|
أعتذر منك لأني أظهر رسالتك بعد أن غيرت في بعض تفاصيلها, وذلك لأنك تظنينها مشكلة
تخصك, ولكني أستطيع أن أجزم أنها متكررة لدى الفتيات بنسبة لا بأس بها سواء من
ناحية المشاكل العائلية أو ممارسة العادة السرية أو الشعور بالذنب أو عدم وجود
التوافق الزوجي أو... أو... أو
لقد استطعت أن تسردي مشكلتك بأسلوب جيد وأفكار مرتبة
مما يدل على قدرتك الكتابية, وكذلك بعاطفة صادقة مما
يشير إلى مدى تأثرك وحساسيتك, ولكن لطولها ولما فيها
من تفاصيل هامة سأضطر إلى تقسيم إجابتي بتحليل أحداث
القصة لنصل معا إلى حل أكثر نفعا وفائدة :
أولا:
تبدأ
مشكلتك من العائلة غير المترابطة, فوالدك مشغول طوال
اليوم في عمله ومع الناس, ووالدتك تثير المشاكل أمامكم
بدل أن تبعدكم عن الجو المشحون بالقلاقل الزوجية,
والتي لا بد أنها تنعكس على نفسية الأطفال فيشعر بعضهم
إن لم يكن أغلبهم بالقلق وقد تظهر على الطفل أعراض
العصاب السلوكي مثل قضم الأظافر ومص الأصابع والهزال
والشرود وحتى الاستمناء, وهذا قد يفسر لك البدء المبكر
بممارسة العادة السرية كوسيلة ممتعة للهرب من جو القلق
العائلي الذي يحيط بك, فهي نوع من الارتداد على الذات
للشعور بالأمان المفقود. وهنا أعيد عبارتك (عدم
وجود تلك العلاقة المميزة فيما يخص التربية الجنسية أو
المصارحة من قبل الأم أو الأبناء بهذه الأمور.إلاّ في
نطاق ضيق جداً وعام... هذا جانب من جوانب الجو الأسري
الذي كنت أعيش فيه)
فأخبرك أنك لست وحدك من يعيش في هذا الجو الأسري, بل
هو ما دفعني إلى وضع كتابي (ألف باء الحب والجنس) ضمن
سلسلة ما لا نعلمه لأولادنا وأشير إليه هنا لأنه كتاب
تربوي يساعدك على تجاوز ما تعرضت له كي لا يؤثر على
أطفالك.
ثانيا: نأتي إلى المرحلة الإعدادية وبدء دخولك مرحلة
الالتزام التي تقولين أنك أردت أن تكوني متفوقة فيه
كما كنت في دراستك, فهذا مفهوم ومقبول من إنسانة طموحة
مثلك, ويمكن أن نعمم حالتك ليس على المتفوقين بل على
غالبية من يبدؤون بالالتزام في سن مبكرة, وأحيانا في
سن متأخرة, فهم يظنون أنهم انتقلوا من مرحلة الظلام
إلى مرحلة النور –كما هي بعض عباراتك- وبالتالي يجب أن
يجذبوا الآخرين بأي وسيلة إلى هذا النور كي لا يبقوا
في الظلام, ومن هنا يبدأ الشد مع الأهل, والفعل الخاطئ
يؤدي إلى رد فعل خاطئ وتزداد المشاكل مع الأهل حيث يرى
الملتزم المتحمس أن أهله في ظلمة الكفر وهو قد أصبح في
نور الإسلام, وهذه الرؤيا الفوقية البيوريتانية
(التطهرية) للنفس لا بد أن تترافق مع نظرة استعلاء على
الأهل ولو لم يكن ذلك واضحا للملتزم, حيث أن الحماس
يلغي الرؤيا الحكيمة للأمور, ومن هنا يمكن للمرء أن
يدرك مدى حجم الصدمة التي تعود قوية على الملتزم حيث
يرى نفسه قابضا على الجمر في بيئة لا تفهمه ولا تتعهد
نفسها بما ألزم نفسه به, فهو لا يسمع أغاني إلا شرائط
إسلامية فيجب على العائلة كلها أن لا تسمع الأغاني,
وهي أي الملتزمة تلبس جلبابا طويلا فتحاول مع أخواتها
أن يلبسن مثلها, ورغم أنك تقولين: لا أريد إلا أن
يتركوني على راحتي, فكيف يتركونك وأنت لا تتركيهم؟
طبعا أنا لا أقصد أن لا تحرصي على هداهم, إنما ينبغي
البدء بالأهم أي بتحبيب الله سبحانه لعباده وهو ما
نقول عنه أسلوب الترغيب لا الترهيب, وقد تظنين أن
أسلوب الاستجداء الذي تخبرين عنه يدخل تحت هذا الأمر,
وبرأيي أنه ليس كذلك, لأن الله لم يأمرنا أن نستجدي
غيرنا ليتبعوا ما نراه الأفضل, وعلينا النصح بالحكمة
والموعظة الحسنة, والإشفاق والمعاملة الجيدة, ثم بعد
ذلك نتذكر قوله تعالى:(إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله
يهدي من يشاء).
ثالثا: بدء الوساوس معك في الصلاة والكلام غير المقبول
عن الله سبحانه, سببه برأيي وقوعك بين فكي كماشة أي
الالتزام العلني من جهة والمعصية السرية من جهة أخرى,
فمن ناحية تجدين نفسك طاهرة مطهرة في العلن سواء أمام
نفسك أو أمام أهلك الذين تحثينهم أن يصبحوا مثلك, ومن
ناحية أخرى ترين أنك حقيرة سافلة تمارسين العادة
السرية في السر, فهذه الازدواجية بين السر والعلن
قاتلة للنفس البشرية خاصة إذا كان صاحبها حساسا كما هو
حالك أنت, إذ يوجد من يعيش هذا النفاق وأكبر منه دون
أن يؤثر على نفسيته, ولكنك أنت بحكم الوعي الذي منحك
الله إياه والحساسية التي ميزك بها كنت تعيشين صراعا
نفسيا رهيبا بين ظاهرك وباطنك, ومن هنا أستطيع أن أفهم
سبب هذه الوساوس التي بدأت تأتيك في الصلاة, فكأن سلاح
المقاومة انهار فجأة لأن دفاعاتك لم تكن قوية بالدرجة
الكافية, فالإيمان يا صديقتي العزيزة إن لم يبدأ من
الداخل وينسكب على الخارج لن يؤتي أكله المنتظر, وهذا
ما حصل معك لأن التقوى بتعريفها البسيط هي أن يراك
الله حيث أمرك ويفتقدك حيث نهاك, فأنت لم تكوني تقية
سرا وعلانية, وأنا هنا لا أؤنبك إنما أشرح لك ما خفي
عنك, كي أسهل عليك الخروج من أزمتك الروحية والنفسية
التي يعز علي أن تعاني منها امرأة حساسة متفوقة مثلك.
رابعا: بعد أن حللتُ أسباب هذه الوساوس التي تأتيك في
صلاتك يجب أن أخبرك أنها ما دامت في إطار الحديث
النفسي أي لم ينطق بها لسانك فلست محاسبة بها لقوله
عليه الصلاة والسلام( إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت
به نفسها ما لم تقل أو تفعل) رواه الحاكم. وكذلك ليس
الرأي بإباحة العادة السرية رأيا فقهيا ضعيفا كما
تقولين, بل هي ليست حراما كالزنا, وقد سمعت الدكتور
علي الطنطاوي رحمه الله كيف يعيب على من يساوون بينها
وبين الزنا, ولم يذكر سوى أنها مكروهة وأنه لا
يستسيغها لكنه لا يحرمها, وطبعا رأيه هذا بالنسبة
للعازب وليس للمتزوج الذي يمكنه أن يأتي شهوته
بالحلال. هذه الوساوس تأثيرها على عدم الخشوع في
الصلاة كبير جدا, وهنا علي أن أشد من أزرك وأبين لك كم
كنت قوية بإتمام حفظك للقرآن رغم كل ما تعانيه. فهذه
الصفة الإيجابية والقدرة الواضحة يجب أن تستخدميها
جيدا لمساعدة نفسك على حل مشكلتك التي لن يحلها غيرك,
ومهمتي أنا أن أبرز لك بعض النقاط الكاشفة أو بقعات
الضوء المساعدة لتلمس بداية الطريق الصحيح, ومنها نقطة
إيجابية أخرى وهي موافقتك على الذهاب إلى الطبيب
النفسي لكن الأهم منها إيمانك بأن الله سبحانه هو
القادر على شفائك, فليس لك دواء في أزمتك الآن إلا
الإيمان, لكنه الإيمان المترافق بالقوة العقلية
والإرادة والتصميم, فقد قال سبحانه:(فإذا عزمت فتوكل
على الله) ومن هنا نأتي إلى الإضاءة التالية.
خامسا: وهي المتمثلة بنقطة الضعف في شخصيتك ألا وهي
التردد, فصحيح أنك أرجعتها إلى الوراثة أو التأثر
بمواقف أبيك الذي يستحسن كل موقف ويجوز عنده كل تصرف,
لكن أنت الآن لست أبيك, بل أنت إنسانة عاقلة راشدة
مسؤولة عن أطفال وأسرة, فيجب أن تحاولي التخلص منها
بقراءة كتب التطوير الذاتي وحضور المحاضرات بهذا
الخصوص, وتذكري قول الشاعر:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة فإن فساد الرأي
أن تترددا
وتذكري كذلك موقف الرسول عليه الصلاة والسلام عندما
تهيأ لمعركة أحد وكان يريد أن يحارب المشركين على
أسوار المدينة بينما رأى الصحابة أن من الأفضل خروجهم
لمناوئة قريش خارجها, فأخذ الرسول عليه الصلاة والسلام
برأي الأكثرية, ولما رأى الصحابة أنه قد أغفل رأيه
مقابل آرائهم تراجعوا وطلبوا منه النزول عند رأيه,
فقال عليه الصلاة والسلام:(ما كان لنبي إذا لبس لأمته
أن ينزعها) أو كما قال عليه الصلاة والسلام, أي أنه
استعد للحرب ولبس لباس القتال فلن ينزعه, وهذا دليل
عزمه صلى الله عليه وسلم, فاقتدي بالحبيب محمد صلى
الله عليه وسلم, ولا تتردي في أمر حالما يبدو لك وجهه
الصحيح, فأنت قوية في تفكيرك, لكنك ضعيفة في عزمك
أحيانا فاعملي جهدك كي تتجاوزي هذه النقطة, ولا تخافي
من الفشل, ففي معركة أحد أيضا خسر المسلمون, ونزلت
آيات ما زلنا نقرأها إلى الآن في العتاب الموجه
للصحابة, وهناك آيات موجهة للرسول عليه الصلاة والسلام
يعاتبه فيها ربه على بعض أخطاء صدرت منه وما ذاك إلا
لنتعلم أنه بشر, ولنرد على هؤلاء الذين يقولون أن
القرآن من وضع محمد, فكيف يعاتب محمد نفسه ويظهر
أخطاءه أمام أمته على مدى التاريخ؟ هذا من جهة, ومن
جهة أخرى فكي نعلم أن تجاربنا الخاطئة ما هي إلا
لزيادة خبراتنا وصقل أرواحنا, فاسعي إلى تقبل ثقافة
الخطأ ولا تتوقعي من نفسك أو غيرك أن تكوني ملائكة لا
تخطئ أو بشرا لا تفشل.
سادسا: فكرة تقبل الخطأ هذه تساعدك على تقبل زوجك,
فلماذا تنظرين إلى سلبياته دون البحث في إيجابياته؟
أليس ظلما أن تنظري لشريك حياتك ووالد أطفالك بعين
واحدة؟ لا شك أنه مخطئ في فعله أيام الخطوبة المترافقة
مع عقد القران بأن يثيرك ويتركك, لكن بما أن الأمر مضى
وأصبحت زوجته وتحمل معك آلامك فلم يحاول أن يصل لمرحلة
الإيلاج التام كي لا يزيد في أوجاعك, أفلا يدل هذا على
نفسية إنسان متفهم متقبل لما يحدث معك؟ وهل تظنينه
أمرا سهلا أن يكتفي الرجل بالمداعبات السطحية مع زوجته
ويصل لمتعته ويوصلها أيضا وهو يتحمل ما تظهر له من
آلام وبكاء وهما في قمة المتعة ؟ أليس من رحمة الله بك
أن أرسل لك رجلا تقولين عنه أنه يتصف بالبرود
واللامبالاة؟ فلو كان مثلك شديدا على نفسه وعلى غيره
فهل تظنين أنه سيتحمل منك هذا؟ هذه نعمة كبيرة يجب أن
تحمدي الله عليها, ولا تظني أني أجاملك هنا لأخفف عنك,
لكنها فعلا نظرتي للأمور الزوجية فلدي صديقة تريد كل
شيء كاملا وفي موعده وفي مكانه, وهي شديدة مع أولادها
بينما زوجها ذو طباع مختلفة فهو حنون على أولاده ويخفف
وقع أي خطأ منهم كي لا تغضب منهم, ومع أني شخصيا أراه
بأنه اقل منها ذكاء وحرصا, لكن أدرك تماما أن الله
جمعهما ليوفق بينهما رغم هذا الاختلاف الكبير في
شخصيتهما, وليس كما تندبين أنت حظك وتظنين أنه عقاب
الله ينزل بك الآن, فما هذه الأفكار الخاطئة يا
صديقتي؟ ومن قال أن الله سبحانه بالمرصاد لنا, وأنه
يحاسبنا بما قدمت أيدينا رغم إظهارنا الندم وحرصنا على
التوبة والإنابة؟ ليس الأمر كذلك أيتها العزيزة, فالله
سبحانه أرحم بنا من أنفسنا ومن أمهاتنا اللائي ولدننا,
ولم يخلقنا في هذه الحياة لنعاني بهذا الشكل الذي
تتخيلينه أو تصفينه, صحيح أن حياة المؤمن فيها كثير من
الابتلاءات وأن الأمر كما قال سبحانه:(ولقد خلقنا
الإنسان في كبد) لكن هذا ليعرف كيف يلتجأ إلى الله
بعبوديته ويستشعر ضعفه فكما في الأثر:(لولا ثلاث لما
طأطأ ابن آدم رأسا: الخوف والمرض والجوع, وإنه مع ذلك
لوثاب) فهذه طبيعة ابن آدم لا يلجأ إلى الله إلا في
الأزمات, قال تعالى: (إن الإنسان خلق هلوعا. إذا مسه
الشر جزوعا. وإذا مسه الخير منوعا. إلا المصلين),
ولذلك كثيرا ما تكون هذه الأزمات سببا لنضجنا الروحي
إذا كنت ما زلت تبحثين عنه, وليس سببا للنكد والآلام
في حياتنا, فإن الحياة لجميلة بمعانيها السامية
وقدرتنا على التفاعل مع الآخرين ومشاركتهم أفراحهم
وأتراحهم فأين أنت من كل هذا وقد قضيت شطرا من عمرك في
معارك مع الآخرين سواء أهلك أو صديقاتك – هناك بعض
العبارات التي حذفتها بهذا الخصوص كي لا تشير إلى
شخصيتك- وأنت تريدين استمرار معاركك الحياتية باستثارة
المصاعب في وجه حياتك الزوجية؟ يا عزيزتي أنا أدرك
صعوبة الأمر عليك كأن يترك زوجك ذات مرة صلاة جماعة أو
صيام يوم, لكن لعلي أذكرك بقول ابن سيرين رحمه
الله:(إني أرى أثر معصيتي في دابتي وأهل بيتي), لكن لا
أريدك أن تزيدي في لوم نفسك, فما هكذا تكون النفس
اللوامة, لأن قلب المؤمن معلق بين الرجاء والخوف,
وكذلك فإن المؤمن لن يكون روحا بدون مطالب جسدية ما
دام يعيش في هذه الدنيا, فأراك قد حدت عن الصواب في
موضوع أشواقك الروحية وبالغت بها, وهنا أنصح بمراجعة
مشكلتين:
كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون
نفوس معذبة وضلالات أدعياء التصوف
طبعا لا أستطيع أن أعلم إذا كان السبب في مبالغتك في
أمورك الروحية هنا نتيجة معاناتك مع زوجك حقيقة, أم أن
هذه المعاناة لا أصل لها وإنما هي نتيجة حساسيتك
وتعظيمك لكل فعل يأتيه والنظر إليه على أنه خاطئ,
فيقوم هو بالتالي برد التهم عن نفسه بأي وسيلة من مبدأ
دفاعه عن الذات, وهو ما يفعله كل منا تجاه شريك حياته
إذ يتوقع منه معاضدة ومساندة لا حروبا ولا معارك, فكيف
لي أن أدرك صحة شكواك هنا وأنا لا أسمع الطرف الآخر؟
لا أقصد أنك غير صادقة, لكن لو سمعت من زوجك ربما
اتهمك بأكثر مما تتهمينه, وهذا لا يعني أن كلاكما سيء
بل لكل منكما وجهة نظر مختلفة, فأنت تنظرين للأمور من
زاوية غير التي ينظر بها, فلماذا لا تحاولين توسيع
منظورك بحيث يشمل منظوره لتفهميه أكثر وتخرجي من
محنتك, وكذلك أن تشركيه في نظرتك بأسلوب أكثر رفقا؟
وإن كنت لا أوافقك على نظرتك عن التفوق والإبداع.. ولا
أدري ماذا.. فمن قال أن التفوق فقط هو بالحصول على
العلامات العالية والدرجات المثالية؟ هذا تفوق نظري قد
لا يسمن ولا يغني من جوع, والتفوق العملي هو التفوق
الحقيقي حين يكون المرء متساميا في تعامله مع الناس
رحيما بهم متخذا لهم الأعذار مشغولا بعيوب نفسه عن
عيوبهم.
سابعا: لاحظي كيف تظلمين زوجك إذ تعترفين بكذبك في
موضوع الدم فإذا به يصدقك ولا يسألك, وهذا إن دل على
شيء فإنه يدل على طيبته وقد لا يكون للأمر أهمية عنده
ولم يخطر له أن يظن بك الظنون بسبب التزامك, فهل يعقل
أن يكون هو حسن الظن بك وتسيئين أنت الظن به؟ وهنا يحق
لي أن أسأل: أليس ثمة تغير طرأ على شخصيته؟ أفلا يمكن
أن تكوني أنت السبب في ذلك؟ أنا لا أريدك أن تدافعي عن
نفسك, لكن لماذا لا تبحثين في عيوب نفسك بطريقة منطقية
وبدون تهويل فما أحد منا بلا عيوب؟ ولاحظي هذا العيب
فيك رغم كل ذكائك أنك ما زلت تفكرين لماذا لم ينزل
الدم! وتسمينه ابتلاء في العِرض! وأنا لا أملك نفسي
إلا بأن أكتب لا حول ولا قوة إلا بالله فأين قراءتك
لردودنا ومتابعتك صفحتنا؟ يا صديقتي غشاء البكارة
وسلامته ليس له علاقة بالدم وسيولته, ولا بالعَرض ولا
بالطول, فأرجوك اهدئي وكفي عن الندب, فهناك نسبة لا
تقل عن 25% من الفتيات لا ينزفن عند الجماع الأول,
ويؤسفني أن العالَم المتقدم غزا الفضاء ووصل أعلى
الأجواء ونحن ما زلنا نندب الغشاء! وهنا يصدر الندب
عن متفوقة! فهل ينطبق عليك القول أن الأخطاء القاتلة
لا تأتي إلا من الشخصيات العاقلة؟! أرجوك انسي موضوع
غشاء البكارة تماما فلم تنزفي لأن نوع الغشاء عندك قد
يكون واسع الفتحة مطاطيا لا يتمزق إلا مع الولادة
الأولى, وقد يكون هشا فتم فضه بسهولة, وقد تكوني مزقته
أثناء ممارسة العادة السرية, وقد يكون غير موجود منذ
ولادتك خاصة مع مشكلة صعوبة الجماع التي تتحدثين عنها
والتي بدا أن الطبيبة لم تخبرك بسببها الحقيقي فربما
كان لديك حجاب مهبلي معترض أو طولاني أو غيره, المهم..
لا أريدك أن تدخلي في حالة وسواسية أكثر, لذا كفي عن
هواجس الغشاء لأن أمره لا يستحق كل هذا العناء! الشرف
يا عزيزتي شرف النفس وطهارة المظهر ومطابقته للجوهر,
وهذا ما كنت تفتقدينه, والآن تحاولين أن تمتلكيه, لكن
الهوينى الهوينى, فما هكذا تورد الإبل ونفسك مطيتك
فارفقي بها فقد أنهكتها وأنهكت غيرك معك!
ليس أهلك فقط ولا زوجك فحسب بل أنهكتني شفقة عليك, رغم
أني أظهرت لك القسوة لتكفّي عن زجر النفس وتأنيبها
ولوم الآخرين وتقريعهم, فما هكذا يعيش المؤمن حياته,
وليس بهذه الطريقة يصل إلى الطهارة الروحية, فالروح
يجب أن تستشعر الجمال كي تكون جميلة, وعندما سئلت الأم
تيريزا عن سبب شبابها الدائم ونضارتها قالت:(قد يكون
للارتياح الداخلي أثر أكثر من التجميل المادي),
وحياتنا من صنع أيدينا, ومن صنع أفكارنا, والأمر كله
يحتاج بعض إرادة منك وبعض تصميم, يقول د. علي حرب:(لا
يتعلق الأمر باستبدال الواقع بواقع آخر, بل بخلق حقائق
جديدة نتحول بها عن عقولنا, بقدر ما نسهم في تحويل
الواقع) وأنت فعلا لن تستطيعي تحويل الواقع أو تغييره
إلا إذا خلقت في نفسك حقائق جديدة تنطلقين فيها بعيدا
عن الماضي وتشغلين نفسك بأفكار إيجابية وهذا يحتاج
جهدا ودعما نفسيين, وقد تكونين كإنسانة متفوقة قادرة
على دعم نفسك إيجابيا بأن الماضي أخذ معه معاناته
وآلامه وخلف عليك الحاضر الجميل حيث أنت زوجة لرجل إذا
لم يعطيك أكثر مما تعطينه فلا أظنه ذلك الرجل الناكر
للجميل لكن بقدر ما تكون أفكارك إيجابية عنه, وبقدر ما
تصبح توقعاتك عن إمكانياته ممتازة بقدر ما تشجعينه
وبالتالي سيكون قادرا على تحقيقها, وكذلك حيث أنت أم
لطفلين جميلين ينعمان بالصحة, فاذكري نعم الله عليك,
واجلسي كل يوم وسجلي هذه النعم, وإن أحصيتها فأخبريني,
وإن لم تحصيها - وهذا هو المتوقع - فستجدين كيف امتلأت
نفسك بالرضا, والآن وأنا أكتب لك هذا الرد اتصل بي
ناشر شاب يطلب مني عبارة تختصر مفهومي عن السعادة
ليدونها في غلاف كتاب عن السعادة فإليك ما كتبت:
(لجمال حياتنا سببان: جمال العلاقة مع الذات, وجمال
العلاقة مع الغير, فإذا كانت السعادة في الرضا الذي
ينبع من الذات, فإن كلمة "سعادة" مؤلفة من خمسة حروف
وحروفها موجودة في كلمة من ستة حروف ألا وهي كلمة
"مساعدة" فبقدر ما نساعد الآخرين بقدر ما يكون نصيبنا
من السعادة).
هذه العبارة برأيي تلخص كل ردي الطويل السابق, لأنك
تفتقدين الشعور بالسعادة في حياتك, وتذكري قوله
تعالى:(من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه
حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون),
فأنت بحاجة إلى أن تعمقي مفهومك عن العمل الصالح وأنه
ليس فقط بالصلاة والصيام والأعمال الظاهرة بل هي أعمال
القلب بما فيها الشكر والتفكر والصبر والرضا, وكذلك
فإن الأعمال التي نؤديها للآخرين هي ما يعمق شعورنا
بالسعادة حين نشعر بمدى سعادتهم لمساعدتنا لهم.
ربما كان السبب الأساسي في مشكلتك هو فقدك للمحبة في
طفولتك بسبب جوك العائلي المشحون, فآن لك الآن أن
تخرجي نفسك من تلك الذكريات, وتبدئي بحب نفسك وتقبلها
لتحبي الآخرين وتقبلينهم, ولذلك أدعوك لقراءة المشكلة
التالية:
للهروب من ركود الحياة.. وصفات للسعادة
ولاحظي أنك لم تذكري أي شيء عن عملك خارج المنزل, فهل
أنت تعانين من فراغ كصاحبة المشكلة السابقة؟ ولم تذكري
أي شيء عن علاقاتك وصداقاتك خارجه أيضا, فهل أنت بدون
صديقات؟ حاولي أن تشغلي نفسك فأنت كمتفوقة تستطيعين
فعل الكثير, أي يمكنك الجمع بين العمل خارج المنزل
وداخله, وحتى إذا لم تكوني بحاجة إلى المال, لكنه
إثبات لذاتك وتطوير لشخصيتك, كما أن تكوين الصداقات
وقوة العلاقات يمنحك ثقة بالنفس أيضا ومعرفة بعض الناس
كنز, حيث أن الصداقات - كما أخبرني للتو شاب صغير
السن- هي الأوطان الصغيرة التي بدونها لا معنى للأوطان
الكبيرة, فتأملي قوة حكمته وكيف استفدت منها رغم أن
عمري ضعف عمره, فكتبتها لك, فكوني كالنحلة التي لا
ترشف إلا الرحيق ولا تمنح إلا العسل, والنحلة العاملة
لا تجد وقتا تقضيه بالأحزان كما يقول بيكون.
وبالنسبة لمشكلتك مع زوجك أرى أن ردودي قد تناسبك في
المشاكل التالية:
رجل واحد مع الرضا أفضل من ستة
جبل من صخر أم تل من تراب؟
جبل من صخر أم تل من تراب... متابعة
وإذا كان لديك أي اعتراض على ما ورد في الرد أو أي
تساؤل أو متابعة فلا تترددي في الكتابة, وآمل أن أسمع
منك أنك أصبحت أفضل فأنت تستحقين الأفضل. |