|
أشكرك يا أختي الكريمة على ثقتك، خاصة أنه يبدو من رسالتك أنك ناضجة ولست بحاجة إلى
النصح بقدر ما أنت بحاجة إلى المناقشة والحوار؛ إذ إن مشكلتيك التي طرحتهما
مترابطتان بشكل كبير كما أعتقد؛ فوجودك في الغربة بعيدًا عن أهلك مع هذه المسؤولية
الضخمة يحتم عليك التفكير بوجود من يساندك، بينما يختلف الحال إذا قررت الرجوع إلى
بلادك؛ لأنك غالبا ستكونين بجانب أهلك؛ وهو ما يجعل مشكلتك الأخرى ملغاة على الأقل
مع نفس الشخص الذي تتكلمين عنه هنا.
إذن لا يمكن فصل المشكلتين عن بعضهما تماما، وما
سأفعله هو محاولة التفكير المشترك معك بما هو أنسب
لوضعك؛ فلأبدأ من فكرة رجوعك إلى بلدك لأنها تطرح
سؤالا مهما: لماذا فكرت بهذا الأمر الآن؟ لا بد أن
هناك عدة أسباب وليس سببا واحدا؛ فمنها كبر سن الأولاد
ودخول فتاتك سن المراهقة؛ وهو ما يجعل إمكانية ضبطك
لهم أضعف من قبل، وكذلك كون الثلاثة الأصغر منها
صبيانا، وما أدراك ما الصبيان في هذا الزمان؟! هذه
الجملة الأخيرة لأخفف عنك يا أختي الكريمة؛ فالتربية
أضحت من الصعوبة بمكان في العائلات التي يوجد فيها
الوالدان معا، فكيف في حالتك التي تقومين بها بدور
الأب والأم معا منذ 7 سنوات؟!
كذلك فمن الأسباب التي تجعلك تفكرين بالعودة الآن هي
أنك أقمت مشروعا صغيرا في بلدك، وأنك مستقرة ماديا
فهذه نعمة من الله؛ لكن السؤال الذي يجب فعلا أن
تبحثيه بواقعية تامة: أليس من الأفضل تأخير القرار سنة
واحدة حتى تنهي ابنتك الثانوية العامة؟ فأنت تعلمين
-ولا شك- أن المناهج تختلف بين بلد عربي وآخر، وتعلمين
مدى ترابط المنهج الواحد في المراحل المختلفة وخاصة
المرحلة الثانوية، فمثلا منهج الثالث الثانوي -خاصة في
المواد العلمية- في بلدك الأصلي يستند إلى منهج الثاني
الثانوي لدرجة يظهران أنهما منهج لسنة واحدة؛ فهذا من
الضروري أخذه بعين الاعتبار كي لا تقع ابنتك فيما يقع
به كثيرون من الطلبة الذين يدرسون في بلد آخر،
فيحتاجون كثيرا من الدورات التعليمية والدروس الخصوصية
مما يرهق كاهل الأهل.
ومع اعتقادي أن المنهج حيث تقيمين لا يقل صعوبة عن
المنهج في بلدك الأصلي، لكنني أعتقد -والله أعلم- أن
هذه الخطوة كان من الأفضل جعلها مبكرة أكثر؛ أي بعد
انتهاء ابنتك من المرحلة الإعدادية مثلا، أو الانتظار
إلى أن تنهي الثانوية، علما بأنه ليس لدي فكرة كيف
ستنتسب إلى الجامعة في بلدك الأصلي؟ وهل يحذف من
مجموعها الأساسي نسبة 10% إذا حصلت على الثانوية من
بلد الإقامة؛ مما يقلل فرص اختيارها للفرع الجامعي
الذي ترغبه، وبالتالي لن تستطيع تحقيق وجودها، وإثبات
ذاتها عبر دراستها لما تختاره وليس ما يفرضه عليها
المعدل؟
إذن هذا القرار يجب أن يدرس بشكل أوسع، ويجب أن تشارك
فيه فتاتك، خاصة إذا كانت واعية، وإذا لم تكن كذلك
فيجب أن تفتحي أمامها جميع آفاق الوعي بحيث تشارك في
صنع مستقبلها، ولا تكون ريشة في مهب رياح اختيار الأهل
كما يحصل في بعض العائلات.
لنأت الآن إلى مشكلتك الأخرى مع هذا الرجل المصري،
وأنا هنا أترك جنسيته ظاهرة لسببين: أولهما خاص بك وبه
وبعائلته، وثانيهما عام لجميع الإخوة القراء المغتربين
منهم وعائلاتهم، وخاصة المصريين، ويمكن أن يشمل حتى
غير المغتربين، كذلك فأنت لم تطلبي تغييب أي شيء من
رسالتك؛ إذ إنني غالبا أحذف ما يشير إلى السائل أو من
يتحدث عنهم، لكن هنا لا بد من إظهار هذه المشكلة على
حقيقتها؛ فهي تبدي أكثر من أثر على أكثر من صعيد؛
ولذلك سندرسها بشيء من التفصيل، وبمعزل عن المشكلة
الأولى رغم قولي بأنهما مترابطتان.
فأنت تقولين بأنه تقدم لخطبتك رسميا، فهل يعني هذا أنه
تقدم لأهلك أو لولي أمرك؟ هل يوجد أحد من أهلك معك في
نفس البلد؟ أو هل تقدم لهم عن طريق الهاتف مثلا؟ فما
رأيهم هم أيضا في زواجك من هذا الشخص؟
أنا وإن كنت أعتقد أن بعض النساء يستطعن أن يتخذن هذا
القرار بعيدا عن أولياء أمورهن، وهذا ما يوافق عليه
المذهب الحنفي خاصة في حال كون التي ستتزوج ثيبا (أي
مطلقة أو أرملة)، لكنني أظن أن موافقة ولي الأمر
ضرورية لإضفاء طابع الشرعية على الزواج أكثر، وبالتالي
جعله أقدر على الاستمرار والدوام، ورأيي هذا ينبع من
فكرة التحكيم الواردة في القرآن الكريم؛ إذ إن الزواج
الذي يتم بدون موافقة ولي الأمر يفتقد هذا البعد المهم
في حل الخلافات الزوجية.
طبعًا في نفس الوقت عليّ أن أقول بأن المرأة التي
تتحمل مسؤولية أربع أطفال وحدها ليست كالمرأة التي لا
تحمل أي مسؤولية أو كالتي تسلم قيادها لأهلها؛ فيجب
التذكير بالقاعدة الفقهية "الغُرم بالغُنم"، ولا يحق
لولي أمر أن يتعنت برأيه في زواج من هي تحت ولايته،
بينما هو في الوقت نفسه لا يتحمل أي شيء من مسئوليتها.
ولعلك تعودين هنا إلى مشكلة "أظلم
من فيهم" الموجودة في الجزء الأول من سلسلة أسئلة
محرجة وأجوبة صريحة, لأنني عندما أتحدث بعيدا
نوعا ما عن مشكلتك؛ فلأنني أغتنم أي مساحة موجودة
لأشير إلى الأخطاء المتراكمة في مجتمعاتنا، وما أكثرها
في حقل الزواج!
هذا من ناحية عائلتك، أما من ناحية عائلته فالتساؤلات
التي تظهر مع فكرة زواجه منك أشد أهمية وخطرا، ومنها
أنه يقيم وحيدًا في نفس البلد؛ فهل تعلم زوجته بالأمر،
أم أن الموضوع سيأخذ طابع الكتمان ليدخل تحت مسمى
الزواج العرفي أو المسيار أو غيرها من المسميات
المخترعة التي أدخلنا فيها الواقع الأليم المتأسس على
رفض أغلب الزوجات المسلمات للزواج الثاني؟
أرجو أن تعودي هنا إلى مشكلة " الصديقة الشرعية..واقع
مر لوضع مختل" وأنبهك هنا إذا كنت لا تعلمين أنه في
مصر يمنع الزواج الثاني إلا بموافقة الزوجة الأولى،
ورغم عدم واقعية هذا القانون لأنه قلّ أن توافق امرأة
على ضرة لها فيجب أن نعترف أن سببه -بعيدًا عن السياسة
العلمانية لأغلب البلاد العربية- هو انحراف بعض
الأزواج عن تطبيق مفهوم العدل فيميلون لواحدة ويتركون
الأخرى كالمعلقة، وهذا يطرح سؤالا آخر: هل يمكنه العدل
بينكما وزوجته في بلد آخر تعاني من تربية الأولاد ما
تعانيه أنت من تربية أطفالك وحدك، بينما هو يكتفي بأن
يرسل لها مصروف الأولاد والاطمئنان عليهم عن طريق
الهاتف أو غيره؟ وهذا يطرح سؤالا اجتماعيا أكبر: هل
تنفع ممارسة الأبوة بالمراسلة وبالهاتف النقال وما
شابه؟
تقولين بأن أخلاقه جيدة، وعنده استعداد لتحمل مسؤولية
أولادك، فسأفترض أن ما تقولينه صحيح من أن أخلاقه
جيدة، لكن هل فعلا هو مستعد لتحمل مسؤولية أولادك؟ هل
يمارس هو مسؤوليته عن أولاده كما تفرضها الأبوة
الحقيقية فعلا؟!
مشكلتك موجودة في مجتمعاتنا، والورطة التي وقعنا بها
جميعا أننا لم نعد نعرف من أين يبدأ الخطأ؟ هل نضعه
على المسئولين عن التخطيط في بعض البلاد العربية التي
أحالها بعضهم إلى بئر يعب منها وعائلته، بينما باقي
الشعب يبحث عن لقمة عيشه فلا يجدها إلا في متاهات
الغربة؟ أم أن الخطأ من الناس أنفسهم الذين أصبحت
المظاهر تفرض ثقلها على كل منحى من مناحي حياتهم؛ بحيث
لم نعد نعرف أين تنتهي الضروريات؟ وأين تبدأ
الكماليات؟!
كم وكم يحصل زواج المغتربين بدون علم زوجاتهم، وما بني
على خطأ لا بد أن ينتهي بالخطأ، وأنا إذا كنت لا أوافق
على أن من واجب الرجل أن يأخذ الضوء الأخضر من زوجته
قبل زواجه مرة ثانية؛ لأن هذا لا يمت لحكمة الشرع ولا
لمقاصد الدين بأي صلة، كذلك فإني لا أوافق أن يتم هذا
الزواج بدون علمها، وبدون أن يضع الزوج مكانه في مكان
زوجته التي تعاني الكثير من العبء بتحمل مسؤولية
الأطفال وحدها، ومن كلام المجتمع؛ لأنها بدون رجل
يحميها، ومن الوحدة والشعور بالحاجة لكلمة حب تخفف
عنها وقع مسئولياتها، ومن الإحساس بالرغبة الجنسية في
بعض الحالات أو أغلبها دون أن تجد سكنها الروحي
والجسدي عند أحد.
وارجعي إذا تكرمت إلى مشكلة "
زوجة مع وقف التنفيذ " لتقرئي
استغاثة الأخت السائلة من ألم الوحدة، وشدة الحاجة
للرجل سواء كانت هذه الحاجة عاطفية أم جنسية، ولا فرق
بينهما في رأيي لدى المتزوج أو المتزوجة؛ لأنه بعد
الزواج تختلط الروح والجسد فلا يمكن التفريق بين الحب
والجنس إلا أن الآخر تعبير جسدي عن الأول.
بناء على كل ما تقدم يظهر السؤال التالي واضحًا
للعيان: ما هي الوعود التي يقدمها هذا الرجل من وراء
زواجه منك؟ هل هو زواج متعة مؤقتة يطفئ كل منكما رغبته
ثم تعودين إلى بلدك أو يعود هو إلى بلده أو تأتي زوجته
إليه أو تطلب الطلاق منه أو... أو...؟ أم هو فعلا يطرح
زواجا كامل الشروط من المسئولية التامة عنك وعن أولادك
حتى لو اضطر للإنفاق عليكم جميعا في حال تعطلك -لا سمح
الله- عن العمل إذا حصل الحمل منه مثلا أو غير ذلك من
الأسباب؟
والأهم من هذا هو شرط الإشهار الذي لا بد منه كي تلغى
المفاسد الناجمة عن الزواج العرفي أو المسيار الذي
اضطر بعض الفقهاء -سامحهم الله- لاعتباره جائزا مراعاة
لظروف الواقع السيئة التي نجمت عن تأثرنا بمفاهيم
غربية ما أنزل الله بها من سلطان؛ بحيث أصبحت نساؤنا
خاصة المثقفات المسلمات الواعيات ترفضن الزواج الثاني
مع أن الله أباحه للرجل لاختلاف فطرة الرجل عن المرأة،
ولمقتضيات شرعنا الحكيم في حل بعض المشاكل الاجتماعية
الناجمة عن نقص عدد الرجال عن النساء وغير ذلك.
ولطالما حاربت على هذه الصفحة التقاليد البالية
البائدة، ولا أجدني إلا مدفوعة في كل مرة أيضا لمحاربة
العادات الغربية الوافدة، فإما أن نكون مسلمين حقا
نرضى بما أنزل الله، وإما فإن علينا أن نكف عن وصف
مجتمعاتنا بالإسلامية {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
(النساء: 65). وأرجو ألا يفهم من كلامي تكفير هذه
المجتمعات، بل أقول وبصدق وألم: إننا فقدنا كل خاصية
وذاتية وهوية، وما أصدق قول الشاعر الحكيم محمد إقبال:
كل من أهمـل ذاتيتـــه فهو أولى الناس
طرًّا بالفناء
لن يرى في الدهر شخصيته كل من قلد عيش
الغربـاء
أختي الكريمة، بقي من واجبي أن أنبهك إلى أمر ربما
يكون قد غاب عن ذهنك أن هذا الرجل في حال زواجك منه
يعتبر غريبًا عن ابنتك؛ فمن ناحية شرعية يجب أن تستتر
منه كما تستتر من غير المحارم، ولا أدري مدى التزامك
بالشرع، لكن الأمر واضح من الآية الكريمة التي بينت
مجموعة النساء المحرمات، ومنهن: {وَرَبَائِبُكُمُ
اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي
دَخَلْتُم بِهِنَّ}، والربيبة هي التي تربت في حضن زوج
أمها منذ الطفولة وليس كما هو حال ابنتك. كذلك عليّ أن
أبين لك أنه ليس من السهل أبدا إدخال رجل غريب على
أولادك وابنتك وفرضه عليهم، فما مدى تقبلهم للأمر؟
أقدر بكامل وجداني معاناتك في مسئولياتك المضاعفة،
وأتفهم معنى ارتباطك العاطفي بهذا الرجل، لكنك في سن
ووضع لا يسمحان لك بأي خطأ في حياتك؛ لأن هناك 4 أشخاص
آخرين أنت مسئولة عنهم، وهؤلاء يشرق مستقبلهم بنجاحك
كما أنه يظلم بإخفاقك، ورحم الله أهل الأمثال؛ فغلطتك
غلطة الشاطر؛ لذلك بينت لك مواضع الثغرات التي قد تكون
مدخلا لزيادة متاعبك وآلامك.
وقد قلت من البداية بأنك لست في حاجة إلى النصح، لكن
عليك أن تدرسي الأمر بشكل أفضل وبموضوعية أكثر وبنظرة
أوسع وبرؤيا أشمل، ولا تنسي اللجوء إلى الله؛ فهو وحده
سبحانه القادر أن يهيئ لك من أمرك رشدا، ولا تنسي كذلك
أن بإمكانك توضيح أي شيء خفي في رسالتك أو الاستيضاح
عما تريدينه من كلامي بمتابعة معنا.. فأهلا بك دائمًا. |