الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (زوجية) زوجة مع وقف التنفيذ - مشاركتان

 
 
 
 

المشاركة الأولى:

لقد قرأت للسيدة التي كتبت مشكلتها تحت عنوان "زوجة مع وقف التنفيذ"، وأيضًا قرأت رد الدكتورة ليلى, أولاً أحب أن أوضح أني طبيب جراح، ولست طبيبا نفسيا، وأعمل ببريطانيا منذ مدة طويلة؛ ولهذا فرأيي هنا يعكس خبرة الحياة مطعمة ببعض ما قرأت في القرآن الكريم والسنة الشريفة والكتب الدينية الأخرى.

من الواضح أن صاحبة المشكلة تحت ضغط أربعة عوامل:

1-              أنها تحاول بل ربما ترغب في استمرار زواجها.

2-              عائلتها التي لا تؤمن بالطلاق، وهذا ربما يكون من زاوية أنه مبدأ لديهم، أو لعدم رغبتهم في تحمل تبعات طلاقها الاجتماعية أو المالية أو النفسية.

3-             رغبتها في الإنجاب، وربما هذا يكون؛ لأن لها أسرة كبيرة وتعودت على هذا النمط. وهذا حق لها لا نقاش فيه.

4-              رغبتها الطبيعية كسيدة في أن تكون حياتها كاملة وسوية، خاصة أنها مارست الحياة الزوجية، وقبل كل هذا تمسكها بالإسلام وتعاليمه، وإلا ما كتبت هذه الرسالة والتي تطلب فبها آراء من يقرؤها.

لكن في نفس الوقت توجد ثغرات لا يعرفها إلا هي، منها على سبيل المثال وليس الحصر لماذا لم يتمكن الزوج من الحضور إليها؛ لأنه بالتأكيد له إجازات سنوية؟ هل هذا بسبب المصاريف أو عائلتك أو لعائلته؟

والسبب في هذا السؤال هو أنك ذكرت أن الأيام الأولى لزواجكما كانت ممتازة وسافر بعد 25 يوما من الزفاف، فلماذا هذا التغيير المفاجئ منه ومعاملته القاسية لك عندما ذهبت إليه في البلد الذي يعمل فيها؟ هذا غير واضح أو مفسر في رسالتك. ومن هنا قولي بالثغرات التي قد تضع الحروف على النقاط.
أولا يا سيدتي لقد أحسنت صنعًا بالذهاب إلى زوجك في البلد الذي يعمل به، وفي هذه النقطة بالتحديد أجد شيئا من القسوة في عتاب الدكتورة ليلى لك في الموافقة على معاشرة زوجك والإنجاب منه مرة أخرى رغم "قسوته"، وأنه كان يجب عليك الرفض.

أنت بعيدة عن زوجك مدة طويلة وذهبت إليه وعاملته بالحسنى علّه يتغير وكلك أمل في إصلاحه، وكلنا بشر، فكيف ترفض الزوجة السعيدة بالذهاب إلى زوجها وتمنعه من الاقتراب منها إلا إذا وضعت قواعد وقوانين.. هذا في الواقع صعب تنفيذه في مثل هذه الظروف، وإذا أنعم الله عليكم بطفل آخر فلا غبار في هذا على الإطلاق.الآن وقد تطورت المشاعر بعض الشيء فلا حرج في اتخاذك احتياطات لتأجيل الحمل إذا ذهبت إليه مرة أخرى، وهذا أيضا من حقك.

المهم أن تفكري الآن في وضعك معه وتناقشيه بصراحة إما بالذهاب إليه أو بالكتابة أو بالمكالمات؛ لأن توضيح المواقف هنا في غاية الأهمية. وهذا لا بد أن يتم عن طريقك أنت شخصيا وليس عن طريق أحد آخر.. أقول هذا؛ لأنها حياتك أنت، بالإضافة أنك الوحيدة التي تستطيع فهمه فيما إذا كان يريد الاستمرار في الزواج أم لا لسبب أو آخر.إذا وجدت أنه لا يريد التغيير أو القيام بواجباته الزوجية كاملة فأعتقد أنه من حقك على نفسك وأطفالك أن تفتحي صفحة جديدة في حياتك وتطلبي الطلاق منه، وإن لم يوافق فلك كامل الحق في الخلع.

أما قولك لولا تمسكك بالدين لوقعت في المحارم فهذا يعكس مقدار إيمانك، ومن هنا كان الزواج حفظًا للعفة؛ لأن الله خلقنا بهذه الغرائز لاستمرار عمارة الأرض ولا حول لنا ولا قوة في هذه الغرائز، ولكن الله وضع لها قوانين وقواعد؛ فالوقوع في المحارم إهانة لكرامة الإنسان وامتهان لها.

ويكفي أن أذكر أنه هنا في إنجلترا وبالرغم من الإباحية المطلقة فنسبة الطلاق أكثر من 85% بين المتزوجين بسبب الخيانة. أما غير المتزوجين فهم يعيشون كالحيوانات وبعضهم يسميها تجارة لحوم. والأطباء البريطانيون الصغار في السن تسمعينهم يرتبون عطلة إجازة نهاية الأسبوع، وكيف سيقضونها، والكلمة المشهورة لهم هي الذهاب إلى سوق اللحوم، وعندما سألتهم عما يقصدون قالوا لي بأنهم يقصدون صالات الرقص حتى يظفروا ببنات يقضون معهن الليلة.

 أدام الله لك عقلانيتك وتمسكك بالدين الإسلامي الحنيف. وأرجو أن يصلح الله لك أمور زواجك، وإذا ما انتهى إلى أبغض الحلال فلعلّ في هذا خيرًا لك ولأطفالك، والله هو الهادي والمعين.

 المشاركة الثانية:

الأخت الفاضلة صاحبة الرسالة " زوجة مع وقف التنفيذ أشفق عليك مما أنت فيه وأشاركك في حيرتك، وإن كنت لا أملك غير المواساة؛ فأنت قد منّ الله عليك بنعمة الأبناء، ورزقك من فضله الكريم، وعلى الإنسان أن يرضى بما قسمه الله له من نعم، وأن يضع في الحسبان مقدار ما لديه من نعم ومقدار ما ليس لديه، وهنا تجدين نفسك أمام نعم الله التي لا تحصى، إلا أن الإنسان عادة ما يرى فقط ما حرم منه من نعم، ولا يرى فيض رحمات الله بنا ونعمه علينا، قال تعالي {وإن تعدو نعمة الله لا تحصوها}.

ولتكوني أيتها الأخت الفاضلة على يقين من أن الله دائمًا ما يقدر لنا الخير، وأننا لا نرى حكمته سبحانه وتعالي؛ لأننا بشر، وأننا نمر بامتحانات واختبارات يكون مفادها الصبر ويقين الإيمان، فإذا ما خرجت من مشكلتك وانطلقت تربين أطفالك وتزرعين فيهم بذرة الحب والإيمان والحنان كان جزاؤك عند الله خير الجزاء.

ولتستعيني بالصبر والصلاة والتقرب إلى الله فنحن لا نعرف الله إلا عند الشدائد فيكون الله قريبا منا، وأكثري من الدعاء واستخيري الله في أمر الاستمرار هكذا أو العودة إلى الزوج أو الطلاق، والحلول الثلاثة تحمل في طياتها شيئا من المرار، فعليك أن تدرسي كلا منها وتحددي أي مرار تطيقين تحمله.

فالاستمرار هكذا له مميزاته وهي أنك تحافظين على بناتك وتربينهن وتكرسين حياتك لهن مع نسيان الذات والعمل في سبيل الله، ولهذا ما له من الأجر والثواب ما لا يحصى عند الله، وفي نفس الوقت تقين نفسك من إساءة المجتمع الذي نحيا فيه والذي ينظر إلى المطلقة على أنها وصمة عار ودائما ما يضع على عاتقها الفشل في الحياة الزوجية دون النظر لأي اعتبارات، وهنا ستنجين بنفسك من هذا الإطار الذي إن لم تتوافر لديك قوة الشخصية والاستقلالية الفكرية والمادية فسوف تعانين منه الكثير.

أما الأمر الثاني وهو العودة إلى هذا الزوج المتجمد المشاعر فأنا أرى أنك أفضل حالا هكذا، فما تحتاجين إليه هو الحب والحنان والاحتواء، وأشك أنك ستجدينه عند هذا الزوج المادي الذي أصبحت حياته قالبًا من الماديات وانفصل وجدانيا عن دنيا المشاعر، إلا أن هذا الوضع سيضمن لك شكلا اجتماعيا مقبولا وتربية للأبناء وتضحية بالذات.

أما الحل الثالث فهو الطلاق، ومن الممكن أن تقابلي شخصًا ما يتعاطف معك وجدانيا، ولكن لا تنسي نظرة المجتمع للمرأة المطلقة ونظرة أسرتك، ولكن أنت أيضًا في هذا الحل محتاجة إلى الاستقلال المادي والفكري والعملي، ولكن مع الوضع في الحسبان بناتك الصغيرات وما مصيرهن مع زوج الأم، الله وحده يعلم ماذا سيكون حالهن.فإذا ما قررت الزواج فلا تتسرعي وأحسني الاختيار؛ لأن الاختيار سيؤثر عليك وعلى بناتك، ولتختاري زوجًا صالحًا يعرف الله ويتقي الله في بناتك.

لقد طرحت الموضوع أمامك وفصلت جوانبه وأنت أختي الفاضلة الوحيدة صاحبة الحق في الاختيار، ولكنك لست الوحيدة التي ستتحمل تبعات الاختيار. أعانك الله وأصلح من حالك وقدر لك الخير حيث كان ورضاك به. ولا تنسي أن تكثري من الدعاء والتضرع إلى الله أن ينور بصيرتك ويهديك سبل الرشاد. تقربي إلى الله فيقترب الله منك، أحبي الله فيحبك وتعود تبعات هذا الحب عليك وعلى بناتك.

 
 
 

 
 
 
   

يخطر لي عندما تصلني بعض المشاركات على أحد ردودي أن أقترح على فريق الحلول فتح ساحة للحوار والمناقشات متفرعة من الصفحة لنسمع أكبر قدر ممكن من الآراء بحيث يتحاور المشاركون مع بعضهم بعضًا؛ لأنني مع شكري الجزيل لكل من يهتم ويتفاعل أخشى أن يجد المشارك نفسه واقعًا في الحرج عندما أناقشه في أخطائه وهو يحسب أنه على صواب.

فالرجاء من الإخوة المشاركين أن يكون لديهم قدرة على التجرد لإدراك أن مهمتنا كما هي إرشاد السائلين إلى الحلول المناسبة، كذلك فإن ضميرنا المتألم لحال الأمة يفرض علينا أن نصحح كل المفاهيم الخاطئة التي تراكمت في الوجدان العربي والإسلامي، لدرجة يغيب عن البعض التفريق بين الدين والتقاليد، كما يغيِّب البعض الآخر العقل وكأن المعرفة الشرعية تكفي لحل مشاكل البشرية.

 ولذلك أؤكد على ما ذكرته ذات مرة وهو أننا بحاجة إلى مختصين في جميع المجالات النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية يستطيعون الاستفادة من التجارب والعلوم الإنسانية وبنفس الوقت ينطلقون من نظرة إسلامية رحبة؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"؛ وقد آن الأوان أن نبحث عن حلول لمشاكلنا من خلال رؤية حضارية واسعة تمزج بين القراءة المتعمقة في العلوم الإنسانية وبين الفهم المقاصدي الشمولي للإسلام.

إلى الأخ المشارك الأول:

أشكرك أنك بدأت بالتعريف بنفسك، على الأقل أين تقيم وماذا تعمل؛ وهذا له دور في تعريفنا على شخصيتك، وبالتالي يجعلنا نفتح باب الحوار معك على أساس من تقبل النقد المتبادل. واسمح لي بداية أن أقول بأن طريقتك في التفكير مستمدة من أسلوب التفاهم الذي يجري بين الزوجين في الغرب فلذلك تريد أن تطبقه في مجتمعاتنا، فأنت تقترح على السائلة أن تحل مشكلتها لوحدها دون تدخل من أحد.

ومع اقتناعي أن اقتراحك هذا مفيد في حالة أخرى غير حالة السائلة أصارحك أنه هنا يخالف المنهج القرآني في التحكيم بين الزوجين والذي كان أول حلولي المقترحة على صاحبة المشكلة الأصلية، والسبب ليس مستمدا من اقتناعي بالشرع فحسب، بل لأن السائلة بينت أن أسرتها تعتمد على التقاليد في الزواج ورفض الطلاق، كما أوضحت أنها سافرت إلى زوجها في المرة الأولى بعد ضغوط عائلية؛ فدور العائلة في حالتها أساسي.

لذلك يا أخي الكريم ليس من المستحسن أن نطرح على امرأة مسلمة تعيش في بيئة تقليدية محافظة حلا يناسب البيئة الغربية التي يتم الزواج والطلاق فيها بدون أي رجوع للأهل، هذا إذا تم زواج من أصله ففي تلك البيئات تحطمَّ صرح الأسرة بسبب الاكتفاء بسوق اللحم على حد تعبير زملائك البريطانيين الشباب.

وهذا معنى كلامي في ردي المشار إليه أنني أحاول أن تكون حلولي واقعية، أي تنطلق من واقع الشخص، ولا تتنزل من أبراج عاجية.ومع ذلك فأنا قد اقترحت عليها أن يتم التفاهم بينهما إذا لم تجد شخصًا حكيمًا، ولكنني وضعت هذا الحل في درجة تالية للحل الأول وهو التحكيم، فأنت هنا لم تأت بجديد خاصة أنني في كثير من ردودي أنصح على ألا تتعدى أسرار المشاكل الزوجية أسوار البيت إلا بعد محاولة جدية من الزوجين معًا، ويمكنك الاطلاع على هذه الردود من خلال الحلول السابقة لمشاكل مشابهة (موجودة في هذا الجزء من الكتاب وفي الأجزاء الأخرى).

ولنأت الآن لنتفحص العوامل التي بينتَها أنت والحلول التي طرحتَها آملة ألا يقلل هذا من أهمية ما تفعله هنا، فيكفي أنك تفاعلت، وهذا دليل خيرية كبيرة فيك إن شاء الله:

العامل الأول: تقول: "إنها تحاول أو ترغب في الاستمرار مع زوجها"، هذا بديهي أنها لو لم تكن ترغب بالاستمرار مع زوجها لما طرحت مشكلتها ولما أوضحت معاناتها، فلا توجد امرأة عاقلة تلجأ إلى الطلاق إلا بعد استنفاد كافة الحيل والوسائل.

 العامل الثاني: أنت تقول: "عائلتها التي لا تؤمن بالطلاق، وهذا ربما يكون من زاوية أنه مبدأ لديهم، أو أنهم لا يرغبون بتحمل تبعات الطلاق"، فإذا أصبت بتحليلك عن المسؤولية وتبعات الطلاق فسامحني؛ لأنني أسألك بخصوص المبدأ: ما هو هذا المبدأ؟ هل منع امرأة من الطلاق هو مبدأ أم هو تقليد بائس؟ يبدو إما أنك جديد على صفحتنا أو أنك لم تقرأ ردي على: " سنوات الحب والعذاب.. متابعة "، وردي على: " الطلاق عذب أحيانًا "، وقد تابعت صاحبة المشكلة الأخيرة معنا في الطلاق عذب أحيانا.. متابعة ومشاركة ، فأرجو أن ترجع لهذا كله؛ لأنني بينت سبب تحريم الطلاق في مجتمعاتنا التي تجعل المطلقة مجرمة بدون جرم ومذنبة بدون دليل.

 العامل الثالث: تقول: "رغبتها في الإنجاب"، ولا أدري يا سيدي الكريم من أين حصلت على هذا الاستنتاج! فكيف لامرأة تعاني من عدم معرفة طفليها لوالدهما أن تفكر بالإنجاب ثانية؟ ومن أين استنتجت أنها ذات عائلة كبيرة؟!

العامل الرابع: أنت تحاول أن تغطي على رغبتها الجنسية بكلام منمق وكأنه يعيب المرأة أن تحكي عن رغبتها الجنسية حتى من وراء حجاب الإنترنت، وكأنك لا تعيش في بريطانيا التي تعبر بها المرأة عن رغبتها بالرجل جهارًا حتى لو لم يكن زوجها!!

فالجنس عندهم.. لحم فقط، أما عندنا وفي ديننا فهو حب ومودة ورحمة، أي أنه عندهم هدف لذاته، أما في ديننا فهو وسيلة لغاية ليست فقط إنجاب ذَكَر أو غض بصر أو إشباع وطر، إنما هي تآلف الأرواح من خلال التقاء الأجساد، وهو المعنى المشار إليه بكلمة السكن في الآية الكريمة: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}، وقد بينت هذا المعنى في كثير من الردود أيضا, ولذلك أنا لم أقسُ على الأخت السائلة، بل وجهت سؤالي إلى كل القراء: كيف يكون الجنس حيوانيا بهذا الشكل؟ نعم.. إلى كل من يمارس الجنس مع زوجته في الليل دون أن يسمعها كلمة حب وهمسة إعجاب في النهار، ودون أن يجعل بينه وبينها رسولا كما علمنا أفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.

إن الشرع كما حرم على المرأة أن تمتنع عن زوجها إذا طلبها للفراش، طلب من الزوج ألا يجامع زوجته إذا كان مزاجها ليس سويًّا كأن تكون غضبى أو حزينة، خاصة إذا كان هو السبب في ذلك؛ لأن في ذلك امتهانًا لكرامتها، وهذا ليس كلامي.. إنه كلام سيد البشر عليه الصلاة والسلام عندما نهى أن يضرب الرجل زوجته نهارا كما يضرب العبد ثم يجامعها ليلا، ولا بد أن خبرتك في الحياة تجعلك تعرف أن بعض الناس كلامهم الفظ أغلظ من السياط. وأيضا هو كلام علمائنا من أمثال د. عبد الله ناصح علوان؛ إذ بيّن أن هذا الشكل من الجماع يشعل نار الكره والنفور في قلب الزوجة. ولله در الدكتور البوطي الذي سجل في أحد كتبه مدى حبه لزوجته دون أن يجد في ذلك مدعاة للخجل؛ لأنها سنة أفضل الخلق محمد الذي كان إنسانا وزوجا كاملا كما كان نبيا وقائدا. وأرجو هنا أن تراجع ردي على مشكلة: " الإسلام : هل ظلم المرأة أم أنصفها ؟ " لعل فيها ما يفيد.
اسمح لي الآن أن أوضح لك ما سميته ثغرات، فلماذا لا يأتي هذا الزوج في إجازات؟ فالسبب قد يكون ما ذكرته أنت من المصاريف، ولكن هل غاب عن بالك أنه يعمل في الخليج يا سيدي وليس في بريطانيا؟ في الخليج هناك تسمية ليست معهودة في باقي البلاد وهي الكفيل، فهل تعلم ماذا تعني هذه الكلمة؟! إذا كان الكفيل يخاف الله فلا مشكلة، أما إذا لم يكن كذلك فكثيرا ما يمنع مكفوله من الإجازة والسفر والحصول على تأشيرة، فجواز السفر يبقى في حوزة الكفيل، حيث لا يمكن التحرك بدون إذن منه، فهذا سد للثغرة الأولى.

