|
أشكرك على ثقتك وأرجو أن أكون عند حسن ظنك, وإن كان
فيما يبدو لي أن مشكلتك متكررة كثيرا في مجتمعاتنا
العربية حيث يبنى الزواج على أسس خاطئة, أو يقوم من
دون أي أسس أو مقومات لنجاحه, وكي لا أطيل عليك فإن
مقدمة رسالتك التي تحكي عن طريقة تأسيس هذا الزواج
تشير بسهولة على فشله, وعدّي معي:
1-
من ناحية الشبكة تقولين إنها لا تصلح هدية
لطفلة.
2-
من ناحية المهر تقولين أنه مقدم جنيه ومؤخر جنيه.
3-
من جهة حضوره في العقد فهو أرسل توكيلا لوالده لينوب
عنه في العقد
4-
ومن جهة العرس فهو قد طلب منك الحضور
حيث إنه لا يستطيع النزول
5-
ومن جهة موافقة الأهل فوالدك غير موافق
6-
ومن جهة إرسال الهدايا فلم تكن سوى بعض الاقمشة على
بيت حماتك التي اختارت الجيد لها
ولابنتها والرديء أعطتها لك
7-
وبعد الخطبة بشهر سافر خطيبك وكان لزاما عليك الذهاب
يوميا لبيت حماتك ليس
حبا فيك وانما حبا فى خادمة مجانية
8-
وتحملت هذا الوضع من حماتك ولم تخبري خطيبك لانه
لم يكن بينك وبين خطيبك اى شئ سوى الخطابات وكأنها فرض
عليه ليس بها أى مشاعر
9- تحملت كلفة حفلة الخطوبة وسافرت بدون أي مراسم فرح
لاحظي هذه الأمثلة وهي التي تشير إلى غياب القيم
المعنوية لرباط الزوجية المقدس, وهو مقدس بوصف الله
سبحانه:(وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن
منكم ميثاقا غليظا) فسمى الله رباط الزواج ميثاقا
غليظا وهو وصف لم يأت في القرآن مثله لأي عقد بشري, بل
كان وصفا لعقد إلهي حيث أن الله وصف ميثاق النبوة بينه
وبين رسله إلى البشر بالميثاق الغليظ, فتصوري وليتصور
معك القراء الأعزاء إلى أي حضيض وصلنا بنسياننا لمعنى
الزواج وأنه رباط مقدس فجعلناه لإرضاء الغريزة بأشكال
الزواج الحديثة من عرفي ومسيار وسياحي, أو رسمنا
وخططنا ليكون زواج مصلحة وغنى مادي ووسيلة لاستغلال
الطرف الآخر كما تحكي لنا قصتك مع زوجك التي ليست إلا
واحدة من قصص كثيرة مشابهة.
يقولون البدايات تدل على النهايات فإذا كانت بداية
الطريق فيها كل هذه المسامير فكيف سيكون الحذاء بعد
قليل من السير؟ وقبل أن نتابع المسير معك في هذا
الطريق لا بد من سؤال: ما الذي أجبرك على هذا الزواج؟
جواب هذا السؤال غائب كليا في رسالتك, وهو في الحقيقة
ليس سؤالا واحدا بل يمكن على الأقل أن يتفرع ليصبح
تسعة أسئلة مشتقة من الحقائق التي أعدت كتابتها لك
لترينها جيدا وتراها كل فتاة تريد أن تتزوج بأي ثمن,
فهل هذه العبارة الأخيرة (الزواج بأي ثمن) هو الوصف
المناسب لك ليكون جواباً على سؤالي يا تُرى؟
كلي رجاء أن تتحملي قسوة أسئلتي التي سأطرحها عليك ليس
كي تجيبي عليها بل لتعترفي أنك أنت ساهمت في خلق هذه
المشكلة في حياتك فالاعتراف بالخطأ ليس فضيلة فحسب بل
يساعد على تهيئتك للخروج من أزمتك بأقل الخسائر
الممكنة, دون أن يعني هذا الاعتراف أن تعضي أصابع
الندم أو تقولي "لو" هذه التي تفتح عمل الشيطان,
ولتعلمي أن حل أزمتك ليس سهلا أبدا لتطرحيه علي ولا
أظنك تتوقعين أن تجدي لدي حلا سحريا لكل هذه المشكلات
المتراكمة, فيبدو من رسالتك أنك ناضجة وتشعرين بمدى
حرج الوضعية الذي وصلت إليها, والتفاصيل التي أوردتها
جيدة جدا لتدل على صعوبة الخروج بدون خسارة, فقد خسرت
الكثير من المال وكثيرا من القيمة ولا شك أن أي حل
سيطرح عليك لن يكون بدون خسارة أيضا.
ثمة أمر غير مفهوم في رسالتك أيضا, فأنت تقولين أنه أخ
زميلتك في العمل, فهل هي نفسها هذه المصابة بالصرع؟
ولنفرض أنها ليست هي نفسها, فكيف تفكرين بالارتباط بأخ
لزميلتك دون أن تحاولي بذل الجهد لمعرفة طباع هذه
العائلة فردا فردا؟ ثم تقولين: (واستمرت الخطبة عاما
ونصف فى خلال هذه الفترة لم اعرفه جيدا او اعرف اهله)
والسؤال: كيف تقولين أنك لم تعرفي أهله وفي نفس الوقت
تقولين إنك كنت خادمة مجانية لأهله طوال مدة الخطوبة
أي طوال عام ونصف؟! بالطبع لا أعرف كيف رضيت بهذا
الوضع المزري ولكنني أعرف أن الخادمة في بيت أي أحد -
ولو لمدة أسبوع - تستطيع أن تعرف البئر وغطاءه, فكيف
نحل هذا التناقض الكائن بين دوامك "الرسمي" في بيت أهل
زوجك لمدة عام ونصف ثم لا تعرفين شيئا عنهم؟!
هنا أتوقف لألقي بعض الضوء على أخطاء ثقافة مجتمعاتنا
الشرقية ولا سيما بعض البيئات التي ما زالت تتمسك
بنظرة دونية للمرأة وخاصة الزوجة, والأسئلة أيضا ليست
لتجيبي عليها, فلست إلا نتاج هذه الثقافة ولست وحدك
المسؤولة عن أخطائك وأخطاء زوجك وحماتك:
من الذي قال إن الزوجة أمَة في بيت زوجها حتى تكون
خادمة في بيت أحمائها؟ أغلب الفقهاء يقولون أن المرأة
تخدم زوجها في البيت بدافع أخلاقي وليس على أنه حق
للزوج على زوجته, فما هو حق له لا يتعدى الاستمتاع
الموصل إلى السكينة الجسدية والروحية, فكيف أصبحت
المرأة تعمل خارج البيت وتحرث داخله ثم لا حمدا ولا
شكورا؟
وأسأل سؤالا آخر: من الذي قال إن من واجب الزوجة أن
تنفق في البيت إذا كانت تعمل خارجه؟! ومن الذي قال:
إنه ليس من حق الزوجة الشرعي أن يهيئ لها زوجها السكن
المناسب والملبس المناسب والطعام المناسب؟
قد يضحك بعض القراء سخرية من هذه الأسئلة ويظنون أني
ألجأ إلى أسلوب التنظير, وحجتهم في ذلك أن النساء في
كل المجتمعات العربية أصبحن يعملن وينفقن مثلهن مثل
الرجال, بل وأكثر من الرجال - كما هي حالتك أنت تنفقين
عليه وعلى الأولاد بينما هو يوفر ماله أو ينفقه على
أهله - فلقد أصبح عمل المرأة حقيقة واقعة, لكن إذا
أجبرت المرأة على الإنفاق في البيت فيعني هذا أنها
بمقابل هذا الغرم المادي لها غنم معنوي على الأقل: فهل
من أحد يسمح للمرأة أن تكون قوامة على البيت إذا
أنفقت؟ هذا مخالف لطبيعة الرجل والمرأة وعندما يصبح
على المرأة واجب الإنفاق فإن نظرتها إلى زوجها تختل
ونظرته إليه كذلك, وإذا لم تختل نظرة كل منهما لشريكه
فإن نظرة المجتمع الشرقي لن ترحمهما أو ستنظر لهما
بعين الحسد والحقد والكيد حتى يتم التفريق بين رجل
وزوجته متفاهمين على الإنفاق وعلى موضوع القوامة!
من واجب الزوج على زوجته أن يحترمها ويقدرها ويكرمها
بينه وبينها وأمام أهله وأمام الناس أجمعين لأنها من
نفسه التي بين جنبيه, فكيف إذا كانت تقيله من خدمة
البيت؟ ثم كيف إذا كانت تساعده في الإنفاق على البيت؟
سأبتعد عن تفاصيل المشكلة التي ذكرتها من ضرب أخت زوجك
لك ومعاملة حماتك السيئة معك وكل ما ذكرته من شقة
وتشطيب وعفش وعفاشة وعكش وعكاشة, والثلاثة كلمات
الأولى هي من رسالتك وأما الثلاثة الأخيرة فهي من عندي
حيث عفاشة اسم مكان هو مسرح الأحداث التي تدور به قصتك
وعكش وعكاشة أسماء شخصيات حيث تتكرر مأساتك في وطننا
العربي مع اختلاف الأسماء والأماكن, فمشكلتك برأيي
وصلت إلى طريق مسدود خاصة مع ذكرك أنه أراد الطلاق في
العام الماضي ومع وصفك له بأنه بخيل وأنه وأنه..
وأنا أقصد بالطريق المسدود أنك لن تستطيعي أن تحليها
إلا بمساعدة أحد من أهلك, فأين هم أهلك؟
هذه الحلول أمامك يا عزيزتي واختاري ما ترينه مناسبا
لك:
الحل الأول: أن تدخلي حكما من أهلك وحكما من أهله,
وتتفقا على إتمام الحياة الزوجية ضمن شروط يتعهد بها
كل طرف للآخر, فإذا طلب أن تنفقي في البيت فيجب أن
تطلبي معاملة أفضل من مجرد عبدة أو خادمة أو ماشابه
الحل الثاني: أن تطلقي نفسك منه بالخلع, وهنا تردين له
الجنيه المقدم وتحتفظي بالجنيه المؤخر إلا إذا طلبه
فأعطيه إياه ورزقك على الله.
الحل الثالث: أن يطلقك هو وهنا يدفع لك الجنيه المؤخر,
ويمكن أن تتنازلي له عنه إذا كان ذا قيمة لديه ليدفعه
مهرا للأخرى التي يريد أن يتزوجها.
وأنا إذ أكرر كلمة المهر والجنيه أتساءل أيضا لماذا حض
إسلامنا على تسهيل الزواج بإنقاص المهر, ففهمه بعضنا -
أو أغلبنا ربما - أن ذلك قلة قيمة للمرأة وليس فضيلة
لها؟
وعودة إلى الحلول التي طرحتها عليك فإنه غالبا ما يكون
قرار الطلاق صعبا على المرأة بسبب ارتباطها بأولادها,
وقوانين الحضانة في البلاد الإسلامية ليس فيها إنصاف
للمرأة فبينما نجد في الحديث الصحيح أن امرأة قالت
لرسول اللهe:(يا
رسول الله, إن ابني هذا كان بطني له وعاء, وثديي له
سقاء, وحجري له حواء, وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه
مني, فقال لها رسول اللهe:((أنت
أحق به ما لم تنكحي)) نجد أن القانون في صف الرجل
ويحرم الأم من ابنها حتى لو لم تتزوج وذلك بعد أن تعبت
في تربيته وأصبح بإمكانه أن يساعدها فإذا بالأب يسلبه
منها, وهذا أيضا مخالف لصحيح الحديث: جاءت امرأة إلى
رسول اللهe
فقالت: يا رسول الله, إن زوجي يريد أن يذهب بابني, وقد
سقاني من بئر أبي عنبة, وقد نفعني, فقال رسول
الله:((استهما عليه)), فقال زوجها: من يحاقني في ولدي؟
فقال النبي:((هذا أبوك وهذا أمك, فخذ بيد أيهما شئت)),
فأخذ بيد أمه فانطلقت؛ ويبدو من الحديث أن الخيار كان
للولد خاصة بعد أن أوضحت المرأة أنه استطاع أن يعينها
ويحضر لها الماء, بينما رأى الرجل أنه ولده هو فقط,
فهل يمكننا أن نأمل بتحسين قوانين الحضانة في البلاد
العربية انطلاقاً من مصلحة المحضون نفسه لا مصلحة أحد
آخر؟
أعتقد من خلال قراءتي لرسالتك أن ما دفعك لهذا الزواج
هو اقترابك من الثلاثين وخوفك أن تدخلي في حزب العوانس
أو تحرمي من نعمة الأمومة, وهذا تفسير وليس تبريرا,
ولكن لأخفف عنك أخبرك بقصة إحدى صديقاتي وهي امرأة
عاقلة لجأت إلى الزواج من شخص ما وأنجبت منه ورعت
الولد وحيدة في بلد هي فيه غريبة دون أن تسأل عن سبب
هجر زوجها لها وعودته إلى بلده لأن كل ما كان يهمها هو
أن تكون أما, وهذا ما لا يريد أن يفهمه بعض الرجال ولا
يتقبل به دعاة النسوية أن المرأة أم قبل أن تكون أي
شيء, والآن أقرأ عن إحدى الدراسات العلمية الحديثة في
الغرب أظهرت أن الرجل يحلم بالجنس وهو نائم بينما تحلم
المرأة بأفراد الأسرة, لذلك فهمّ المرأة يتركز في
نومها ويقظتها على أطفالها.
والآن أصبح لديك أولاد من هذا الرجل, فإما أن تتوصلي
معه إلى اتفاق كي تكملا مشوار حياتكما بأقل المشكلات
الممكنة وذلك بوضع حد لتدخلات أهله, وهو ما أخشى أنه
أمر شبه مستحيل, أو أن تتفاوضي معه لآخر لحظة وبكل
الأساليب من أجل أن لا يحرمك من أولادك, وأنا لا أرى
زوجك بهذا السوء رغم كل ما ذكرته عنه, فهو وأنت نتاج
ثقافة متردية تبحث عن الربح العاجل دون التفكير في
الخسارات الآجلة, وثقافة التدخل في حياة الآخرين:
لماذا لم تتزوجي إلى الآن؟ ولماذا طلقك زوجك؟ وكم هو
مرتّبك؟ وكم هو دخله؟ وهل.. ولمَ.. وكيف؟ ومنهم من
يتدخل لأنه يظن أن له الحق, ومنهم من يتدخل وهو يظن أن
دافعه الشفقة بينما الحقيقة وراء تدخله هو الفضول
المحض, ومنهم من يحشر أنفه في حياة ابنه أو ابنته بحجة
أن ابنه من كسب يمينه فهو عبد لأمه وأبيه إلى نهاية
حياته, ويجب أن تكون الزوجة عبدة لزوجها, وبعلاقة
متعدية- كما يقال في الرياضيات- فإن عبد العبد عبد أي
أن الزوجة عبدة لزوجها ولأهله, وهكذا..
أما الأسلوب الأنسب لإقناع زوجك بأن يترك لك حضانة
الأولاد ويتنازل لك عن الوصاية عليهم مستقبلا فأنت
أعلم به مني لأنه زوجك, وعشت معه تسع سنوات, لكن لا
تقولي أنك بعد تسع سنوات لم تعرفيه على حقيقته وأنه
رجل كأغلب رجال هذا الزمان الذين يحبون أن يكونوا
شرقيين متى رغبوا وغربيين متى شاؤوا, ثم على الزوجة أن
تتحرك بريموت كونترول يمسك به في يده ويوجهه حسب
إرادته.
الجئي إلى الله سبحانه ليكون عونك في هذه الأزمة وكما
نصحت غيرك أنصحك بأن تكون أهدأ لتفكري بشكل أفضل
لتتصرفي على نحو أنسب, وقد ينفعك استشارة حكيم من أهلك
أو توكيل محامي ذكي يمكنه مساعدتك في كسب حضانة
أولادك, لكن أرجو أن يوفقك الله لمن يخشى الله وقليل
ما هم.
أما خاتمة الرد فهي متعلقة بقولك في بداية رسالتك أنك
اتجهت لي بالسؤال لأنك لا تريدين فقط حلا من الجانب
الديني بل تريدين رأيا سديدا, وأنا أشكرك مرة أخرى
وأسمح لنفسي أن أختم ردي باقتباس جزء من تقديمي لكتاب
أحد الفقهاء بعنوان اختيار الزوج مع تغيير بسيط:
إن الدين هو طريقة الحياة التي يرتضيها المسلم لنفسه
لينال الحياة الطيبة في الدنيا والنعيم الخالد في
الآخرة؛ ولكن الإنسان مخلوق اجتماعي بحكم المواهب التي
ضخّتها القدرة الإلهية فيه لأداء مهمّته التي خُلق من
أجلها ألا وهي خلافة الله في الأرض وإقامة المجتمع
الصالح وبناء الحضارة البشرية, لذا كان لا بدّ له أن
يسعى لإقامة علاقات مع الأفراد الآخرين في المجتمع؛
وعلاقة الزواج هي أهم أشكال العلاقات الاجتماعية ليس
لأنها تجمع بين شخصين برباط مقدّس فحسب, بل لأنها تصهر
عائلتين متباعدتين في بوتقة القرابة والنسب - وربما من
هذا الانصهار أتى اسم الصهر وهو زوج البنت أو زوج
الأخت - كما أنها تعمّق الأواصر بين هاتين العائلتين
وتوثّق عراهما فيزداد عدد الأشخاص الذين ينتسب إليهم
الرجل والمرأة, وبذلك يتّسع الحِمى - وربما من هنا
اشتُّق اسم الحمو أو الحمأة – وتنشأ روابط بين أفراد
الأسرتين لم تكن ممكنةً إلا عبر هذه المؤسسة الفريدة
ألا وهي مؤسسة الزواج.
وبعد هذا الكلام النظري لا بد من سؤال أخير للثقافة
العربية المسلمة: إذا كان الدين هو طريقة الحياة فكم
من عائلاتنا تراعي مفاهيم الزواج المستمدة من الدين؟
وكم من أسرنا فعلا ينطبق عليها صفة "المتدينة"؟ وكم من
الرجال يعلم أن الزواج ليس رقا للزوجة ويعمل بأمر رسول
اللهe
(اتقوا الله في النساء فإنكم استحللتم فروجهن بكلمة
الله)؟
إسلام
أنلاين 15/9/2005 |