الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (زوجية) اجتمع الأهل والفقر فهرب الحب

 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله لما تبذلونه من جهود، وكل عام وأنتم بخير بمناسبة هذا الشهر الفضيل.

أما بعد.. فأنا سيدة مضى على زواجي الآن تسعة أشهر تقريبا، ولكني أشعر بعدم الرضا على حياتي الزوجية. أحببت زوجي قبل الزواج، وكنا ليلة الزفاف سعيدين جدا جدا، ولكن ما إن خرجنا للعالم الخارجي بعد شهر العسل حتى تغيرنا كليا، لا أقول كرهنا بعضنا لا سمح الله، ولكن مشاعرنا جفت فجأة أو بردت إن صح التعبير بسبب صعوبة الحياة. ومع محاولاتي الدائمة الالتفاف على زوجي بالحب والحنان لا أجد نفس الرد منه، هو عطوف ومحب بطبعه ولكن أصبح يظهر لي بمظهر الأنانية أحيانا، والبرود أحيانا أخرى، خاصة وقد مررنا في الفترة الوسطى من الأشهر التسعة بمشاكل كثيرة تتعلق بعائلته وتدخلاتهم في حياتنا، والتي استمرت حتى اللحظة، ولكن يبدو أنني اعتدت عليها.

المشكلة التي أود استشارتكم بها هي:

 أنا الآن حامل في شهري السادس، وأنتظر مولودي الأول خلال الشهرين الأولين من السنة الجديدة إن شاء الله، زوجي راتبه ضعيف جدا لا يكاد يكفينا أسبوعين من الشهر، ونمضي بقية الشهر على المساعدات والمعونات القليلة جدا من عائلته، وقد يمر علينا اليوم والثاني دون أكل. والحمد لله أنا أعتبر هذه الحال مرحلة وستمر؛ حيث يمر أغلب المتزوجين حديثا بأعباء الزواج وردها من سلف وقروض وغيرها. ونحن في ليبيا نعمل حفلة كبيرة بمناسبة المولود تشبه العرس، ولا أقصد بها الأسبوع المعروف لدى الجميع، وهي تكلف مبالغ عالية إذا كانت ستقام على مستوى جيد، وخاصة إذا كان المولود الأول للأسرة. زوجي لا يشعر بأي مسئولية تجاه الطفل القادم، هو سعيد به، ولكنه لا يود تحمل أي تبعات لولادته، وحتى علاجي ومراجعتي أثناء الحمل لا يتحمل تكاليفها ولا يريد التفكير في الموضوع أصلا، كما أن عائلة زوجي ميسورة الحال، ومع فرحتهم بالمولود المنتظر حيث إنه أول حفيد لهم لا يبدون أي رغبة في مساعدة ابنهم الذي لا تسمح ظروفه بإقامة احتفال.

وقد عبرت لي أم زوجي صراحة بأنها لا تستطيع مساعدتي. والموضوع له خلفيات كثيرة لا أعرف كيف أوجزها؛ فهم لم يشتروا لنا البيت، بل اشتراه زوجي بقرض بنكي، ولم يقوموا بفرشه لنا بل فرشه زوجي بسلفة من العمل؛ أي أنهم لم يبذلوا أي جهد مالي لمساعدتنا بحيث نتحمل حاليا ضياع أكثر من نصف الراتب في رد السلفة والقرض، ولم يقوموا بفرش البيت كله بل حجرة النوم فقط وهي من أردأ وأرخص الأنواع، فيما أحضرت أنا صالونا فاخرا، وآخر عاديا لجلوسنا عليه أثناء النهار، كما قمت بفرش البيت بعد دخولنا بشهر واحد حيث كان مشردا جدا والفرش رديئا بشكل واضح.

ومع ذلك فهي تذكر دائما أنه لولاها ما استطاع زوجي عمل شيء! وبعد أن فرشتُ البيت طلبت حماتي منا أن نقيم حفل عيد ميلاد ابنهم الصغير لدينا، مع أن بيتهم كبير جدا وفخم وأثاثه من الخارج، ووافقنا طبعا، ولم تقم بإحضار عشاء أو مصاريف لعيد الميلاد فيما عدا "التورتة"؛ مما اضطرني لاستلاف مبلغ وإحضار عشاء جاهز لمعازيمها.

باختصار هي تحب أن تقيم ولائم وحفلات على حساب غيرها، وهذا ما تود فعله بعد ولادتي، فهي تلمح لي الآن بأنه يجب عمل حفل يشرفها أمام معارفها، وفي نفس الوقت لا تريد المساعدة، وأنا لا أستطيع دعوة معارفي وأقاربي دون أقارب زوجي لأنهم لا دخل لهم في مشاكلنا، وفي نفس الوقت لا أريد أن أكرر استفادتها مني بلا مساعدة واجبة عليها من منطلق عدم قدرة ابنها على دفع أي مصاريف بمناسبة المولود. لا أعرف ماذا أفعل؟ أمامي إكمال تأثيث البيت بما يناسب، ثم استقبال عدد لا بأس به من الناس، مع تجهيز المولود ومصاريف الولادة، وكل هذا وهم يتفرجون، ثم يأتون بعد ذلك ليضحكوا ويدردشوا مع المعازيم وكأن شيئا لم يكن منهم.

 دلوني ماذا أفعل؟! أنا الآن أنتظر مبلغا من جمعية أقيمها مع زميلاتي، كما قمت باستلاف مبلغ من العمل، وبمجرد أن شعروا أن لدي بعض المال بدأوا يقترحون على زوجي أن أعمل الحفل عندهم بدل أن أكمل تجهيز البيت حتى يرتاح هو من المصاريف التي تلزم استقبال الناس.. لا أحب تدخلهم في مالي، وبعد أن كان زوجي متحمساً لإكمال تأثيث البيت من مالي، بدأ يتهرب من مساعدتي على ذلك بسيارته، وذلك بتأثير كلامهم عليه.. صرت أكره عيشتي وزواجي، أرجو أن تتفهموا موقفي كما هي ظروفنا وعاداتنا..

أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 
 
 

 
 
 
   

أشكر لك ثقتك بنا يا أختي العزيزة، ولا شك أننا قادرون على تفهم مشكلتك وظروفك وعادات بلدك التي لا تختلف عن عادات أي بلد عربي آخر؛ حيث أصبح التفاخر بالمظاهر ديدن الكثيرين منا، فضلا عما توضحه رسالتك من تدخل الأهل في حياة الزوجين والأثرة والطمع وما إلى ذلك من صفات سيئة قد يعتبرها بعضنا من صغائر الحياة لكنها في الحقيقة -خاصة إذا استمرت- معول هدم للحياة الزوجية عاجلا أم آجلا؛ لذلك أحسنت إذ لجأت لنا من البداية، وأرجو أن تحسني أيضا وتستطيعي أن تفعلي ما ينقذ مركب الزواج الذي بات مهددا بالغرق رغم أن السفينة لم تكد تتجاوز الشاطئ بعد؛ أقصد أن مسئوليات الزواج قبل الإنجاب ليست كما هي بعده، وها هي الصعوبات قد بدأت بمجرد التفكير بحفلة المولود؛ فما بالك باحتياجات المولود الضرورية من لباس وطعام وحليب وحفائض ثم الألعاب ثم قسط الروضة ثم مصاريف المدرسة وهلم جرا. لذلك لم أعد أتعجب عندما أسمع مراهقا صغير السن أو شابا ناضجا يضع الزواج في آخر اهتماماته أو حتى يعتبره أمرا غير ضروري البتة، وذلك بعد أن أصبح الزواج عبئا لا طاقة به إلا للأقلية المتنعمة، والسبب ليس في الزواج الذي هو سنة الله ورسوله حيث فيه إرضاء الفطرة وإشباع الغريزة وإيجاد السكينة واستمرار النسل، وإنما فينا نحن عندما حولنا هذا الأمر المرضي لله ورسوله إلى عادات يكرهها الله ورسوله.

لذلك فمشكلتك موجودة في مجتمعاتنا بشكل كبير التواتر، ونحن إذ نلقي الضوء على تفاصيل المشكلة فليس ذاك حبا في التطويل أو رغبة في الإملال، وإنما لنعمل جميعا على تلافي أسباب وجودها؛ فمثلا في حالة زوجك وبما أنك تقولين إن أهله مقتدرون على مساعدته؛ فما المانع فعلا أن يساعد الأهل أبناءهم على شراء البيت كي لا يبدءوا حياتهم الزوجية وكواهلهم مرهقة بالديون؟ ولماذا لا يوجد في بلادنا العربية أهل يقدمون يد المعونة لابنهم أو لابنتهم - بشكل أقل، كما هي العادة حيث إن المال الممنوح للبنت يذهب إلى الصهر الذي يبقى غريبا برأي كثيرين- ثم لا يتدخلون في شئونه وشئون زوجته وبيته بعد ذلك؟

 في مشكلتك نرى الصورة المقلوبة؛ حيث إن الأهل لم يساعدوا ابنهم إلا بأقل القليل، ومع ذلك يتدخلون -كما تقولين- في كل صغيرة وكبيرة، وهذا التدخل يدق الأسافين في خشبات الحياة الزوجية. لذلك فإن أول نصيحة لك أن تتفاهمي مع زوجك على أن تدخّل أهلك أو أهله غير مقبول إذا كنتما حريصين على استمرار حياتكما من غير نكد؛ فزوجك هو حصنك الأول من هذا التدخل، وإذا لم يتوحد الزوجان في نفس واحدة كما هو التعبير القرآني "هن لباس لكم وأنت لباس لهن"؛ فلن يحرص الكثير من الأهل على هذا التوحد. هذا إذا لم يساهم كل طرف في جذب ابنه أو ابنته إليه ليضمن هو استمراءه واستمراره في استغلال أحدهما أو أي نقطة ضعف في علاقتهما. وأنا هنا أجتنب التعميم، لكني أرى مشاكل الزوجية في ازدياد، ونسب الطلاق في ارتفاع؛ فقد بلغت في كثير من بلادنا العربية إلى طلاق مقابل زواجين، أي نسبة 50% من الزواجات تنتهي بالطلاق، لذلك أنبهك مرة أخرى إلى ضرورة تحذير زوجك من تصرفات والدته؛ فلست بالطبع مسئولة عن إقامة الحفلات لأولادها كما في المثال الذي ضربته، هذا إذا كنت غنية، فكيف والحال على ما تخبريننا به من انعدام الطعام في بيتك ليوم أو يومين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

يا أختي الكريمة:

لا يرضى الله سبحانه أن تضري نفسك كي تنفعي غيرك، فالقاعدة الفقهية تقول: "لا ضرر ولا ضرار"، والغني هو الأولى بالإنفاق على الفقير وليس العكس، وبما أن اليد العليا خير من اليد السفلى كما قال خير البشر صلى الله عليه وسلم؛ فيجب أن تحاولي تنظيم أمور حياتك بحيث تكتفين براتبك، ويكتفي زوجك بما يتبقى من راتبه، وتضعان معا ميزانية كي يكفيكما موردكما لآخر الشهر، كما يجب أن تنصحي زوجك بالبحث عن عمل إضافي كي تستغنيا بالرزق الحلال عن التفكير بما لدى الغير، سواء كانوا الأهل أو غيرهم، وعليك بالقناعة وتطبيق المثل الجميل "على قد بساطك مد رجليك"، فهذا المولود الذي سيأتي من حقه أن تذبحا له العقيقة التي هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي خروفا أو خروفين، وما عدا ذلك فهو مبالغة وغلو في الدين لا يحبها الله سبحانه.

ومع ذلك فإذا كان عليك دين أو ما هو أهم منه فلا عليك إن أخرت ذبحها حتى يفرج الله أموركما وتوفيا دينكما. وقد فهمت من عبارتك الأخيرة أن أهل زوجك يدعونه كي يقيم الحفلة في بيتهم، وكأنهم يريدون أن يتصرفوا في الحفل بمالك أنت، فهذا لا يجوز، ولا يحق لزوجك أن يكرهك على الإنفاق ما لم تكونا قد اتفقتما على ذلك، وما تنفقينه في البيت يعتبر صدقة لك أجرها وثوابها، لكن دون إكراه أو إجبار.

يجب أن تضعي أنت وزوجك قواعد تسيران وفقها إذا أردتما أن تستمر حياتكما بهوادة وهناءة، أولها عدم السماح لأحد أن يتدخل في حياتكما، وثانيها أن تعملا على إيفاء ديونكما، ولا يكون ذلك إلا برفض الخضوع للمظاهر، وثالثها أن تضعا أولوياتكما في حياتكما المستقبلية، فهل إكمال فرش البيت مهم مثلا أم توفية الأقساط المتبقية أم شراء سيارة؟ هذا يعود إليكما معا، ولم نعد في عصر "سي السيد" ليتفرد الرجل بقراره وحده، فما دامت المرأة تنفق مثلها مثل الرجل فمن حقها أن تكون صاحبة رأي في تكوين قرار مشترك فيما يناسبها وزوجها، بعيدا عن تدخل المتدخلين وتطفل المتطفلين.

لا تنسي أن تكوني رفيقة بزوجك ورفيقة بأهله، لكن مع الموازنة بأن ترفقي بنفسك فلا تحمليها فوق طاقتها، ولعلك تطلعين على حوار حي سبق أن أجري في صفحة الحوارات بعنوان: مشاكل الأزواج والأهل ودبلوماسية العائلة وهو موجود في كتاب لي بعنوان (خارج السرب - حوارات حية).

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |