياة المرأة مقتبسين ذلك من الشرع, فسنجد أنه الزوج ولا أحد قبله, ويكفي دليلا على ذلك حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: (إن زوج المرأة عندها بمكان)  أو كما قال عليه الصلاة والسلام تعليقاً على الصحابية التي ذُكر لها أن أباها استشهد في غزوة معه فاسترجعت –أي قالت إنا لله وإنا إليه راجعون- ثم ذُكر لها أخوها فاسترجعت, ولكن لما ذكر استشهاد زوجها لم تستطع منع نفسها من النوح.

هذا من الناحية الشرعية التي تؤكد على فطرة المرأة وحبها لزوجها, أما من الناحية المنطقية الواقعية فحاجة الرجل إلى امرأة بجانبه في ديار الغربة تصل إلى مرتبة الضرورة؛ لذلك فإذا استخدمنا المصطلحات الفقهية في الموضوع وبخاصة فقه المصلحة فلدينا الضروريات أولا ثم الحاجيات ثم التحسينيات, فوجودك بجانب زوجك هو ضرورة وكذلك وجود طفليكما بينكما واستشعارهما بالمحبة الأسرية؛ أما وجودك إلى جوار والديك فهو من التحسينيات أو من الحاجيات على أفضل الأحوال.

إذا سافرت يمكنك التواصل مع والديك والاطمئنان عليهما بكل الوسائل الممكنة من الهاتف إلى الرسائل إلى الزيارة عندما تسمح ظروفك, وعلى كل حال فهذه مجرد آراء طرحتها وأنت بالخيار, وأذكرك أن القرارات في الحياة الزوجية يجب ألا تكون فردية أبدا, بل لا بد من المشورة بين الزوجين للبحث عما يناسبهما معا ويوائم مصلحة الأسرة كاملة بما فيهم الأطفال, أما الأسرة الممتدة فهي تأتي بالدرجة الثانية بعد الأسرة الصغيرة, ولا تنسي أن تضعي نفسك مكان زوجك يا سيدتي الفاضلة, فتتخيلي أنه يفضّل البقاء بجانب والديه ويتركك وأطفالك لأي سبب ما, فكيف سيكون شعورك تجاهه؟.

وفقك الله لما فيه خيرك ولما فيه مصلحة أسرتك الصغيرة والكبيرة وتابعينا

إسلام أنلاين 20/6/2006

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |