|
كنت أتمنى لو أرسلت تفاصيل أكثر عن سبب لجوء زوجك إلى هذا الحل القاسي لك وله على
حد سواء، فما هي الأمور التي كان يتهمك بفعلها لدرجة أنه اختار هجرك في الفراش لهذه
الفترة الطويلة كعقاب لك؟
لا أعتقد -والله أعلم- أن الله سبحانه يرضى عن فعله
حتى لو كنت أتيت جرما كبيرا؛ لأن ذلك يخالف أمر الله
سبحانه في الآية الكريمة "فَإِذَا بَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ
فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ"، والآية الأخرى: "وَإِذَا
طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ
بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا
لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ
نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا".
وكأن هجره لك هذه الفترة الطويلة يدخل ضمن الظّهار
الذي حرَّمه الله سبحانه، فهل عرض عليك الطلاق وأنت
رفضت؟
لم تبيني إذا كنت تعملين أم تعتمدين على زوجك؟ ولم
توضحي كم لديك من أولاد؟ ولا كم هي أعمارهم؟ لأتمكن من
مساعدتك على أكمل وجه؛ لأنك لا تسألين عن موضوع
الاستمناء فقط فأنت ولا شك تعلمين أننا لسنا صفحة
للفتوى، فهذا السؤال يمكنك أن توجهيه إلى صفحة أهل
الذكر ليجيبوك عليه بعد أن تعرضي عليهم مشكلتك كاملة،
كي تكون الفتوى واقعية ومراعية لظروفك؛ لذلك أتوقع أن
تتخذي لي العذر إذا لم أجبك إلى هذا الأمر من الناحية
الشرعية، وما يهمني أكثر هنا أن أساعدك من الناحية
النفسية والاجتماعية فأطلب منك بداية الرجوع إلى ردي
على بعض المشاكل التي بينت فيها أن للجنس وظيفة مهمة
أكبر بكثير من مجرد التحرير من الضغط، وهو ما أؤكد
عليه في أغلب ردودي في هذا الموضوع بأن للجنس في
الحياة الزوجية وظيفة أبعد بكثير من مجرد الإنجاب
والذرية التي هي ولا شك غاية بديعة لهذا العمل، لكن
حتى هذه الغاية يمكن أن لا تكون موجودة عند من اكتفى
بما لديه من أطفال أو من شابهه، وقد أوضحت رأيي بهذه
النقطة في كثير من ردودي؛
والمقصود أن الجنس إذا لم يحقق هذه الغاية وهي
أن تتصل الروح بالروح عبر روابط الجسد، فتسكن إحداهما
بالامتزاج مع الأخرى، فليس له قيمة في نظري أكثر من
أنه عملية من عمليات الإطراح الفيزيولوجية المعروفة.
إضافة إلى أن الاستمناء هو شذوذ وليس جنسا؛ لأن الجنس
هو عمل بين ذكر وأنثى بالغين، ويختلف بوصفه زنا أو
بوصفه زواجا حسب شرعية الرابطة التي تجمع المتعاملين
به، ولكنه لا يمكن أن يكون جنسا إذا كان المرء يحاول
أن يمتع نفسه بنفسه كالمخلوقات الأولية ذات التوالد
الذاتي أو تلك التي تتكاثر بالانشطار!
لذلك لا أعتقد أن العادة السرية تحرر من الضغط بل هي
(كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه)،
والأفضل من هذا هو البحث عن المخرج من كل هذه الأزمة
إما باللجوء إلى التحكيم إذا لم تكوني جربته من قبل،
وذلك بإدخال حكم من أهلك وحكم من أهل زوجك، أو بإدخال
شخص حكيم واحد بينكما ما دامت المشكلة لها طابع
الخصوصية، قبل التفكير بالحل الثاني وهو طلب الطلاق
بعد تقدير الظروف والعواقب والموازنة بين الأرباح
والخسائر.
أما الحل الثالث فهو الرضا بالمشكلة كما هي؛ لأنها لا
حل لها، فالحل هنا هو الرضا بعدم وجود الحل والبقاء
كما أنت عليه، وفي هذه الحالة أنصحك بالصبر ومحاولة
التخفيف من هذه الرغبة الجنسية بالسيطرة عليها, وهذا
الحل الذي أطرحه لك كامل الحرية طبعا برفضه أو مناقشته
بينك وبين نفسك أو حتى معي مرة أخرى إذا أحببت أن
ترسلي، وهو التسامي فوق الجسد والرغبة، ولأشرح لك هذا
أبسط لك الأمر أننا مخلوقون من حفنة تراب مهين إضافة
إلى نفحة من روح علية، فديننا كما تعلمين يوازن بين
أشواق الروح ورغائب الجسد، فلا يطغى شيء على شيء، ولكن
الإنسان العاقل يوازن أيضا بين الفائدة والضرر الذي
سيعود عليه من أي عمل، فإذا كان طلاقك سيجلب لك
ولأولاك ضررا بالغا فلماذا لا تفكرين أن تستعلي على
جسدك؟
جوابي هذا نابع من أنك تسعين إلى أخف الضررين، باتقائك
الطلاق كي لا يفقد أولادك أباهم، وأنت تعرفين أن درء
المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وكما بينت رسالتك فإن
المفسدة ستكون عامة، لذلك نصحتك بما لم أنصح به الأخت
في مشكلة زوجة مع وقف التنفيذ، وذلك لاختلاف الفئة
العمرية التي تنتسب إليها كل منكما، فعمرها كان يقل عن
الخامسة والعشرين، حيث تكون الرغبة في أوجها لدى
المرأة، أما بالاقتراب من الأربعين كما هو عمرك فيسهل
الأخذ بهذا الحل، فكما في الأثر: (عجب ربك لشاب ليس له
صبوة) فدماء الشباب الحارة تجعل الرغبة متدفقة عكس
الذي اقترب من سن الكهولة، وأرجو ألا تفهمي من كلامي
أني أدعوك لأن تدخلي سن اليأس، فهذا التعبير -أي سن
اليأس- لا يمت إلى ثقافتنا بصلة، وإنما هو مستورد من
البلاد الغربية، حيث يظنون أن تجاوز الأربعين يعني أن
المرأة قد فقدت حيويتها وطاقتها على العطاء، بينما في
الحقيقة هي أجمل مراحل عمر المرأة عندما تشعر بتفرغها
لنفسها ولهواياتها أكثر، كما تشعر بقرب الله سبحانه
أكثر وهذا ما عبر عنه أحدهم ( ذهب الشباب وشره وأتى
الكبر وخيره)، فتكون المرأة قمة في العطاء والرحمة.
قد لا يكون سهلا أن يتسامى الإنسان فوق غرائزه، لكن
هناك من يوجد في نفسه الإرادة ويستعين بالله على نفسه
ومجتمعه، فيوفقه الله سبحانه، وقد يستغني بوصل الله
تعالى عن وصال غيره، ويا لها من سعادة نحن عنها
غافلون!
أنت تقولين إنك قلقة من العقاب الإلهي، وهذا يؤكد
قولي إن الاستمناء يزيد من الضغط النفسي، ولا يحرر منه
بل هو سبب واضح للقلق، وخاصة لمن كان في عمرك، فإذا لم
تكن مخافة الله نامية في قلبك كفاية، فحاولي أن تنميها
بالعبادة، ولك أن تتخيلي لو أن أحدا من أولادك الذين
أعتقد أنهم بسن المراهقة أو قريبا منها اطلع على ما
تفعلين، فكيف سيكون وضعك أمامه؟! وكيف ستكون مكانتك في
عينه؟!
أختم لك بكلام ابن القيم -رحمه الله- عن كيفية مدافعة
الشهوات والخواطر فلا تتحول إلى عزائم وأفعال لعل في
ذلك مساعدة لك: "دافع الخطرةَ فإن لم تفعل صارت شهوة
فحاربها فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمة فإن لم تدافعها
صارت فعلاً فإن لم تتداركه بضده صار عادة فيصعب عليك
الانتقال عنها، واعلم أنَّ مبدأ كل علم اختياري هو
الخواطر والأفكار فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو
إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل وكثرة
تكراره تعطي العادة فصلاح هذه المراتب بصلاح الخواطر
والأفكار وفسادها بفسادها، واعلم أنَّ الخطرات
والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر فيؤديها إلى
التذكر؛ فيأخذها التذكر فيؤديها إلى الإرادة فتؤديها
إلى الجوارح والعمل فتستحكم فتصير عادة فرَدُّها من
مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها". أرجو أن
يكون ردي كافيا، وإلا فيمكنك أن ترسلي متابعة لحالتك،
وأهلا وسهلا بك. |