أما الثغرة الثانية فسببها أن شهر العسل استمر 25 يوما فقط، وكثيرا ما يتغير حال هذا العسل بعد مدة تطول أو تقصر، هذا إذا عاش الزوجان معا؛ أما في حالة الأخت فقد كتبتُ يا سيدي لها أن معاناته في عمله قد تكون سببا لقسوته وفظاظته، كما أن البعد بين الزوجين هو قاصمة للحياة الزوجية، لذلك طلبت منها في بداية الرد أن تضع له عذرا كي تعرف كيف تتفاهم معه. فهل عرفت يا سيدي لماذا لم أنصحها بالبسكويت على طريقة ملكة فرنسا ماري أنطوانيت؟ لأني أعيش في المجتمع العربي وأخوض كل يوم في بحاره اللجيّة، وأعرف كيف تكون التقاليد عونًا على ارتكاب الحماقات عندما يتزوج المرء فقط؛ لأن العرف لا يسمح له بتجاوز القبيلة أو العائلة، ويتراجع دور الإنسان من حقه في حرية الاختيار إلى عبودية لأعرافه المستبدة.

والآن.. أرجو أن تفسر لي هذه الثغرات في رسالتك أنت، إذ تقول: "فكيف ترفض الزوجة السعيدة الذهاب إلى زوجها وتمنعه من الاقتراب منها إلا إذا وضعت قواعد وقوانين"، والثغرة الأولى هي كلمة الزوجة السعيدة، فكيف تكون سعيدة من يعاملها زوجها بفظاظة وغلظة؟! والثغرة الثانية كلمة قواعد وقوانين، فما المقصود بها؟ ومن الذي يضع هذه القواعد والقوانين؟ يحسب لك بالتأكيد قولك بأن هذا صعب في مثل هذه الظروف، ولكن أخبرك أنه صعب في كل الظروف، فهل يمكن لزوجين أن يكتبا بينهما بعض الأوراق ليوقع عليها بعض الشهود بأن الزوج إذا أغلظ لزوجته في القول فلا تلبيه في الفراش، أما إذا كان ناعما معها سهلا فعندها تأتيه حبواً؟!

والثغرة الثالثة تقول: "وإذا أنعم الله عليكما بطفل آخر فلا غبار في ذلك على الإطلاق"، وأكمل لها أنا: ثم تعودين أيتها السائلة إلى بلدك بثلاثة أطفال، وبعد أن يكون الطلاق صعبا لوجود طفلين يصبح في منتهى الصعوبة لوجود ثلاثة!!!

كأنك يا سيدي الجراح تقرر لمريض عملية جراحية فتريد أن تجعل الأمر يبدو سهلا له كما هو سهل لك، فتقول له: نستأصل لك المرارة، وإذا استأصلنا الزائدة، فلا غبار في ذلك على الإطلاق! فمن قال لك يا سيدي بأنها راغبة بالمزيد من الأطفال؟ إنها تصرخ من الوحدة والبعد عن زوجها الذي ترغب بممارسة الجنس معه؛ لأنها تقول: ولولا خوفي من الله لانزلقت في الحرام، وتصرخ من الرهبانية -المتمثلة في عبارة أهلها "معلقة خير من مطلقة"- التي فرضتها عليها التقاليد التي لا تسمح لها بالطلاق!

سيدي هل تراك سمعت بالخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما كان يتفقد رعيته ليلا، فسمع صوت امرأة تنشد في الليل شعرا فتقول:

تطاول هذا الليل واخضلَّ جانبه                   وأرقــني ألا خليلٌ ألاعـبـه

 فوالله لولا الله لا ربَّ غــيره                  لحرَّك مـن هذا السرير جـوانبه

 مخافة ربي والحياء يصــدني                      وأكـرم بعلي أن تنال مـراكبه

 فضرب الباب عليها ورفع صوته لتعرفه، فلما أكثر عليها فتحت له، فسألها عن زوجها فقالت له: إنه غائب في بعث كذا وكذا، فبعث إلى عامل ذلك الجند أن سرح فلان بن فلان، فلما قدم عليه قال: اذهب إلى أهلك، ثم دخل عمر على ابنته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها وسألها: كم تصبر المرأة عن زوجها فقالت: شهرًا واثنين وثلاثة، وفي الرابع ينفد الصبر، فجعل ذلك أجلاً للبعث؛ أي منع أن يغيب الرجل عن أهله أكثر من أربعة أشهر، حتى لو كان لأمر مهم كالجهاد؛ فهذا أمير المؤمنين منذ 14 قرنا، وبدل أن يعيب على هذه المرأة ويطلب منها الصمت تَبنّى مشكلتها فلبّى كل النساء المتحرقات شوقا لأزواجهن، وذلك لأنه فَقِه أن الإسلام هو دين الفطرة الصافية وليس تقاليد بالية!

أرجو أن تكون قد تقبلت انتقاداتي هذه بروح الجراح الرياضية الذي لم تنجح معه العملية، لكن ما يخفف عنه أن المريض ما زال حيا، وليس كما يقول الممثل الكوميدي المصري: "نجحت العملية.. بس المريض مات!"؛ وأشكرك على جهدك وتفاعلك على أمل أن تكون مشاركاتك أغنى في المرات القادمة.
أما المشارك -أو المشاركة- الآخر: فقد كنت أتمنى أن تكتب شيئا عن شخصيتك، كي أعرف كيف أخاطبك، ولكن يبدو أنك تريد أن توصل رسالتك للسائلة عن طريقنا فأهلا وسهلا بك، وليس لي تعليق عليها إلا أن الإيمان بدون عقل تقليد لا إبداع فيه، والعقل بدون إيمان جمود لا روح فيه، وهنيئا لمن عرف كيف يستعمل هذين السلاحين معا؛ وهنيئا أكثر لمن فهم هذه الحكمة: "اللهم ألهمني الشجاعة والقوة لأغير ما تستطيع تغييره يدي.. وألهمني الصبر والقدرة لأرضى بما ليس منه بد.. وألهمني الصواب والحكمة لأفرق بين هذا وذاك"؛ إذ إنه نادرا ما نفرِّق -نحن الشعوب العربية المسلمة التي تاهت بين عالم الشهادة وعالم الغيب- متى يجب أن نصبر ومتى يجب أن نغيّر.

وهنيئا أكثر وأكثر لمن عرف أن بين الدين والتقاليد ما بين السماء والأرض؛ فالدين هو مجموعة المبادئ المنزلة من الخالق جل وعلا إلى عباده ليعملوا بها ويتصرفوا في حياتهم الدنيا وفق مقتضاها، فينالوا خيري الدنيا والآخرة؛ أما التقاليد فهي مشتقة من فعل "قلَّدَ"، ومصدره "تقليد" وجمع الكلمة الأخيرة هو "تقاليد"؛ أي أنها عبارة عن أفعال نرى من عاصرنا أو سبقنا يفعلها فنقلد فعله.

 إذن التقاليد ليست مبادئ سماوية وليس لها أسس دينية، إنما هي نابعة من أمزجة شخصية تنتقل من جيل إلى جيل؛ لذلك يمكن أن نشبهها بالأعشاب الضارة التي تنبت بين أشجار الدين الباسقة فتشوه منظرها وتسيء إلى نموها بحكم أنها فضولية تستمد غذاءها من تربة الدين، وقد تعلو عليه أو تغطيه إذا وجدت الظروف المناسبة لنموها وانتشارها، ومن هذه الظروف غياب من يتجرأ على اقتلاعها ووجود من يشجع على بقائها لمصلحة أو هوى أو تعصب أو جهل.

ويخطر لي هنا عبارة جميلة لفولتير أرسلها لصديقه الملحد هولباخ: "إنك تقول بأن الدين قد سبب أيضا في كوارث لا حصر لها. وكان الأجدر أن تقول الخرافات الدخيلة على الدين التي تتحكم في عالمنا البائس. هذه الخرافات هي أقسى عدو يصرفنا عن عبادة الله عبادة خالصة تليق به. إن هذه الخرافات ثعبان يهز الدين في حضنه ويجب علينا أن نسحق رأسه دون أن نجرح الأم التي تطعمه".

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |