|
عندما أقول: إن التغيرات الاجتماعية والسياسية في المجتمع مترابطة بشكل كبير كما
ترتبط التغيرات النفسية بالصحة الجسدية في الفرد؛ فأنا لا آتي بشيء من عندي.. بل إن
الرسول عليه الصلاة والسلام قال: "كما تكونوا يولّ عليكم"، وهذه المشكلة مثال على
ما أقول، وكنا من قبل نرحب إذا أتتنا مشكلة من فلسطين. والآن نرحب إذا أتتنا من
أهلنا العراقيين المنكوبين، سواء كانوا داخل العراق أو خارجه.
والمشكلة هنا تبدي لنا أنه لا هزيمة صدام ولا سقوط تماثيله ولا تماثيل أي طاغية
مثله تغير شيئا إذا لم نغير نحن ما بأنفسنا؛ لأن التغيير الخارجي أشد وطأة وأعظم
سوءا، ولكن التساؤل المعضل: من أين وكيف يبدأ التغيير؟ وهل نقتنع أنه إذا لم يبدأ
التغيير من النفس فإن مطالبنا بالتغيير الاجتماعي أو السياسي ستبقى صيحة مغفلة لا
معنى لها ولا مجال لتحقيقها!
بالنسبة لك يا أختي الكريمة لم أستطع أن أفهم من
رسالتك إلا أنك بعيدة عن أهلك؛ أي أنهم ليسوا في
ألمانيا.. فهل هم ليسوا في العراق أيضا حتى تتوقعي أن
تصبحي فريسة سهلة لزوجك ولأهله إذا حصل إرغامكم على
الرجوع إلى العراق؟ فأين هم إذن؟!
تقولين: إنك أتيت للعيش معه في ألمانيا، ثم تقولين:
خاصمت أهلي لأجله، وكذلك تقولين: إن أخا زوجك تشاجر مع
أخيك، ثم تعودين وتقولين: إنك وحيدة في الغربة! فهل
المخاصمات والمشاجرات خلال أسلاك الهاتف أم عبر أثير
الإنترنت، أم أنها فعلا مشاجرات ومخاصمات على الواقع؟!
لم أفهم كيف تزوج عائلة ابنتها إلى قريب أو غريب يسكن
بعيدا عنهم في بلد آخر دون أن يعرفوا أخلاقه ودينه
وحرصه على ابنتهم؟! فإلى متى تبقى الفتاة في بعض
المجتمعات تباع وتشرى كأي متاع زائد على البيت؟ وهل
كان رأي أهلك مجبرا لك وضاغطا عليك رغم أن الفئة
العمرية التي اخترتها تبدي دخولك سن النضج؟ أم أنك أنت
من رحب بفكرة الزواج من شخص لا تعرفينه لظرف أو وضع
معين كان يستدعيك الخروج منه بأي حال من الأحوال؟ هل
كنت كالغريق الذي يتعلق بقشة ظانا أن فيها النجاة
والحياة؟!
ما هذا الوضع المختل؟ هل يمكن أن ينتهي ما بُني على
خطأ إلا بخطأ؟ وكيف يمكن لزواج من هذا النوع ألا ينتهي
بالطلاق؟!
ومن الواضح في تصرفات عائلته سواء تصرفات أخيه أو
أخته أو غيرهما أنها عائلة لا تقيم وزنا لدين، وليس في
اعتبارها أي معنى لأخلاق؛ فعلى أي أساس تم زواجك من
ابن لعائلة كهذه؟!
إذن طريقة عرضك لمشكلتك تحول دون فهمي لأبعادها تماما،
وبالتالي تجعلني غير متمكنة من طرح الكثير من
الخيارات، إضافة إلى أنك ذكرت في بياناتك أنك تحملين
مؤهلا عاليا.. فهل أنت تعملين أم لا؟
لا أدري كيف سأحل مشكلة يكتنفها كل هذا القدر من
الغموض. ومع ذلك فلنفرض أيضا أنك لا تعملين، وأنك
وحيدة في الغربة كما تقولين، ومع ذلك فهناك حقوق
للمطلقة في ألمانيا يجب الاستفادة منها قدر الإمكان.
فحسب معطيات رسالتك أرى أن العيش مع هذا الزوج من
المستحيلات؛ فكيف لمن فقدت الأمان لدى زوجها أن تستمر
معه؟ وشعور المرأة بالأمان هو أول شرط من شروط القوامة
كما أذكر دائما، وذلك واضح بقول الله تعالى: {الرجال
قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما
أنفقوا من أموالهم}، فالتفضيل يُقصد به اختلاف فطرة
المرأة عن فطرة الرجل؛ حيث إن المرأة تبحث في الرجل عن
مصدر للأمان، بينما يبحث الرجل في المرأة عن منبع
للحنان، وهذا هو المقصود بالتفضيل على ما أعتقد. فليس
الرجل مفضلا على المرأة ولا المرأة مفضلة على الرجل،
وإنما هما يتفاضلان في الصفات الفطرية التي تجعل كل
واحد منهما مكملا للآخر، ولا يعني هذا وجود نسبة كبيرة
من مشوهي الفطرة لسبب أو لآخر؛ فكثير من الرجال لا
يبحثون عن الحنان ولا يمنحون الأمان، وكثير من النساء
يرفضن مفهوم القوامة أساسا، وبالتالي لسن على استعداد
لأن يمنحن أي حنان أو يطلبن أي أمان.
في حالتك أنت يفقد هذا الشرط المهم، وذلك من خلال
عباراتك:
- هو يعاملني بقسوة ويحاول أن يفرض سيطرته، وأن يسلب
إرادتي بحيث أصبحت كالخرقة البالية بيده.
- لقد عانيت الكثير حتى أصبح على أقل كلمة يطردني،
وأنا هنا في الغربة وحدي.
- يقاطعني ثلاثة أيام، وأنا لا أعرف ما هو السبب، وأنا
حامل، ولكنه لم يشفق علي.
- فتراجع بشكل فاجأني به ولم يعد يشاجرني. ولكني أعلم
أنه يخطط لشيء لا أعرف ما هو بالضبط؟ الله أعلم.
كل هذه العبارات تدل على فقدانك شرطا ضروريا لتستمر
الحياة الزوجية هو الأمان، ولكن السؤال الذي يراودني
هنا أيضا: إذا كنت وحيدة في الغربة وهو يطردك.. فأين
تذهبين عادة؟!
في نفس الوقت تقولين: إن أهله هم السبب؛ فهل يمكنك
إدخال أحد من طرفك كأخيك -إذا كان موجودا- أو صديق
لزوجك أو أي أحد يناصرك ويضغط عليه كي يبتعد عن أهله..
فلا يصغي لهم؟ هل كل أهله سيئون؟ ألا يوجد بينهم رجل
رشيد يمكنه أن يناصرك في قضيتك؟
دعينا نضع أسوأ الاحتمالات، وأنه ليس لك من معين إلا
الله سبحانه؛ فعليك أن تلجئي له كي يكون عونك في هذه
المشكلة، وكلامك أن درجة التدين عندك أصبحت أضعف؛ فهذا
يعني أنك تبتعدين عن الله، وأنت أحوج ما تكونين إليه؛
فاثبتي على دينك، واحرصي على علاقتك مع الله ألا تختل؛
فقربك منه سبحانه هو الشيء الوحيد الذي يساندك.
وبما أن للمرأة حقوقا في ألمانيا كما تقولين -وأعتقد
أن الجمعيات المناصرة للمرأة كثيرة- فادرسي سلبيات
وإيجابيات لجوئك لإحداها، وهذا أقوله بأسف كبير.. أن
نلجأ نحن المسلمين إلى غير المسلم ليحل لنا مشاكلنا!!
وما أشبه مشاكلنا الاجتماعية بمشاكلنا السياسية، ولا
أحد يستطيع أن ينكر أنه لولا طغيان صدام واعتدائه على
جارته الكويت لما جر مسلسل المآسي أذيال الخيبة في
ربوعنا، ولكن قدر الله وما شاء فعل.
علمتني الحياة كثيرا يا أختي الكريمة، ومما علمتني
إياه أن الحرب خدعة؛ فإن كنت ترين أن الصراع بينك وبين
زوجك قد وصل إلى حد العداوة، ولا ينفع الصلح ولا
التراجع، خاصة مع قولك إنه يخطط لك ما لا تعلمين؛
فخططي أنت أولا، وضعي النقاط على الحروف قبل أن يضعها
هو، وقد يصح في حالتك قول هتلر: الهجوم أفضل طريقة
للدفاع.
تأكدي أنك بقدر ما تحسنين اللجوء إلى الله وتخلصين له
النية بقدر ما يكون معك ويناصرك؛ فافعلي ذلك إنه نعم
المولى ونعم النصير. |