|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحب أن أخبرك أنني أحبك جدًّا في الله، وأتمنى أن
نلتقي رغم بعد المسافة.
كنت أتابع استشاراتك وكانت تعجبني جدًّا، ولقد بدأت قصتي منذ بلوغي فقد تدينت في
ذلك الوقت؛ ولأن بلدنا لا يوجد فيه دور فقه لتعلم أمور الدين ولا تجدين من تسألين
رغم وجود شيوخ لدينا لصعوبة الوصول إليهم.. كانت وسيلتي الوحيدة لإشباع رغبتي في
علوم الدين تلك الكتب التي أجدها عند صديقاتي والتي يمنع تداولها، وألتقط من هنا
وهناك ما يجب عليّ فعله من عبادات.
ووجدت كل شيء حرامًا وممنوعا، حتى الضحك حرام، وأخذت أنفذ ما يقال لي بالضبط، وأضغط
على نفسي حتى أتذوق لذة الإيمان، وبكثرة الضغط وأنا في سن المراهقة انفجرت فقد
استيقظت ذات ليلة في منتصف الليل وأصابتني رعدة قوية وخوف من أن أموت وكان قبلها
بالضبط قد توفيت قريبة لي في تلك الفترة.
المهم ومنذ تلك الليلة وأنا أتعذب، نصحوني بكثرة
الصلاة وقراءة القران؛ لأن هذا وسوسة الشيطان، وزادت
حالتي سوءًا وذلك لأنني بدأت أقول في نفسي لماذا خلقنا
الله؛ هل ليعذبنا... هكذا؟ وكنت أتضايق لأنني أقول ذلك
في نفسي فأستغفر كثيرًا.
وكانوا يشككونني في صلاتي، من قال إنها مقبولة؟!
وأعمال الخير من صدقة وصوم ومعاملة الناس بالحسنى كلها
يقولون لي من قال إنها ستقبل؟! ربما نحن في الدرك
الأسفل، ويجب عليك ألا تفرحي بأي عمل خير قمت به؛ لأن
فرحك به سوف يودي بك إلى التهلكة.
وأخذت أضغط على نفسي؛ فلا أريد أن أكون من المهلكين،
وبدأت تلك الأفكار تراودني من شدة الضغط الشديد على
النفس لكي لا تخطئ، وليس هناك من لا يخطئ، وصرت أعظم
الذنب في نفسي حتى يغفر الله لي؛ لأنني لو لم أعظمه في
نفسي فسيكون عند الله عظيما. وهكذا كانت حالتي أكره أن
أستيقظ من النوم، أريد أن أكون نائمة طوال اليوم حتى
أهرب من أفكاري، وأصبحت مهملة في كل شيء في دراستي وفي
واجباتي نحو أقاربي، ولا يمر عليّ يوم لا أبكي فيه،
وصرت أكره التدين وأكره أنني تعلمت، وأتمنى أن أكون
مثل الجاهلات مرتاحة البال وأحلم وألعب وأعيش حياتي
كأي فتاة عادية.
ثم بعدها تزوجت وما زالت حالتي كما هي، وكذلك أنجبت
أطفالا وأنا أعاملهم بقسوة؛ لأن أعصابي مرهقة جدًّا،
وأنا أكتب حالتي يرثى لها أكاد أجن، يدأي ترتجفان وأنا
أكتب، وقلبي يدق بسرعة لأنني تنتابني حالة الخوف
الشديد من الموت ولا أستطيع الهروب منها، وأصبحت أتنفس
بصعوبة وقلبي يرتجف وكل أطرافي حتى تصبح أطرافي مثلجة
من شدة الخوف.
المهم هي نوبات فزعية تبقى معي لفترة طويلة أحيانا
يومًا كاملا، وبعدها أحس بالشلل التام في جسمي كله،
فلا تعود لدي رغبة لا في تربية أولاد ولا في نظافة
منزل ولا في ممارسة مع زوجي، وجهي امتلأ بالحَب وشعري
بالشيب، وأكره الوقوف أمام المرآة لمشاهدة نفسي، وصرت
قليلة الرغبة الجنسية مع زوجي حتى هو لاحظ ذلك فلا
أطلبه إلا إذا طلبني هو ويرى وجهي شاحبًا رغم أنني
أحاول أن أسعده؛ لأنه والحمد لله طيب ورقيق جدا وهو
يحبني كثيرا وكذلك أنا. وأنا لدي طفلان جميلان، ولكنني
أعاملهما بعنف نظرًا لحالتي النفسية، وقد أخبرت زوجي
عن حالتي؛ فقال كفي عن التفكير فقط ولم تعجبه فكرة
الذهاب إلى الطبيب النفسي، وأنا ليس لدي حيلة.
إني أتعذب كثيرًا ولم أعد أحدث زوجي عن حالتي بعد ذلك
اليوم، وإنني لا أستطيع الصلاة ولا أفهم ماذا أقول
وأنا أصلي، وذلك لشعوري بالتقصير تجاه أمتي وتجاه
أبناء العراق، وتزداد حالتي كلما وجدت نفسي أتفرج على
التلفزيون أو أرى أحداثًا مرعبة، وكذلك إذا ضحك الناس
من حولي أقول في نفسي إخواني في فلسطين والعراق يذبحون
ونحن نضحك. والحقيقة أنني أعاني من الفراغ فأنا أعيش
في الغربة بعيدًا عن أهلي، ولقد تأملت فيك خيرًا يا
أختي في الله، وأتمنى منك أن تساعديني بكل ما تملكين
من قوة، وهذه هي مشكلتي يا أختي العزيزة، وبارك الله
فيك، وجعل ما تقومين به من خير في ميزان حسناتك.
قرأت اليوم استشارة وهي بعنوان
) لماذا تنتقدون الصوفية ) وقد
كتبت في ردك على الشخص الناقد قصة رجل قال عذبني بما
شئت إلا البعد عنك، ثم اكتشف أنه كاذب، وبالفعل هذا قد
حدث معي، وللأمانة وحتى تستطيعي مساعدتي بصورة أوضح
وأصح لأنني فعلا أريد أن أصبح إنسانة متقية والله
سبحانه وتعالى راضيا عني.
وكما قلت لك فإنه حدث لي مثل ذلك الرجل، فقد كنت أتمنى
في نفسي أن يبتليني الله سبحانه وتعالى بمصيبة أو مرض
حتى يغفر لي الله ويرضى عني، ولكن عندما ابتليت كنت
جزعة وغير صابرة وكذابة، ولعل سبب ذلك هو أنني منذ
الطفولة كنت دائما أحلم بأنني الفتاة الخارقة الأكثر
ذكاء في هذا العالم وأكثر جمالا، وكانت هذه أحلام يقظة
وليست أحلام نوم، وعندما بدأت بالتدين أيضا أردت أن
أكون أفضل إنسانة عابدة على وجه الكون، وكنت عندما
تتحدث إلي أي صديقة بأنها تصدقت أو قامت بأي عمل خيري
أقول في نفسي بأنها تستعرض.
وكذلك عندما أمرض لا أريد الدعاء بدعوى مني أنني سوف
أصبر مثل سيدنا أيوب عليه السلام وأبقى أنتظر المعجزة
من الله سبحانه وتعالى باعتباري متدينة، ويجب أن
يستجاب دعائي رغم أنني لست محافظة على صلاة النوافل
وكذلك صلاة الفجر أصليها يومًا وشهورًا لا أصليها إلا
قضاء وأحيانا أجمع الصلوات لأتفه سبب كأن أذهب لزيارة
صديقة أو أنني عندي ضيوف فلا أصلي صلاتي في وقتها.
وأيضا فإنني أكذب أحيانًا للتخلص من بعض المواقف
المحرجة أو حتى غير محرجة أحيانًا، ربما لأنني أصبحت
استسهل الكذب وأحيانا أسخط والعياذ بالله أستغفره
وأتوب إليه؛ لأنني طبعي خجول وأضع لي عذرًا بأنني كذبت
لأنني خجولة، وهذا ليس بيدي الله هكذا خلقت وليس بيدي
حيلة. وأعتقد في قرارة نفسي أنني إنسانة صالحة، وأدعو
الله سبحانه وتعالى أن يصلح من حالي دون أي بادرة مني
لتغيير نفسي والتوقف عن المعاصي التي ذكرتها، فقط
أنتظر المعجزة لتغير من حالي.
وتلك الأفكار التي تعلمتها فعلا أفكار يقتنيها بعض
الناس ويعلموننا إياها، وقد أدت بالفعل إلى إرهاقي
نفسيًا، وجعلتني تلك الأفكار أضغط على نفسي كثيرًا،
ولكن أيضا أنا كنت لدي القابلية، وكذلك ربما هي ليست
أفكارًا صوفية كما أوضحت أنت في ردك على الاستشارة،
إنما هي حركة مغرضة تريد تحريف الدين وتضليل الصوفية.
من هذه الأفكار مثلا يقولون يجب ألا تفرحي كثيرا؛ لأن
الله لا يحب الفرحين، وكذلك يجب ألا تحبي أهلك كثيرا؛
لأنك إن أحببتهم كثيرا فيسكون حبهم في نفسك أعظم من حب
الله ورسوله، وبالتالي فأنت لست بمؤمنة، وأنا لا
أستطيع التحكم في مشاعري بأن أطلب منها أن تحب قليلاً
أو كثيرًا، إنها مشاعر لا نستطيع التحكم بها برأيي،
وبذلك صرت أعامل كل من حولي بقسوة حتى أثبت لنفسي أنني
لا أحبهم كثيرًا.
