الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (زوجية) نفوس معذبة وضلالات أدعياء التصوف

 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحب أن أخبرك أنني أحبك جدًّا في الله، وأتمنى أن نلتقي رغم بعد المسافة.
كنت أتابع استشاراتك وكانت تعجبني جدًّا، ولقد بدأت قصتي منذ بلوغي فقد تدينت في ذلك الوقت؛ ولأن بلدنا لا يوجد فيه دور فقه لتعلم أمور الدين ولا تجدين من تسألين رغم وجود شيوخ لدينا لصعوبة الوصول إليهم.. كانت وسيلتي الوحيدة لإشباع رغبتي في علوم الدين تلك الكتب التي أجدها عند صديقاتي والتي يمنع تداولها، وألتقط من هنا وهناك ما يجب عليّ فعله من عبادات.
ووجدت كل شيء حرامًا وممنوعا، حتى الضحك حرام، وأخذت أنفذ ما يقال لي بالضبط، وأضغط على نفسي حتى أتذوق لذة الإيمان، وبكثرة الضغط وأنا في سن المراهقة انفجرت فقد استيقظت ذات ليلة في منتصف الليل وأصابتني رعدة قوية وخوف من أن أموت وكان قبلها بالضبط قد توفيت قريبة لي في تلك الفترة.

المهم ومنذ تلك الليلة وأنا أتعذب، نصحوني بكثرة الصلاة وقراءة القران؛ لأن هذا وسوسة الشيطان، وزادت حالتي سوءًا وذلك لأنني بدأت أقول في نفسي لماذا خلقنا الله؛ هل ليعذبنا... هكذا؟ وكنت أتضايق لأنني أقول ذلك في نفسي فأستغفر كثيرًا.

وكانوا يشككونني في صلاتي، من قال إنها مقبولة؟! وأعمال الخير من صدقة وصوم ومعاملة الناس بالحسنى كلها يقولون لي من قال إنها ستقبل؟! ربما نحن في الدرك الأسفل، ويجب عليك ألا تفرحي بأي عمل خير قمت به؛ لأن فرحك به سوف يودي بك إلى التهلكة.

 وأخذت أضغط على نفسي؛ فلا أريد أن أكون من المهلكين، وبدأت تلك الأفكار تراودني من شدة الضغط الشديد على النفس لكي لا تخطئ، وليس هناك من لا يخطئ، وصرت أعظم الذنب في نفسي حتى يغفر الله لي؛ لأنني لو لم أعظمه في نفسي فسيكون عند الله عظيما. وهكذا كانت حالتي أكره أن أستيقظ من النوم، أريد أن أكون نائمة طوال اليوم حتى أهرب من أفكاري، وأصبحت مهملة في كل شيء في دراستي وفي واجباتي نحو أقاربي، ولا يمر عليّ يوم لا أبكي فيه، وصرت أكره التدين وأكره أنني تعلمت، وأتمنى أن أكون مثل الجاهلات مرتاحة البال وأحلم وألعب وأعيش حياتي كأي فتاة عادية.

 ثم بعدها تزوجت وما زالت حالتي كما هي، وكذلك أنجبت أطفالا وأنا أعاملهم بقسوة؛ لأن أعصابي مرهقة جدًّا، وأنا أكتب حالتي يرثى لها أكاد أجن، يدأي ترتجفان وأنا أكتب، وقلبي يدق بسرعة لأنني تنتابني حالة الخوف الشديد من الموت ولا أستطيع الهروب منها، وأصبحت أتنفس بصعوبة وقلبي يرتجف وكل أطرافي حتى تصبح أطرافي مثلجة من شدة الخوف.

المهم هي نوبات فزعية تبقى معي لفترة طويلة أحيانا يومًا كاملا، وبعدها أحس بالشلل التام في جسمي كله، فلا تعود لدي رغبة لا في تربية أولاد ولا في نظافة منزل ولا في ممارسة مع زوجي، وجهي امتلأ بالحَب وشعري بالشيب، وأكره الوقوف أمام المرآة لمشاهدة نفسي، وصرت قليلة الرغبة الجنسية مع زوجي حتى هو لاحظ ذلك فلا أطلبه إلا إذا طلبني هو ويرى وجهي شاحبًا رغم أنني أحاول أن أسعده؛ لأنه والحمد لله طيب ورقيق جدا وهو يحبني كثيرا وكذلك أنا. وأنا لدي طفلان جميلان، ولكنني أعاملهما بعنف نظرًا لحالتي النفسية، وقد أخبرت زوجي عن حالتي؛ فقال كفي عن التفكير فقط ولم تعجبه فكرة الذهاب إلى الطبيب النفسي، وأنا ليس لدي حيلة.

إني أتعذب كثيرًا ولم أعد أحدث زوجي عن حالتي بعد ذلك اليوم، وإنني لا أستطيع الصلاة ولا أفهم ماذا أقول وأنا أصلي، وذلك لشعوري بالتقصير تجاه أمتي وتجاه أبناء العراق، وتزداد حالتي كلما وجدت نفسي أتفرج على التلفزيون أو أرى أحداثًا مرعبة، وكذلك إذا ضحك الناس من حولي أقول في نفسي إخواني في فلسطين والعراق يذبحون ونحن نضحك. والحقيقة أنني أعاني من الفراغ فأنا أعيش في الغربة بعيدًا عن أهلي، ولقد تأملت فيك خيرًا يا أختي في الله، وأتمنى منك أن تساعديني بكل ما تملكين من قوة، وهذه هي مشكلتي يا أختي العزيزة، وبارك الله فيك، وجعل ما تقومين به من خير في ميزان حسناتك.

قرأت اليوم استشارة وهي بعنوان ) لماذا تنتقدون الصوفية ) وقد كتبت في ردك على الشخص الناقد قصة رجل قال عذبني بما شئت إلا البعد عنك، ثم اكتشف أنه كاذب، وبالفعل هذا قد حدث معي، وللأمانة وحتى تستطيعي مساعدتي بصورة أوضح وأصح لأنني فعلا أريد أن أصبح إنسانة متقية والله سبحانه وتعالى راضيا عني.

وكما قلت لك فإنه حدث لي مثل ذلك الرجل، فقد كنت أتمنى في نفسي أن يبتليني الله سبحانه وتعالى بمصيبة أو مرض حتى يغفر لي الله ويرضى عني، ولكن عندما ابتليت كنت جزعة وغير صابرة وكذابة، ولعل سبب ذلك هو أنني منذ الطفولة كنت دائما أحلم بأنني الفتاة الخارقة الأكثر ذكاء في هذا العالم وأكثر جمالا، وكانت هذه أحلام يقظة وليست أحلام نوم، وعندما بدأت بالتدين أيضا أردت أن أكون أفضل إنسانة عابدة على وجه الكون، وكنت عندما تتحدث إلي أي صديقة بأنها تصدقت أو قامت بأي عمل خيري أقول في نفسي بأنها تستعرض.

 وكذلك عندما أمرض لا أريد الدعاء بدعوى مني أنني سوف أصبر مثل سيدنا أيوب عليه السلام وأبقى أنتظر المعجزة من الله سبحانه وتعالى باعتباري متدينة، ويجب أن يستجاب دعائي رغم أنني لست محافظة على صلاة النوافل وكذلك صلاة الفجر أصليها يومًا وشهورًا لا أصليها إلا قضاء وأحيانا أجمع الصلوات لأتفه سبب كأن أذهب لزيارة صديقة أو أنني عندي ضيوف فلا أصلي صلاتي في وقتها.

 وأيضا فإنني أكذب أحيانًا للتخلص من بعض المواقف المحرجة أو حتى غير محرجة أحيانًا، ربما لأنني أصبحت استسهل الكذب وأحيانا أسخط والعياذ بالله أستغفره وأتوب إليه؛ لأنني طبعي خجول وأضع لي عذرًا بأنني كذبت لأنني خجولة، وهذا ليس بيدي الله هكذا خلقت وليس بيدي حيلة. وأعتقد في قرارة نفسي أنني إنسانة صالحة، وأدعو الله سبحانه وتعالى أن يصلح من حالي دون أي بادرة مني لتغيير نفسي والتوقف عن المعاصي التي ذكرتها، فقط أنتظر المعجزة لتغير من حالي.

