|
مع
أن أسلوبك يا أخي الكريم فيه بعض الهنات التي منعتني من فهم كل عباراتك, وسببها
ربما كتابتك بعض الكلمات بلهجتك المحلية رغم أنك لم تكتب من أي بلد أنت أو سببها
أخطاء إملائية غيرت معنى الكلمة, مع كل ذلك سأحاول أن أساعدك قدر استطاعتي, لكن
اسمح لي أولا أن أعبر عن تقديري لاهتمامك بعائلتك بعد وفاة والدك وتضحيتك بحبك
الأول في سبيل إسعادهم, ومع ذلك فتقديري هذا لا يمنعني أن أنكر على من هو في سنك أن
يكون ذا أخلاق ولكن لا يصلي, مع أن صلاة المرء هي صلته بربه وهي أول عمل يسأله الله
عنه فإن صلحت صلح سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله, فإذا كانت أخلاقك كاملة يا أخي
العزيز فما المانع أن يكون إسلامك كاملا؟ أكتب لك هذه الإجابة في بداية شهر رمضان
ولعلها تظهر قبل انتهائه, ولذلك أذكرك في شهر البر والإحسان أن تبر نفسك وتحسن
إليها قبل أن تحسن إلى أي أحد, والإحسان للنفس لا يكون إلا بقيادتها في طريق
الطاعة, وبالطبع ليست صفحتنا هذه صفحة استشارات دعوية ولا أنت تسأل عن هذا الأمر
وإنما جاء عرضا في كلامك, ولكنني لا أستطيع أن أمر عليه مرور الكرام مع أخ مسلم,
فالإسلام له أركانه الخمسة, وما يهمني هنا أن ينتقل أخي السائل من الإسلام بالهوية
إلى التحقق بالإسلام دينا وخلقا وسلوكا وفكرا ومعاملة, فمشاكلنا كلها ليست إلا
لأننا لم نفهم ديننا حق الفهم, ومن أساسيات ديننا الصلاة بأركانها الرائعة إذ تحقق
اقترابا للعبد من الله لا تحققه عبادة أخرى, فكيف يمكن لك أن تكون محروما من نعمة
السجود لله ولا أوجهك في البداية لهذا النقص الرهيب؟ وأي عظمة تحلم بها في حياتك
الشخصية أو العملية عملك كما ذكرت وأنت لا تستمد عزتك من الله جل من قائل:(من كان
يريد العزة فلله العزة جميعا)؟ أرجو أن تتذكر قوله تعالى:(من عمل صالحا من ذكر
وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون), وأن
تتذكر أن هذه الحياة الطيبة التي تحلم بها أنت وأنا وكل القراء لن تكون إلا بالعمل
الصالح وتقوى الله والإخلاص له وابتغاء مرضاته, وبذلك تكون كل أعمالنا حتى الدنيوي
منها في ميزان حسناتنا ما دمنا أخلصنا النية لله, وإلا فإن سعينا وبحثنا عن السعادة
لن يكون إلا( كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله
عنده فوفاه حسابه) وما أفهمه من هذه الآية الكريمة أن جزاء أعمالك الدنيوية ستناله
بشكل مادي دون أن تنال الراحة أو السعادة فاختر لنفسك: إما العبودية الخالصة لله
سبحانه وبالتالي راحة ضميرك في الدنيا وسعادتك في الآخرة, وإما الإعراض عن الطاعة
فتنال نتيجة أعمالك في الدنيا وهي التي قال الرسول عليه الصلاة والسلام:(لو كانت
الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافر شربة ماء) فانظر ما هو همك
الآن: إنه الدنيا من عمل أو امرأة ولكن أين الآخرة في اعتبارك؟
لن أطيل أكثر في هذه النقطة لكنها بالنسبة لي تشكل أهم
من كل ما سيأتي لاحقا في الإجابة وأنصح بالرجوع إلى
مقالة لي في صفحة الإسلام وقضايا العصر بعنوان:
الإيمان والصحة النفسية ففيها ما يفيدك.(المقالة
موجودة في مجموعتي: خارج السرب)
بالنسبة لمشكلتك التي تعرضها فمن الواضح أن اختيارك
لشريكة حياتك كان مبنيا على عدم محبة وعلى عدم اقتناع,
ولا بد أن أشير هنا إلى خطئها هي في عرضها نفسها عليك
بهذه الطريقة التي تحمل إهانة للمرأة وإحراجا للرجل,
ولا أدري كيف صلت استخارة وعلى أي أساس؟! ولا أدري إذا
كنت لم تقتنع بها كيف لم تبلغها رفضك بطريقة أكثر
تأكيدا؟ وهل سبب سكوتك حقا هو ما تذكره من خجلك الزائد
أم رغبتك في أن تحل مشكلتك حيث هي غنية وأنت لست
كذلك؟! طبعا أنا لا أؤنبك هنا, لكن أنبه الفتيات إلى
الخطأ الذي يقع من بعضهن حيث تعرض الفتاة أو المرأة
نفسها بهذه الطريقة الغبية, وأقول الغبية لأن المرأة
الذكية تضع في حسبانها أن من تعرض نفسها عليه قد لا
توافق آماله في المرأة التي سيتخذها زوجة له أو قد
يكون له ظروف معينة تمنعه من الزواج منها, فما هو
موقفها حال الرفض؟ ليس من المعيب على الفتاة أن تطلب
الرجل لكن المقصود هو أن تحسن الطريقة إلى قلب الرجل
أو عقله, بحيث ترسل له إشارات ذكية وفي نفس الوقت حيية
فالحياء هو أجمل ثوب سابغ للمرأة, وإن عدمت تلك
الإشارات فلن تعدم الصديقة أو القريبة أو حتى الأب أو
الأخ أو أي أحد تعتمد عليه أن يكون وسيطا حكيما بينها
وبين من أعجبها؛ وأنبه كذلك الشاب الذي يتعرض لموقف
لهذا أن يتخلص من الموقف بسهولة, فماذا إذا تم تجاهل
طلبها مثلا؟ هل ستلاحقك برغبتها في الزواج منك؟ أرجو
أن تعود أنت والقراء الكرام إلى مشكلة سابقة بعنوان:
سذاجة البنات أم
أما أنت أيها الأخ السائل فإن صدقك مع نفسك يحل ثلاثة
أرباع المشكلة, وربما تنازعتك نوازع الخجل منها
والرغبة بمالها, وعلى كل حال فقد استفدت من هذا الزواج
كما يبدو, فمعيشتك لم تكن في بيت ضيق بل في فيلا,
وأنجبت منها ثلاثة أطفال يعتبرون أيضا زينة الحياة
الدنيا, وأما ما تذكره عن صفاتها من أنها لا تفهمك ولا
تهمها طموحاتك وتهتم بالأولاد أكثر منك كما تعترض على
إنفاقك على أهلك إلى غير ذلك مما ذكرته من سلبياتها
فهذا ما لا أستطيع الحكم عليه, كما نقول دائما حين
نسمع بأذن واحدة, وحتى لو شجعتك على العمل في مدينة
بعيدة كي تحضر لها النقود على حد تعبيرك, فهل هي دفعتك
لهذا أم أنه كان بمحض إرادتك حيث تقول:
لأعمل بمؤسسة حكومية كمدير بوضع
أفضل
وراتب جدا
أفضل؟
هذه الأسئلة لأني أخشى أنك متحامل عليها نتيجة عدم
محبتك لها وعدم اقتناعك بها, فأين الصراحة بينكما وهي
قوام الحياة الزوجية؟ الآن وجدت أمامك من شعرت أنها
نصيبك, وتقول:
ولأول
مرة منذ أعوام اشعر بنفسي كرجل,
فهذا يؤكد كلامي السابق أن المرأة التي تطلب الرجل
بتلك الطريقة الفجة لا يمكن أن يشعر الرجل تجاهها
بالقوامة والمسؤولية. ومع ظهور هذه الفتاة نبض القلب
وسرى الحب ودُغدغت المشاعر, ولكن ظهر العقل متسائلا من
طرف الفتاة عن وضعها كزوجة ثانية ورفض أهلها, ولكن
ماذا عن عقلك أنت وتساؤلاته؟! ماذا عن زوجتك الحالية؟
لم تذكر أي شيء عن رأيها في زواجك الثاني, سوى أنك لا
تستطيع تركها إلا إذا رغبت هي في ذلك, فهل وضعت هذه
الرغبة في حسابك؟ ما هو مصير أطفالك الثلاثة في حال
الطلاق؟ هل سيكونون مع والدتهم أم معك؟ غالبا لن
تستطيع زوجتك أن تتخلى عن أطفالها فهي كما يبدو متعلقة
بهم لدرجة أنها تفضل نومها في غرفتهم على النوم معك,
فماذا لو منعتك من رؤيتهم بعد الطلاق؟ أو ماذا لو
تعرضوا لمن يذكر أباهم بسوء؟ وإلى أي حد من السوء
ستكون نفسياتهم إذا ما قارنوا أنفسهم بأصدقائهم الذين
يعيشون في حضن الوالدين؟ ماذا لو ظهر الاحتمال السلبي
الآخر أن أمهم كانت تنام معهم لتتخلص من المشكلة
الجنسية التي لديك, وفي حال طلاقها منك فإنها ستدع
أطفالها لك ولزوجتك الجديدة؟ وهل تستطيع هذه الجديدة
أن تتحمل أخطاء اختيارك السابق؟ لنفرض أن كل هذا لم
يحصل في البداية واتفقت أنت وزوجتك أن تبقيا صديقين
بعد الطلاق من أجل الأولاد, وهو أمر نادر في مجتمعاتنا
العربية إذ يعتبر الطلاق قاصمة لظهر العلاقة الزوجية
بما فيها الإنسانية وبالتالي يذهب الأولاد "بين
الرِجلين" كما يقال لأنهم أول ضحايا الطلاق, وبقي
الأولاد عند والدتهم فهل ستكون قادرا على زيارتهم بعد
أن تشغل بزوجتك الجديدة وأولادها لا سيما أنك في مدينة
وهم في مدينة؟ أو ماذا لو خطر لزوجتك الزواج بعد أن
تلتقي برجل مناسب أيضا, فيحلو لها الزواج منه, فأي
مصير ينتظر الأولاد بين الأب وزوجته أو الأم وزوجها؟!
كل هذا وغيره من اٍلأسئلة لم تثرها في عرضك للمشكلة
فكأن إدراكك للمشكلة اقتصر على الفتاة التي ظهرت في
حياتك, لكن ماذا عن مشاكلك التي ستظهر في حياتك أنت؟
صدقني أنا لا أعسِّر الأمر عليك, لكن أنصحك بأن تحاول
الإجابة على هذه الأسئلة كلها, وأن توازن بين خسائرك
وأرباحك, ولا أذكرك بشيء إلا بأنك راع ومسؤول عن رعيتك
أمام ضميرك في الدنيا وأمام الله في الآخرة, وأعلم أني
زدت من حيرتك لكن السبب أني ألقيت بالضوء على كثير من
خفايا طريقك, فابحث جيدا عن أفضل السبل, لكن لا تنس ما
ذكرته لك في البداية من أن لجوءك إلى الله عبر الصلاة
والطاعة هو نور لك, وما أحوجك إلى نور الإيمان والعقل
في هذه الحلكة التي أنت بها! |