وكما قلت لك يحرمون كل شيء الضحك حرام، ويقولون بأن
الرسول صلى الله عليه وسلم لم يضحك في حياته قط،
والنكت حرام فهي نوع من الكذب، ومشاهدة التلفزيون حرام
فلم أعد أشاهد التلفزيون أو أفتحه، وليس لدي شيء أروح
به عن نفسي، فأنا كنت من عائلة جدًّا محافظة ولم يكن
لدينا في عائلتنا مكان للنزهات فأقضي كل الإجازة
الدراسية فقط في البيت، أحيانا أبقى شهرًا كاملا لا
أخرج من البيت.
وكذلك من الأفكار الصوفية دراسة المرأة حرام وخروجها
من المنزل حتى لأجل العلم حرام.. هذه أفكار يتداولها
المتدينون، ربما تكون حركة من أعداء الدين لكي ينفرونا
من ديننا. ومع غياب الوعي وتعدد الفتاوى وقولهم لنا
عندما نعترض عن فكرة معينة بأنها غير منطقية بأنها
فتوى الشيخ فلان ويجب عليك عدم تكذيب الشيخ أو
الاستهزاء برأيه، ونحن طبعًا لا نعرفه، ومن هذا الباب
نجد أنه يجب علينا اتباع كل ما يقال.
وحسب رأيهم نتقي الفتنة عندما تتعدد الفتاوى والآراء
فنأخذ أصعب شيء وهو بأن ذلك الشيء حرام ونتركه، ومثال
ذلك صوت المرأة عورة ويجب عليها ألا تتحدث مع الرجال،
ومن منطلق القاعدة السابقة يجب عدم التحدث مع الرجال،
وبالتالي يجب عدم الخروج من المنزل؛ لأنك إذا خرجت
فبالتأكيد ربما تصادفين رجالا وتتحدثين معهم فاتقي
الفتنة وابقي في البيت.
وأيضًا هناك أفكار أخرى مثل لا تلبسي لباسًا يظهرك
بمظهر جميل حتى إن كان هذا اللباس مستوفيًا لشروط
الحجاب بأن يكون عبارة عن جلباب واسع وقماشه سميك ولكن
لونه أزرق ومعه إيشارب متناسق مع الجلباب؛ فيعتبرون
ذلك فتنة ويجب أن يكون منظرك غير لافت، وفي لباسك ذلك
يكون مظهرك لافتًا للنظر.
وأيضا مطلوب منك الزهد في كل شيء حتى إن بعض أشخاص
قاموا بتحطيم أثاث المنزل وعمل مسامير في الجدران
لتعليق ثيابهم؛ وهو ما أدى إلى مشاكل مع أهلهم، وطبعًا
كانوا يكفرون أهلهم بأنهم مسرفون والمسرفون إخوان
الشياطين، وأيضا تكفير كل من لا يصلي وعدم مصاحبته
وقطع صلتهم به حتى إن كانت تربطهم به صلة رحم قوية
جدًّا، ولا يأخذون المسألة باللين حتى يهدوا من يحبون
إلى الطريق الصحيح.
وكذلك عدم حضور حفلات الزفاف التي تكون غير مختلطة أي
فيها نساء فقط؛ وذلك لأنهم يضعون أشرطة غناء في جهاز
الراديو كاسيت، وبالتالي تصبح هناك قطيعة بين الأقارب
والجيران، وأيضا عدم استخدام أي نوع من الروائح من
منطلق إذا شم رجل رائحة امرأة فإنها زانية، وبالتالي
تجدين رائحة المتدينات لا تطاق.
أيضا بدعوى الخوف من الله فقط وصلت بهم الحال بأن
يتطاولوا على والديهم، ويقولون لهم نحن لا نخاف منكم
فالخوف من الله فقط.المهم كل أفعالهم فيها تشويه
للمسلم وللدين؛ حيث تجدين المتدين شخصًا لا يطاق
متزمتًا لا يضحك لا يحب الخروج من المنزل بدعوى اتقاء
الشبهات، ينظر إلى الناس باستهزاء وبأنهم كلهم كافرون
ولا خير فيهم، وهذا مع عرفته من التدين.
وكذلك في بداية تديني كانوا يحدثوننا عن عذاب القبر
ويقولون لنا فيه أفاع وخنافس وعقارب وحشرات مخيفة سوف
تجدينها، والمفروض أننا في بداية التدين ونحن مازلنا
في سن المراهقة ألا نتعرض لتلك المسائل، بل يجب أن
نعرف الله سبحانه وتعالى ونحبه.
وأشكرك مرة أخرى من كل قلبي، وأرجو ألا تظني بي أنني
فتاة لاهية، بل إنني حقيقة مريضة وأعاني كما أخبرتك،
وأردت أن أخبرك بكل ما لدي حتى أكون صادقة معك
وتستطيعي مساعدتي، وإذا أردت أن تسأليني أي شيء فسوف
أجيبك بدون كذب أو تزييف لثقتي الكبيرة فيك. وأشكرك يا
دكتورة ليلى على اهتمامك رغم كثرة انشغالك، وأتمنى لك
التوفيق في حياتك. |