 وتلك الأفكار التي تعلمتها فعلا أفكار يقتنيها بعض الناس ويعلموننا إياها، وقد أدت بالفعل إلى إرهاقي نفسيًا، وجعلتني تلك الأفكار أضغط على نفسي كثيرًا، ولكن أيضا أنا كنت لدي القابلية، وكذلك ربما هي ليست أفكارًا صوفية كما أوضحت أنت في ردك على الاستشارة، إنما هي حركة مغرضة تريد تحريف الدين وتضليل الصوفية.

من هذه الأفكار مثلا يقولون يجب ألا تفرحي كثيرا؛ لأن الله لا يحب الفرحين، وكذلك يجب ألا تحبي أهلك كثيرا؛ لأنك إن أحببتهم كثيرا فيسكون حبهم في نفسك أعظم من حب الله ورسوله، وبالتالي فأنت لست بمؤمنة، وأنا لا أستطيع التحكم في مشاعري بأن أطلب منها أن تحب قليلاً أو كثيرًا، إنها مشاعر لا نستطيع التحكم بها برأيي، وبذلك صرت أعامل كل من حولي بقسوة حتى أثبت لنفسي أنني لا أحبهم كثيرًا.

وكما قلت لك يحرمون كل شيء الضحك حرام، ويقولون بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يضحك في حياته قط، والنكت حرام فهي نوع من الكذب، ومشاهدة التلفزيون حرام فلم أعد أشاهد التلفزيون أو أفتحه، وليس لدي شيء أروح به عن نفسي، فأنا كنت من عائلة جدًّا محافظة ولم يكن لدينا في عائلتنا مكان للنزهات فأقضي كل الإجازة الدراسية فقط في البيت، أحيانا أبقى شهرًا كاملا لا أخرج من البيت.

وكذلك من الأفكار الصوفية دراسة المرأة حرام وخروجها من المنزل حتى لأجل العلم حرام.. هذه أفكار يتداولها المتدينون، ربما تكون حركة من أعداء الدين لكي ينفرونا من ديننا. ومع غياب الوعي وتعدد الفتاوى وقولهم لنا عندما نعترض عن فكرة معينة بأنها غير منطقية بأنها فتوى الشيخ فلان ويجب عليك عدم تكذيب الشيخ أو الاستهزاء برأيه، ونحن طبعًا لا نعرفه، ومن هذا الباب نجد أنه يجب علينا اتباع كل ما يقال.

وحسب رأيهم نتقي الفتنة عندما تتعدد الفتاوى والآراء فنأخذ أصعب شيء وهو بأن ذلك الشيء حرام ونتركه، ومثال ذلك صوت المرأة عورة ويجب عليها ألا تتحدث مع الرجال، ومن منطلق القاعدة السابقة يجب عدم التحدث مع الرجال، وبالتالي يجب عدم الخروج من المنزل؛ لأنك إذا خرجت فبالتأكيد ربما تصادفين رجالا وتتحدثين معهم فاتقي الفتنة وابقي في البيت.

 وأيضًا هناك أفكار أخرى مثل لا تلبسي لباسًا يظهرك بمظهر جميل حتى إن كان هذا اللباس مستوفيًا لشروط الحجاب بأن يكون عبارة عن جلباب واسع وقماشه سميك ولكن لونه أزرق ومعه إيشارب متناسق مع الجلباب؛ فيعتبرون ذلك فتنة ويجب أن يكون منظرك غير لافت، وفي لباسك ذلك يكون مظهرك لافتًا للنظر.

 وأيضا مطلوب منك الزهد في كل شيء حتى إن بعض أشخاص قاموا بتحطيم أثاث المنزل وعمل مسامير في الجدران لتعليق ثيابهم؛ وهو ما أدى إلى مشاكل مع أهلهم، وطبعًا كانوا يكفرون أهلهم بأنهم مسرفون والمسرفون إخوان الشياطين، وأيضا تكفير كل من لا يصلي وعدم مصاحبته وقطع صلتهم به حتى إن كانت تربطهم به صلة رحم قوية جدًّا، ولا يأخذون المسألة باللين حتى يهدوا من يحبون إلى الطريق الصحيح.

وكذلك عدم حضور حفلات الزفاف التي تكون غير مختلطة أي فيها نساء فقط؛ وذلك لأنهم يضعون أشرطة غناء في جهاز الراديو كاسيت، وبالتالي تصبح هناك قطيعة بين الأقارب والجيران، وأيضا عدم استخدام أي نوع من الروائح من منطلق إذا شم رجل رائحة امرأة فإنها زانية، وبالتالي تجدين رائحة المتدينات لا تطاق.

أيضا بدعوى الخوف من الله فقط وصلت بهم الحال بأن يتطاولوا على والديهم، ويقولون لهم نحن لا نخاف منكم فالخوف من الله فقط.المهم كل أفعالهم فيها تشويه للمسلم وللدين؛ حيث تجدين المتدين شخصًا لا يطاق متزمتًا لا يضحك لا يحب الخروج من المنزل بدعوى اتقاء الشبهات، ينظر إلى الناس باستهزاء وبأنهم كلهم كافرون ولا خير فيهم، وهذا مع عرفته من التدين.

وكذلك في بداية تديني كانوا يحدثوننا عن عذاب القبر ويقولون لنا فيه أفاع وخنافس وعقارب وحشرات مخيفة سوف تجدينها، والمفروض أننا في بداية التدين ونحن مازلنا في سن المراهقة ألا نتعرض لتلك المسائل، بل يجب أن نعرف الله سبحانه وتعالى ونحبه.

وأشكرك مرة أخرى من كل قلبي، وأرجو ألا تظني بي أنني فتاة لاهية، بل إنني حقيقة مريضة وأعاني كما أخبرتك، وأردت أن أخبرك بكل ما لدي حتى أكون صادقة معك وتستطيعي مساعدتي، وإذا أردت أن تسأليني أي شيء فسوف أجيبك بدون كذب أو تزييف لثقتي الكبيرة فيك. وأشكرك يا دكتورة ليلى على اهتمامك رغم كثرة انشغالك، وأتمنى لك التوفيق في حياتك.

 
 
 

 
 
 
   

أبدأ ردي لك بشكري على ثقتك وتقديري لعواطفك، وإن كنت أصارحك أنني أشعر بالحيرة أمام حالتك التي ترجع إلى تنشئة خاطئة، وأدعو الله أن يلهمني الرشد لأكون قادرة على تقديم المساعدة المرجوة رغم حجاب الإنترنت الكثيف؛ إذ إن مشكلتك بحاجة إلى أخذ ورد ومتابعة أتمنى ألا يحول هذا الحجاب دونها، ولعل أمنيتي تكون سهلة التحقيق إذ يبدو أنك استفدت من بعض الردود غير الموجهة لك، فلعل هذا الرد الخاص بك يساعدك لتتجاوزي أزمتك النفسية، وأرى أن الحكمة تقضي بتجزيء مشكلتك إلى أجزاء أحاول من خلالها لمّ التبعثر هنا وهناك بين الماضي والحاضر والمستقبل، والله المستعان:

لنأت أولا على الأفكار الخاطئة الناجمة عن نشأة متزمتة والتي انتبهت لها، وبما أنها ما زالت تسري بين الكثيرين خاصة المتدينين الجدد وتنتشر انتشار النار في الهشيم، فتحرق الأخضر واليابس وتدمر النفسية وتسيء إلى الشخصية؛ فأرى أن الواجب يدعو لتفنيدها أو تصحيحها أو الرد عليها، ومنها:

أولا: عدم الضحك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يضحك قط، فهذا افتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد وُصِف بأن جُلّ ضحكه التبسم، وهذا لا يعني أنه كان لا يضحك، بل معناه أن الوقار يعلوه حتى في ضحكه، وقد ورد في السيرة مزاحه لأصحابه ودعابته اللطيفة لهم، فقد جاءته امرأة عجوز تسأله أن يدعو الله لها لتدخل الجنة، فقال لها مداعبا: "أوما علمت أن الجنة لا تدخلها عجوز؟" فولَّت تبكي فقال: "ردوها، أما قرأت قوله تعالى: {إنا أنشأناهن إنشاء. فجعلناهن أبكارا. عربا أترابا}؟". وجاءه أعرابي يسأله أن يمنحه ناقة يركب عليها في سفره فقال له: "إنا حاملوك على ولد ناقة!" فقال: "وما أصنع به يا رسول الله؟" فقال: "وهل تلد الإبل إلا النوق؟".

وقصص الصحابي نعيمان مشهورة؛ إذ كان يمازح رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يدخل المدينة طرفة إلا اشترى منها ثم يجيء إلى رسول الله فيقول: هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبها يطالب نعيمان بثمنها جاء به إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيقول: يا رسول الله أعط لهذا ثمن متاعه، فيقول عليه الصلاة والسلام: "أولم تهده لي؟!" فيقول: "يا رسول الله، والله لم يكن عندي ثمنه، ولقد أحببت أن تأكله"، فيضحك رسول الله ويأمر لصاحبه بثمنه.

 ومن فكاهات نعيمان أنه خرج مع أبي بكر (رضي الله عنه) في تجارة، فأراد أن يأكل من الطعام في غياب أبي بكر، فلم يعطه الصحابي الموكل بالطعام، فذهب نعيمان إلى قافلة فادعى أن الصحابي هو عبد له ويريد أن يبيعه، فاشتروه ودفعوا له ثمنه، ولما رفض الصحابي أن يذهب معهم، ساقوه بالقوة، فجاء أبو بكر فعلم الخبر فاتبع القوم ورد لهم مالهم وأخذ الصحابي منهم، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر فضحك من ذلك هو وأصحابه حولا كاملا. فهذا نعيمان صاحب مقالب -كما نقول في زمننا- ولم يعترض عليه الرسول (صلى الله عليه وسلم)، بل ضحك من أفعاله، وليس كما يقول المتزمتون.

ثانيا: مشاهدة التلفزيون حرام، فهذا كلام مردود إذا قصد به التعميم، فكيف يمكن للمرء أن يعلم ما يحدث في العالم، وهو أمر مأمور به المسلم أن يكون متابعًا للأحداث العالمية وليس فقط لما يجري في بلده أو وطنه العربي، والدليل على ذلك سورة الروم؛ إذ ذكر القرآن نبأ فارس والروم، وقد كانتا الدولتين المهيمنتين آنذاك على العالم العربي.

ومن المعلوم أن الإنسان بحاجة إلى الترويح عن نفسه، وقد يكون التلفزيون إحدى هذه الوسائل إذا ساعد على نشر معلومة أو ثقافة أو تسلية مباحة؛ فالتلفزيون وسيلة إما نافعة أو ضارة حسب الغاية التي يؤديها، ويجب أن تكون هذه الوسيلة مباحة شرعًا، وإذا اختلطت المفسدة والمصلحة في نفس الوسيلة فليس من الصعب التمييز بين الحلال والحرام؛ إذ الحرام هو كل ما كان ضارا بديننا وثقافتنا الإسلامية؛ فيمكنك الابتعاد عن المسلسلات المدبلجة والأفلام التجارية وأغاني الفيديو كليب العارية وما شابه.وإذا سألتني رأيي الشخصي فأرى أنه من الواجب أن نعلي ثقافة المناعة ونكف عن ثقافة المنع، فكما قال عمر رضي الله عنه: "إنما ينحل الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية".
والتلفزيون والسينما وسيلتان لنتعرف على ثقافة الغرب ونعرف كيف ننقدها أو كيف نستفيد منها، وقد منح الله المسلم عينين وأذنين ليستخدمها كرادارات فيرصد الإيجابي ويعمق مفاهيمه ويسلط الضوء على السلبي ويحذِّر منه، أما إذا كان المرء يعرف قدراته وأنه لن يستطيع مقاومة إغراء أي منهما، فهنا عليه أن يزيد من جرعات لقاحاته المناعية الإيمانية أولا، قبل أن يدخل في حمأة المرض دون أن يستطيع مقاومته.

ثالثا: الترويح عن النفس مطلوب للتجدد، وقد قال علي رضي الله عنه: "روِّحوا القلوب، فإنها إذا كلّت عميت"، وفي الحديث الذي ورد عن حنظلة أنه شكا للرسول صلى الله عليه وسلم نفاقه، وفسر هذا النفاق بالتناقض بين حاله الصالحة عند رسول الله وبين حاله السيئة التي تنتج عن خوضه في أمور دنيوية لا بد منها، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: "والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة في فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة"، أي أننا لسنا ملائكة لنكون دائما على حال واحدة من الذكر والعبادة، ولكن لا بد أن نعمل لدنيانا كأننا نعيش أبدا ونعمل لأخرانا كأننا نموت غدًا.

رابعا: عدم الفرح بالعمل الصالح بحجة أننا لا نعرف إذا كان الله يقبله أم لا، فهذا ليس من صفات المؤمن؛ لأن المؤمن هو ذو الشعور الحي، والذي إذا عمل سيئة ساءته سيئته، وإذا عمل حسنة سرته حسنته؛ وقلب المؤمن معلق بين الرجاء والخوف، فلا يتغلب أحدهما على الآخر، ولا يعني فرحه بعمله الصالح أن يعجب به، بل إن يشكر الله الذي وفقه إليه، فهذا اختلاط بالمفاهيم يؤدي إلى اليأس والقعود عن العمل الإيجابي ويوصل إلى حالتك المتردية وأكثر.

خامسا: الاعتراض على أن تحبي الآخرين؛ لأن معنى هذا -برأي هؤلاء المتشددين- أنك لا تحبين الله، فهذه مفاهيم صوفية منحرفة، ولك حق في اعتراضك أنك لا تستطيعين منع قلبك أن يحب أهلك مثلا، ولا أستغرب هذه المفاهيم، فقد ورد عن الفضيل بن عياض - رحمه الله - وهو من أكابر المتصوفين أنه قبّل ابنا صغيرا له، فقالت له ابنته الكبرى: أتحبه؟ قال: نعم، فاعترضت أن في هذا إشراكا مع الله بحجة أنه يجب أن يحب الله وأن يرحم الأطفال، فاستسلم لها الفضيل وقال: غلبني أولادي!
وتعليقي أن هذا غلوّ لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بل عندما سئل من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، ولما سأله السائل: أقصد من الرجال؟ قال: أبوها؛ ولم يقل عليه الصلاة والسلام: لا يجوز أن أحب غير الله لأن هذا شرك بالله، فما هذه التشوهات؟

 صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر؛ ولكن جهاد وصحبة" فهذا لا يعني أنه لم يحب أبا بكر، وإلا لكان كلامه الأول يناقض كلامه الثاني وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك، بل كان يقصد أن يعلي من قيمة أبي بكر أمام أصحابه الآخرين، وفي نفس الوقت يعلمهم أنه لا يفضل أحدا على أحد بالمعاملة كقوله: "ربي هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك".

إذن لا يملك المرء مشاعره، بل على العكس إن ديننا مبني على الحب، وقد علمنا من حب يعقوب لابنه أنه فقد بصره من شدة بكائه له؛ ومع ذلك فالحب شيء والتعلق شيء آخر، ومن الأفضل ألا نعلق قلوبنا بمخلوق فان، وكما قال د. مصطفى السباعي رحمه الله: "من أدرك أسرار الحياة علم أنه ليس جديرًا بالحب إلا الله تعالى"، لكن لا يعني هذا عدم الحب للآخرين، فكيف أتواصل مع البشر سواء الزوج أو الإخوة أو الأبوين أو الأولاد أو الأقارب أو خاصة المسلمين وعامتهم إذا لم يكن قلبي ممتلئا بالحب لهم؟

سادسا: أفكارهم عن المرأة وضرورة أن تلازم بيتها، فهذا مفهوم أرجعه أنا شخصيا إلى أن الدين استغل من قبل فقهاء السلطان، الذين ارتأوا أن يريحوا أنفسهم من "وجع الدماغ" بتهميش نصف المجتمع الممثل بالمرأة؛ وهو ما يؤدي إلى جهل المجتمع كله لأن المرأة هي التي تربي الطفل وتجعله رجلا؛ فالمرأة الخانعة الذليلة الجاهلة الأَمَة ستنشئ جيلا خانعا جاهلا ذليلا اعتاد على العبودية عندما رأى أمه أَمَة لأبيه، فلن يستطيع أن يرفع صوته على الحاكم المستبد لكن يرفعه على زوجته في البيت ويثبت رجولته -والرجولة لا تختلف عن الذكورة عند كثيرين- على أمه أو أخته أو زوجته أو ابنته، أي كل ما ينتسب للضلع القاصر.

أما الحقيقة فهي أن المرأة في العهد النبوي كان لها دور كبير في نشر الدعوة والجهاد، ويكفي أن أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم كان امرأة هي زوجته خديجة، وأول من عُذِّب واستشهد في سبيل الله كان امرأة هي سمية أم عمار بن ياسر. وتحكي لنا السيرة قصة أم جميل بنت الخطاب (فاطمة بنت الخطاب) التي كانت سببًا في إسلام أخيها عمر رضي الله عنه، وهي واحدة من كثيرات استطعن أن يكتمن سر الدعوة.

ومن هؤلاء أسماء ذات النطاقين التي ربت ابنها على العبودية لله فقط، فكان ممن وقفوا أمام طغيان الحجاج، وقد كان لها موقف معه بعد أن قتل ولدها، فلم تلبي أمره بالمجيء إلى قصره، فذهب إليها واستهزأ بابنها فردت عليه برد هو عبرة لكل ظالم: "لا أراك إلا خربت عليه دنياه وخرب عليك آخرتك؛ وقد أعلمنا رسول الله أن من ثقيف كذابًا ومبيرًا، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا أراه إلا أنت". والمبير هو الظالم المهلك لقومه، فأي شجاعة هذه؟ وهل ننسى شجاعة أم سليم وأم عمارة ورفيدة وصفية وأم عطية وغيرهن من الصحابيات في الجهاد وفضلهن في الهجرة؟

أما بالنسبة للباس المرأة فهو اللباس الشرعي المحتشم الذي لا يشفّ ولا يصف، ولا يتنافى هذا مع تناسب الألوان فالله جميل يحب الجمال، وأمرنا رسول الله عليه الصلاة والسلام أن نكون كالشامة في أعين الناس رجالا ونساء؛ وطبعًا الشامة الأنثى لا يجوز أن تكون متبرجة متعطرة كما لا يجوز أن تكون ذات رائحة منفرة!

 سابعا: الملتزمون وفهمهم الخاطئ للزهد والخلط بين الخوف من الله وعقوق الوالدين، فهذا كله دليل قلة علم ونقص عقل، فعندما سئل الرسول عليه الصلاة وسلم عن الزهد قال: "أن تكون في يد الله أغنى منك مما في يدك"؛ فالزهد لا يمنع من التمتع بطيبات الحياة الدنيا، إنما هو أن تكون الدنيا في اليد وليس في القلب؛ وتحريم الطيبات سواء كانت من الطعام أو الأثاث أو اللباس ينافي هذه المعاني فقد قال الله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة}. {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا}.
وتصرفاتهم مع والديهم ليست من الدين في شيء؛ فالخوف من الله يجعل المسلم رحيمًا بوالديه بارًا بهما يطلب رضا الله في طاعتهما ما لم يأمرا بمعصية، وفي نفس الوقت لا يجوز للوالدين التسلط واستغلال هذا الحق بشكل يلغي شخصية الأولاد فيصبحون تابعين لأبويهما ومستنسخين منهما، فسنة الحياة هي الاختلاف والتنوع.

 ثامنا: عصمة الشيوخ وعدم الاعتراض عليهم؛ فقد ناقشت هذا في ردي الذي أشرت إليه عن الصوفية، وهو سبب كذلك في التشوهات إذ يعتقد كل مريد أن شيخه معصوم فيتعصب كل منهم لجماعته وشيخه، أو يقلد طريقته في المشي والحركة والصوت، وكل هذا مذموم وقبيح؛ لأنه يؤدي إلى ذوبان الشخصية والانتصار لشخص وليس الانتصار للحق؛ ولقد اعترض بعض الصحابة على الرسول صلى الله عليه وسلم مثل عمر وغيره في صلح الحديبية رغم أنهم يعرفون أنه رسول الله وأنه معصوم، فما بالك ببعض الشيوخ الذين ما هم إلا بشر فكيف يكون كلامهم وحيا يوحى؟
طبعا يجب احترام العلماء خاصة الصادقين منهم، ولكن حتى هؤلاء يؤخذ من كلامهم ويرد، أما من يلبسون جبة العلماء ويتزيون بزي الفقهاء وليس في قلوبهم إلا حب المال والجاه والشهرة؛ فهؤلاء يجب الرد عليهم والتنبيه لأغلاطهم؛ لأنهم يجرّون الوبال على الأمة، ومن هؤلاء فتاوى بعضهم بالجهاد في العراق، فأي جهاد هذا الذي لا غاية منه إلا التخلص من جماعات الشباب المسلم برميهم في مقبرة جماعية المتمثلة بآلة الحرب التي لا تبقي ولا تذر؟

تاسعا: تمنيك للبلاء وأنك ستصبرين عليه ثم جزعك وعدم صبرك، فهذا خطأ، وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسأل الله العافية، وورد أنه رأى رجلا كأنه الصوف المنتوف، فسأله إن كان له دعوة يدعو بها الله، فأخبر الرجل أنه يدعو الله بأن يقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فعلمه صلى الله عليه وسلم أن يقول: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}، فلندع الله دائما أن يجعلنا عبيد إحسان ولا يجعلنا عبيد امتحان. وعلى كل حال فقد ذكرتُ قصة ابن الفارض (رحمه الله) لا لأقول إنه كاذب، حتى لو اعترف هو بذلك، فأشعاره في الحب الإلهي لا يخفى جمالها.

عاشرا: تخويف الناشئين بعذاب القبر، فهذا أمر له عاقبته التي يبدو أنها ما تزال ملازمة لك، فتخافين من الموت، وعذاب القبر، وهذا ليس من شأن المسلم الذي يعرف أن الله سبحانه غفور رحيم وأنه كما قال سبحانه عن نفسه: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، وقال: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا}.
وورد أن أعرابيا سأل رسول الله عليه الصلاة والسلام: من يحاسب الناس يوم القيامة؟ فقال: الله، فقال الأعرابي: ألله بنفسه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، الله بنفسه. فقال الأعرابي: إن الكريم إذا قدر عفا. فقال عليه الصلاة والسلام: فَقِه الأعرابي.أي فهم أن العفو عند المقدرة من شيم الكرام، هذا في البشر فكيف الله؟

أشعر أن إجابتي قد طالت فدعيني أتكلم الآن عن وضعك الحالي وكيف يجب أن تتصرفي لتخرجي من إسار هذه الأفكار السيئة: عليك أن تختاري مكانًا وسطًا بين طرفي التطرف فلا إفراط ولا تفريط، فأحبي الله ورسوله، وأحبي زوجك وطفليك وعائلتك، وابتعدي عن الأفكار الوسواسية فقد خلقنا الله سبحانه لنعمر الكون بالحكمة والرحمة، وليس كي نقضي وقتنا باكين نادبين أنفسنا قبل موتنا، والحياة هي نعمة من الله سبحانه فيجب أن نقضيها في تطوير أنفسنا وبناء مجتمعاتنا وتكوين أسرنا على أساس متين من حب هذا الدين الذي هو الثوب السابغ للفطرة الإنسانية، فإن لأطفالك عليك حقا ولذلك يجب أن تشعريهم بحبك وحنانك، كي ينشئوا على حب الحياة وحب الناس؛ وإن لزوجك عليك حقا فأحبيه وامنحيه ما يريد منك لأن لك في متعتك معه أجرًا كبيرًا؛ وإن لنفسك عليك حقا فأريحيها من هذا العذاب النفسي الذي ليس له سبب إلا تراكمات الطفولة ورواسب التنشئة.
وأحبي الله الذي أنعم عليك فخلقك مسلمة، وأثبتي هذا الحب بأن تداومي على طاعته وأهمها الصلاة وهي أول ما يسألنا الله عنه.وابتعدي عن التلفاز إذا كان يزيد من عذابك مناظر إخوتك دون أن تؤدي بك إلى عمل إيجابي، وقد آن لنا أن نخرج من حالة الاستسلام للبكاء والعويل والصراخ والندب، ولا بد أن حكمة الله خافية، ولا بد أن يتحقق وعده الحق: {إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} ، وتابعينا بأخبارك وبتطورات أمورك.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |