|
أشكرك على هذه المشاركة القيمة, وأنا عندما أقول "القيمة", فليس لأنني أحب
المجاملة, بل على العكس, كثيرا ما تظهر ردودي على المشاركات أن كلمة "مجاملة" ليس
لها مكان في قاموسي الشخصي, لأن هذه الكلمة هي سبب من أسباب تخلفنا إذ تمنعنا من
نقد من نحب ونريد لهم الخير, ولذلك أؤكد على الفرق بينها وبين كلمة المداراة التي
نفعلها عندما نجد أن النصح لن يجدي نفعا. ومن هنا أرجو أن تكون جميع المشاركات على
هذا المستوى من الفائدة, ولا يعني هذا أنه يحرم على أحد إبداء رأيه, بل نحن نرحب
بكل رأي, لكن نرجو المعذرة ممن يرسلون مشاركاتهم معتمدين على رؤيا مبسطة للأمور,
ونرجو منهم أن يقبلوا انتقاداتنا لهم, فالله يعلم أنها ليست إلا انتقادات المخلص
المحب؛ وسأضرب لك وللإخوة القراء مثلا مما حصل لي منذ عدة أيام, فقد أوردت في
مشاركتي الجهاد المدني.. الطريق إلى الفعل مثالا على كيفية استعمالنا لسلاح خطير
كالإنترنت في تسويق أفكار أعدائنا من حيث لا ندري, والمثل كان عن صورة الكعبة تضرب
بطائرات يهودية مأخوذة من موقع إسرائيلي, وقلت أن أختا تنتسب إلى شريحة المثقفات هي
التي أرسلتها, وكيف أجبتها منبهة لها إلى خطر ما تفعله إذ تقلل من قيمة البيت
الحرام في أعين المسلمين, فإذا كان الله قد حماه منذ خمسة عشر قرنا تقريبا, ألن
يكون سبحانه قادرا على حمايته الآن؟!
لكن الأغرب أن الصورة نفسها وصلتني الآن أي بعد سنة من
وصولها لي سابقا, ولكن هذه المرة من أخ يكبرني بربع
قرن تقريبا, وهو حاصل على شهادة دكتوراة في بعض العلوم
الإنسانية من جامعة غربية, فذهلت: كيف لهذه الصورة أن
تلف عاما كاملا رغم إساءتها الواضحة لرمز مقدس؟
فأرسلتها إلى أخ آخر كان قد كتب مقالا قيّما عن
المسلمين والاستخدام التقليدي لأدوات العصر, أي كيف
تُستعمل الإنترنت بطريقة تقليدية ليس فيها إبداع ولا
ابتكار فتؤدي إلى خسائر أكبر بكثير مما تؤدي إلى
أرباح, وذكرت له معلومات عن المرسل فكان جوابه لي:
( المشكلة ليست في الشهادة التي نحملها أن تكون
بكالوريوس أم دكتوراة, ولا في مكان حياتنا في الشرق أو
الغرب, المشكلة أكبر بكثير, ويبدو أنها متجذرة إلى
درجة الحاجة لإجراء عمليات جراحية دماغية ضرورية
للتغيير!).
وهذا ما أذكره دائما أننا في حاجة إلى غسيل العقول من
الصدأ الذي تراكم عليها بحكم سنين طويلة عملت عملها في
تغييب الوعي الجماعي واستلاب الثقافة والفكر, وحتى
إنني اعتذرت مرة إذا حملت بعض ردودي بعض القنابل
لتفجير بعض العقول المتمترسة وراء حواجز ثقيلة من
التخلف والجهل والعطالة؛ وعلى كل حال فإن الجراحة
الدماغية الاستئصالية والعلاج النووي التفجيري معروفان
في عالم الطب ويوصلان لنفس النتيجة, لكنهما لا
يستعملان إلا في حالة وجود ورم أو سرطان يؤدي إلى
الإعاقة!
لذلك كما أنت تقول: إنك تعجب أشد العجب من هذه
العقلية, فأنا أقول لك: إني أعجب من قولك أن عقول
الملايين قد تفتحت, ولو كان الأمر كذلك يا أخي الكريم
لما استفضت بردي لها وفندت كل فقرة من فقرات رسالتها –
اللهم إلا فقرة واحدة فاتتني سأعلق عليها بعد قليل-
وإن كنت أعترف حقيقة أن الأمر أفضل بالتأكيد عما كان
قبلا , وأُرجع هذا إلى سهولة انتشار المعلومات عن طريق
الإنترنت والفضائيات, لكن في نفس الوقت هناك مواقع
وقنوات تثبت هذه الخرافات والضلالات سواء كان عن الجن
أو معجزات الشيوخ أو غير ذلك, وعلى ذكر الشيوخ هنا –
وخاصة أنها وردت في رسالة الأخت صاحبة المشكلة
الأصلية- فقد أرسل لي أخ مثقف مبدع نقده لبعضهم, ولكن
احترامه لمن يخالفه جعله يكرر كلمة الرموز, بدل
الشيوخ, فأرسلت له أنتقده أن كلمة الرموز توحي أننا
أمام سر من أسرار الله, أو مقدس من المقدسات, وقد آن
لبعض الشيوخ أن يعلموا أن نظرية النسبية قد أطاحت بكل
مقدس في الغرب, ولذلك اعتمدتها العلمانية ركنا في
دعوتها للتنصل من الدين؛ ورغم خطل هذا الاتجاه إذ لا
يصح أن تطبق العلوم الطبيعية على العلوم الإنسانية
والاجتماعية, لكن يجب أن نعترف أيضا أننا لا بد أن
نتأثر بما يدور حولنا, لذلك لا رمز إلا المعصوم عليه
الصلاة والسلام, وأما صحابته الأكارم فبما أنهم بدؤوا
بسياسة نقدهم لذواتهم فقال أبو بكر رضي الله عنه:( لقد
وليت عليكم ولست بخيركم), وقال عمر رضي الله عنه:( كل
الناس أفقه منك يا عمر), فهؤلاء هم الرموز الحقيقيون.
ولذلك فكل يؤخذ من كلامه ويرد, والشيخ أو العالم أو
المثقف أو الفقيه أو الداعية أو المفكر الذي يستحق أن
يوصف بهذه الكلمة ( الرمز) يصل إلى هذه الصفة عندما
يلبس حلة التواضع بحيث يعزي كل فضل لله سبحانه وأن
يكون لديه من الشجاعة ما يجعله يعترف بالخطأ, وأنه غير
معصوم, كي نبتعد عن طقوس المجاملات الشرقية من إحناء
الرؤوس وتقبيل الأيدي وحمل النعال, ولا أقول هذا كله
إلا لأني أريد أن تبزغ شمس جيل حر جريء له ميزاته
وخصوصيته حتى نرى مبدعين يخرجوننا من الحالة الحرجة
والعناية المشددة التي أدخلنا فيها التقليد والاتباع
في الفكر والفقه والسياسة والدعوة وغير ذلك. والمثل
الذي يلح على ذاكرتي هنا مثل طازج إذ كنت أحدث إحدى
الأخوات المتصوفات فذكرت لها عن أمريكا وتهديدها
للمنطقة العربية, فقالت بلهجة الواثق المنتصر: لقد
صرفها الله عن بلدنا لأن شيخنا قال لنا أن نقرأ الصلاة
النارية 4444 مرة!
ومع تأكيدي دائما أن الدعاء من أسلحة المؤمن, لكنني
أعلم أن رسول الله عليه الصلاة لم يستعمله إلا بعد
الأخذ بالأسباب والاستعداد التام لما تفرضه طبيعة
الظرف سواء في الحرب أو الهجرة أو غيرهما؛ وتذكرت أن
هذا الشيخ الصوفي نفسه رغم تصوفه لم يستطع أن يرد عن
نفسه تهمة الحكم الديكتاتوري الذي عاقبه بالنفي عن
بلاده, وتذكرت حكاية ذلك الرجل الذي جاء إلى الطحان
فوجده مشغولا, فهدده إن لم يطحن له دقيقه فورا فإنه
سيدعو عليه أو على حماره أو على رحاه, فسأله الطحان:
أو مستجاب الدعوة أنت؟ قال: نعم. فقال له الطحان: إذن
ادع الله أن يقلب دقيقك طحينا!
أشرت أنت كذلك إلى افتقاد عنصر الموازنة بين الخوف
والرجاء الضروريين للمؤمن, وأحسنت فعلا بسرد تجربتك,
لكنك أيضا تنقر على وتر حساس هنا, وهو عدم وجود
الموازنة الضرورية في كثير من الأشياء في حياة
المسلمين, وليس فقط بين الرجاء والخوف, فنحن بحاجة إلى
موازنة بين الروح والجسد, وموازنة بين العقل والقلب,
وموازنة بين الحركة والسكون كما أشرت في ردي : يحدث
بين الطلبة والطالبات: هواجس ملتزم.
كذلك نحتاج إلى الموازنة بين الحقوق: حق النفس وحق
الغير وحق الله, هذا كله على الصعيد الفردي أما على
الصعيد الاجتماعي والفقهي فنحتاج إلى الموازنة بين
الواقع والواجب, وبين الأصالة والمعاصرة , وبين النقل
والعقل, وعلى الصعيد السياسي بين المصالح والمبادئ,
بين ما يفرضه الواقع وبين ما نطمح إليه من مثال.
وهذا يؤدي بنا إلى ما نسيته أنا من رسالة الأخت فلم
أعلق عليه لطول رسالتها ولا أذمها هنا بل على العكس
أشكرها لأنها فتحت قلبها وأتمنى أن تكون قد استفادت من
الرد وأن تستفيد من مشاركتك, وكذلك لأنه يفترض أن لا
يتجاوز الرد حدا معينا من الكلمات فالأخت السائلة ذكرت
موضوعا أنها تلجأ إلى الكذب أحيانا خجلا من الناس,
والرابط بين كلامها هذا وبين موضوع الموازنة أن
الإسلام لم يحرم الكذب مطلقا, وهذا دليل على أنه دين
الموازنة بين المصلحة والمبدأ, وإن كان المبدأ هو الذي
له الأولوية لكن لا ننسى أن مصلحة الفرد المسلم ما هي
إلا مصلحة لدينه إذا كان قد حصل بينه وبين هذا الدين
العظيم التماهي المطلوب, وهذا ما أشرت إليه في ردي:
معاناة طالبة في الغربة.. بورك بالشباب الطامحينا,
وكلنا نعرف أنه يجوز الكذب في ثلاث مواضع: في الحرب
وفي إصلاح ذات البين وكذب الرجل على زوجته وبالعكس؛
وبالطبع يفضل التورية لمن قدر عليها كما حصل مع الرسول
عليه الصلاة والسلام في إحدى غزواته إذ خرج هو وصاحبه
أبو بكر عليه رضوان الله, ليتسقط أخبار المشركين,
فوجدا رجلا يرعى الغنم, فسألاه عن قافلة قريش,
فأجابهما الرجل بما يعلم ثم سألهما: من أين أنتما؟
فقال عليه الصلاة والسلام: نحن من ماء, وعادا
أدراجهما, فانتبه الرجل وأخذ يتساءل: من أي ماء؟! وكان
قصد الرسول عليه الصلاة والسلام أنهما مخلوقان من ماء
مهين, بينما فهم الرجل أنها قبيلة أو ما شابه, فصلى
الله على أكمل الخَلق خُلقا وأرضاهم مقاما وأصوبهم
كلاما.
لذلك أتمنى إذا كانت الأخت السائلة ما زالت تتابع معنا
أن تعرف أن في ديننا مندوحة عن الكذب هي التورية, وقد
عرف عن أحد الصالحين أنه كان يطلب من أهل بيته إذا جاء
من يسأل عنه وهو لا يريد لقاءه أن يضع يده في دائرة
مرسومة على الجدار من داخل البيت ويقول: ليس هنا.
وكذلك ورد أن إبراهيم الخليل عليه السلام عندما سأله
فرعون مصر عن زوجته سارة من هي ؟ قال: هي أختي, وكان
يقصد أنها أخته في الإسلام والحنيفية, كي لا يمسها
فرعون الذي كان يستحيي كل امرأة متزوجة.
والأفضل من التورية أن نتعلم أن تكون مخافة الله هي
التي لها الاعتبار الأول دائما, ونتذكر كيف عاتب الله
سبحانه رسوله في قصة زينب بنت جحش إذ كان عليه الصلاة
والسلام يخشى أن يطلب من زيد بن حارثة وهو متبناه في
الجاهلية أن يطلق زينب ليتزوجها هو كما أمره الله, كي
لا يقول الناس: إن محمدا تزوج امرأة ابنه, ولكن الله
سبحانه كان يريد أن يبطل حكم التبني فأخضع رسوله
الكريم إلى هذه المواجهة, وقد صور القرآن تلك الحادثة
في الآية الكريمة:( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه
وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك, واتق الله, وتخفي في نفسك
ما الله مبديه, وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه, فلما
قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين
حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهم وطرا وكان أمر
الله مفعولا), وما يهمني هنا أن نتعلم ألا نخشى أحدا
إلا الله سبحانه, وما أحوجنا في هذه الفترة إلى
الشجاعة والحكمة كما أقول دائما خاصة في ردودي
الأخيرة.
أخيرا أشكرك على مشاركتك مرة أخرى , وكذلك على ذكر بعض
بياناتك التي أغفلتُها هنا, وأرجو أن تتحقق كلماتك
المتفائلة عن الأمة التي عرفت كيف تدير دفة الحضارة
لصالح الإسلام, فيكون هذا واقعا حقيقيا وليس خيالا
حالما. |