|
يخطر لي عندما تصلني بعض المشاركات على أحد ردودي أن أقترح على فريق الحلول فتح
ساحة للحوار والمناقشات متفرعة من الصفحة لنسمع أكبر قدر ممكن من الآراء بحيث
يتحاور المشاركون مع بعضهم بعضًا؛ لأنني مع شكري الجزيل لكل من يهتم ويتفاعل أخشى
أن يجد المشارك نفسه واقعًا في الحرج عندما أناقشه في أخطائه وهو يحسب أنه على
صواب.
فالرجاء من الإخوة المشاركين أن يكون لديهم قدرة على
التجرد لإدراك أن مهمتنا كما هي إرشاد السائلين إلى
الحلول المناسبة، كذلك فإن ضميرنا المتألم لحال الأمة
يفرض علينا أن نصحح كل المفاهيم الخاطئة التي تراكمت
في الوجدان العربي والإسلامي، لدرجة يغيب عن البعض
التفريق بين الدين والتقاليد، كما يغيِّب البعض الآخر
العقل وكأن المعرفة الشرعية تكفي لحل مشاكل البشرية.
ولذلك أؤكد على ما ذكرته ذات مرة وهو أننا بحاجة إلى
مختصين في جميع المجالات النفسية والاجتماعية
والسياسية والاقتصادية يستطيعون الاستفادة من التجارب
والعلوم الإنسانية وبنفس الوقت ينطلقون من نظرة
إسلامية رحبة؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: "أنتم
أعلم بأمور دنياكم"؛ وقد آن الأوان أن نبحث عن حلول
لمشاكلنا من خلال رؤية حضارية واسعة تمزج بين القراءة
المتعمقة في العلوم الإنسانية وبين الفهم المقاصدي
الشمولي للإسلام.
إلى الأخ المشارك الأول:
أشكرك أنك بدأت بالتعريف بنفسك، على الأقل أين تقيم
وماذا تعمل؛ وهذا له دور في تعريفنا على شخصيتك،
وبالتالي يجعلنا نفتح باب الحوار معك على أساس من تقبل
النقد المتبادل. واسمح لي بداية أن أقول بأن طريقتك في
التفكير مستمدة من أسلوب التفاهم الذي يجري بين
الزوجين في الغرب فلذلك تريد أن تطبقه في مجتمعاتنا،
فأنت تقترح على السائلة أن تحل مشكلتها لوحدها دون
تدخل من أحد.
ومع اقتناعي أن اقتراحك هذا مفيد في حالة أخرى غير
حالة السائلة أصارحك أنه هنا يخالف المنهج القرآني في
التحكيم بين الزوجين والذي كان أول حلولي المقترحة على
صاحبة المشكلة الأصلية، والسبب ليس مستمدا من اقتناعي
بالشرع فحسب، بل لأن السائلة بينت أن أسرتها تعتمد على
التقاليد في الزواج ورفض الطلاق، كما أوضحت أنها سافرت
إلى زوجها في المرة الأولى بعد ضغوط عائلية؛ فدور
العائلة في حالتها أساسي.
لذلك يا أخي الكريم ليس من المستحسن أن نطرح على امرأة
مسلمة تعيش في بيئة تقليدية محافظة حلا يناسب البيئة
الغربية التي يتم الزواج والطلاق فيها بدون أي رجوع
للأهل، هذا إذا تم زواج من أصله ففي تلك البيئات
تحطمَّ صرح الأسرة بسبب الاكتفاء بسوق اللحم على حد
تعبير زملائك البريطانيين الشباب.
وهذا معنى كلامي في ردي المشار إليه أنني أحاول أن
تكون حلولي واقعية، أي تنطلق من واقع الشخص، ولا تتنزل
من أبراج عاجية.ومع ذلك فأنا قد اقترحت عليها أن يتم
التفاهم بينهما إذا لم تجد شخصًا حكيمًا، ولكنني وضعت
هذا الحل في درجة تالية للحل الأول وهو التحكيم، فأنت
هنا لم تأت بجديد خاصة أنني في كثير من ردودي أنصح على
ألا تتعدى أسرار المشاكل الزوجية أسوار
البيت إلا بعد محاولة جدية
من الزوجين معًا، ويمكنك الاطلاع على هذه الردود من
خلال الحلول السابقة لمشاكل مشابهة (موجودة في هذا
الجزء من الكتاب وفي الأجزاء الأخرى).
ولنأت الآن لنتفحص العوامل التي بينتَها أنت والحلول
التي طرحتَها آملة ألا يقلل هذا من أهمية ما تفعله
هنا، فيكفي أنك تفاعلت، وهذا دليل خيرية كبيرة فيك إن
شاء الله:
العامل الأول:
تقول: "إنها تحاول أو ترغب في الاستمرار مع زوجها"،
هذا بديهي أنها لو لم تكن ترغب بالاستمرار مع زوجها
لما طرحت مشكلتها ولما أوضحت معاناتها، فلا توجد امرأة
عاقلة تلجأ إلى الطلاق إلا بعد استنفاد كافة الحيل
والوسائل.
العامل الثاني:
أنت تقول: "عائلتها التي لا تؤمن بالطلاق، وهذا ربما
يكون من زاوية أنه مبدأ لديهم، أو أنهم لا يرغبون
بتحمل تبعات الطلاق"، فإذا أصبت بتحليلك عن المسؤولية
وتبعات الطلاق فسامحني؛ لأنني أسألك بخصوص المبدأ: ما
هو هذا المبدأ؟ هل منع امرأة من الطلاق هو مبدأ أم هو
تقليد بائس؟ يبدو إما أنك جديد على صفحتنا أو أنك لم
تقرأ ردي على: "
سنوات الحب والعذاب.. متابعة "، وردي على:
"
الطلاق عذب أحيانًا "، وقد تابعت صاحبة
المشكلة الأخيرة معنا في
الطلاق عذب أحيانا.. متابعة
ومشاركة ، فأرجو أن ترجع لهذا كله؛ لأنني
بينت سبب تحريم الطلاق في مجتمعاتنا التي تجعل المطلقة
مجرمة بدون جرم ومذنبة بدون دليل.
العامل الثالث: تقول: "رغبتها في الإنجاب"، ولا أدري يا سيدي الكريم
من أين حصلت على هذا
الاستنتاج! فكيف لامرأة تعاني من عدم معرفة طفليها
لوالدهما أن تفكر بالإنجاب ثانية؟ ومن أين استنتجت
أنها ذات عائلة كبيرة؟!
العامل الرابع: أنت تحاول أن تغطي على رغبتها الجنسية بكلام منمق
وكأنه يعيب المرأة أن تحكي عن رغبتها الجنسية حتى من وراء حجاب
الإنترنت، وكأنك لا تعيش في بريطانيا التي تعبر بها
المرأة عن رغبتها بالرجل جهارًا حتى لو لم يكن زوجها!!
فالجنس عندهم.. لحم فقط، أما عندنا وفي ديننا فهو حب
ومودة ورحمة، أي أنه عندهم هدف لذاته، أما في ديننا
فهو وسيلة لغاية ليست فقط إنجاب ذَكَر أو غض بصر أو
إشباع وطر، إنما هي تآلف الأرواح من خلال التقاء
الأجساد، وهو المعنى المشار إليه بكلمة السكن في الآية
الكريمة: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا
لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}، وقد بينت هذا
المعنى في كثير من الردود أيضا, ولذلك أنا لم أقسُ على
الأخت السائلة، بل وجهت سؤالي إلى كل القراء: كيف يكون
الجنس حيوانيا بهذا الشكل؟ نعم.. إلى كل من يمارس
الجنس مع زوجته في الليل دون أن يسمعها كلمة حب وهمسة
إعجاب في النهار، ودون أن يجعل بينه وبينها رسولا كما
علمنا أفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الشرع كما حرم على المرأة أن تمتنع عن زوجها إذا
طلبها للفراش، طلب من الزوج ألا يجامع زوجته إذا كان
مزاجها ليس سويًّا كأن تكون غضبى أو حزينة، خاصة إذا
كان هو السبب في ذلك؛ لأن في ذلك امتهانًا لكرامتها،
وهذا ليس كلامي.. إنه كلام سيد البشر عليه الصلاة
والسلام عندما نهى أن يضرب الرجل زوجته نهارا كما يضرب
العبد ثم يجامعها ليلا، ولا بد أن خبرتك في الحياة
تجعلك تعرف أن بعض الناس كلامهم الفظ أغلظ من السياط.
وأيضا هو كلام علمائنا من أمثال د. عبد الله ناصح
علوان؛ إذ بيّن أن هذا الشكل من الجماع يشعل نار الكره
والنفور في قلب الزوجة. ولله در الدكتور البوطي الذي
سجل في أحد كتبه مدى حبه لزوجته دون أن يجد في ذلك
مدعاة للخجل؛ لأنها سنة أفضل الخلق محمد الذي كان
إنسانا وزوجا كاملا كما كان نبيا وقائدا. وأرجو هنا أن
تراجع ردي على مشكلة: "
الإسلام : هل ظلم المرأة أم أنصفها ؟ " لعل
فيها ما يفيد.
اسمح لي الآن أن أوضح لك ما سميته ثغرات، فلماذا لا
يأتي هذا الزوج في إجازات؟ فالسبب قد يكون ما ذكرته
أنت من المصاريف، ولكن هل غاب عن بالك أنه يعمل في
الخليج يا سيدي وليس في بريطانيا؟ في الخليج هناك
تسمية ليست معهودة في باقي البلاد وهي الكفيل، فهل
تعلم ماذا تعني هذه الكلمة؟! إذا كان الكفيل يخاف الله
فلا مشكلة، أما إذا لم يكن كذلك فكثيرا ما يمنع مكفوله
من الإجازة والسفر والحصول على تأشيرة، فجواز السفر
يبقى في حوزة الكفيل، حيث لا يمكن التحرك بدون إذن
منه، فهذا سد للثغرة الأولى.
أما الثغرة الثانية فسببها أن شهر العسل استمر 25 يوما
فقط، وكثيرا ما يتغير حال هذا العسل بعد مدة تطول أو
تقصر، هذا إذا عاش الزوجان معا؛ أما في حالة الأخت فقد
كتبتُ يا سيدي لها أن معاناته في عمله قد تكون سببا
لقسوته وفظاظته، كما أن البعد بين الزوجين هو قاصمة
للحياة الزوجية، لذلك طلبت منها في بداية الرد أن تضع
له عذرا كي تعرف كيف تتفاهم معه. فهل عرفت يا سيدي
لماذا لم أنصحها بالبسكويت على طريقة ملكة فرنسا ماري
أنطوانيت؟ لأني أعيش في المجتمع العربي وأخوض كل يوم
في بحاره اللجيّة، وأعرف كيف تكون التقاليد عونًا على
ارتكاب الحماقات عندما يتزوج المرء فقط؛ لأن العرف لا
يسمح له بتجاوز القبيلة أو العائلة، ويتراجع دور
الإنسان من حقه في حرية الاختيار إلى عبودية لأعرافه
المستبدة.
والآن.. أرجو أن تفسر لي هذه الثغرات في رسالتك أنت،
إذ تقول: "فكيف ترفض الزوجة السعيدة الذهاب إلى زوجها
وتمنعه من الاقتراب منها إلا إذا وضعت قواعد وقوانين"،
والثغرة الأولى هي كلمة الزوجة السعيدة، فكيف تكون
سعيدة من يعاملها زوجها بفظاظة وغلظة؟! والثغرة
الثانية كلمة قواعد وقوانين، فما المقصود بها؟ ومن
الذي يضع هذه القواعد والقوانين؟ يحسب لك بالتأكيد
قولك بأن هذا صعب في مثل هذه الظروف، ولكن أخبرك أنه
صعب في كل الظروف، فهل يمكن لزوجين أن يكتبا بينهما
بعض الأوراق ليوقع عليها بعض الشهود بأن الزوج إذا
أغلظ لزوجته في القول فلا تلبيه في الفراش، أما إذا
كان ناعما معها سهلا فعندها تأتيه حبواً؟!
والثغرة الثالثة تقول: "وإذا أنعم الله عليكما بطفل
آخر فلا غبار في ذلك على الإطلاق"، وأكمل لها أنا: ثم
تعودين أيتها السائلة إلى بلدك بثلاثة أطفال، وبعد أن
يكون الطلاق صعبا لوجود طفلين يصبح في منتهى الصعوبة
لوجود ثلاثة!!!
كأنك يا سيدي الجراح تقرر لمريض عملية جراحية فتريد أن
تجعل الأمر يبدو سهلا له كما هو سهل لك، فتقول له:
نستأصل لك المرارة، وإذا استأصلنا الزائدة، فلا غبار
في ذلك على الإطلاق! فمن قال لك يا سيدي بأنها راغبة
بالمزيد من الأطفال؟ إنها تصرخ من الوحدة والبعد عن
زوجها الذي ترغب بممارسة الجنس معه؛ لأنها تقول: ولولا
خوفي من الله لانزلقت في الحرام، وتصرخ من الرهبانية
-المتمثلة في عبارة أهلها "معلقة خير من مطلقة"- التي
فرضتها عليها التقاليد التي لا تسمح لها بالطلاق!
سيدي هل تراك سمعت بالخليفة عمر بن الخطاب رضي الله
عنه عندما كان يتفقد رعيته ليلا، فسمع صوت امرأة تنشد
في الليل شعرا فتقول:
تطاول هذا الليل واخضلَّ جانبه
وأرقــني ألا خليلٌ ألاعـبـه
فوالله لولا الله لا ربَّ غــيره
لحرَّك مـن هذا السرير جـوانبه
مخافة ربي والحياء يصــدني
وأكـرم بعلي أن تنال مـراكبه
فضرب الباب عليها ورفع صوته لتعرفه، فلما أكثر عليها
فتحت له، فسألها عن زوجها فقالت له: إنه غائب في بعث
كذا وكذا، فبعث إلى عامل ذلك الجند أن سرح فلان بن
فلان، فلما قدم عليه قال: اذهب إلى أهلك، ثم دخل عمر
على ابنته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها وسألها: كم
تصبر المرأة عن زوجها فقالت: شهرًا واثنين وثلاثة، وفي
الرابع ينفد الصبر، فجعل ذلك أجلاً للبعث؛ أي منع أن
يغيب الرجل عن أهله أكثر من أربعة أشهر، حتى لو كان
لأمر مهم كالجهاد؛ فهذا أمير المؤمنين منذ 14 قرنا،
وبدل أن يعيب على هذه المرأة ويطلب منها الصمت تَبنّى
مشكلتها فلبّى كل النساء المتحرقات شوقا لأزواجهن،
وذلك لأنه فَقِه أن الإسلام هو دين الفطرة الصافية
وليس تقاليد بالية!
أرجو أن تكون قد تقبلت انتقاداتي هذه بروح الجراح
الرياضية الذي لم تنجح معه العملية، لكن ما يخفف عنه
أن المريض ما زال حيا، وليس كما يقول الممثل الكوميدي
المصري: "نجحت العملية.. بس المريض مات!"؛ وأشكرك على
جهدك وتفاعلك على أمل أن تكون مشاركاتك أغنى في المرات
القادمة.
أما المشارك -أو المشاركة-
الآخر: فقد كنت
أتمنى أن تكتب شيئا عن شخصيتك، كي أعرف كيف أخاطبك،
ولكن يبدو أنك تريد أن توصل رسالتك للسائلة عن طريقنا
فأهلا وسهلا بك، وليس لي تعليق عليها إلا أن الإيمان
بدون عقل تقليد لا إبداع فيه، والعقل بدون إيمان جمود
لا روح فيه، وهنيئا لمن عرف كيف يستعمل هذين السلاحين
معا؛ وهنيئا أكثر لمن فهم هذه الحكمة: "اللهم ألهمني
الشجاعة والقوة لأغير ما تستطيع تغييره يدي.. وألهمني
الصبر والقدرة لأرضى بما ليس منه بد.. وألهمني الصواب
والحكمة لأفرق بين هذا وذاك"؛ إذ إنه نادرا ما نفرِّق
-نحن الشعوب العربية المسلمة التي تاهت بين عالم
الشهادة وعالم الغيب- متى يجب أن نصبر ومتى يجب أن
نغيّر.
وهنيئا أكثر وأكثر لمن عرف أن بين الدين والتقاليد ما
بين السماء والأرض؛ فالدين هو مجموعة المبادئ المنزلة
من الخالق جل وعلا إلى عباده ليعملوا بها ويتصرفوا في
حياتهم الدنيا وفق مقتضاها، فينالوا خيري الدنيا
والآخرة؛ أما التقاليد فهي مشتقة من فعل "قلَّدَ"،
ومصدره "تقليد" وجمع الكلمة الأخيرة هو "تقاليد"؛ أي
أنها عبارة عن أفعال نرى من عاصرنا أو سبقنا يفعلها
فنقلد فعله.
إذن التقاليد ليست مبادئ سماوية وليس لها أسس دينية،
إنما هي نابعة من أمزجة شخصية تنتقل من جيل إلى جيل؛
لذلك يمكن أن نشبهها بالأعشاب الضارة التي تنبت بين
أشجار الدين الباسقة فتشوه منظرها وتسيء إلى نموها
بحكم أنها فضولية تستمد غذاءها من تربة الدين، وقد
تعلو عليه أو تغطيه إذا وجدت الظروف المناسبة لنموها
وانتشارها، ومن هذه الظروف غياب من يتجرأ على اقتلاعها
ووجود من يشجع على بقائها لمصلحة أو هوى أو تعصب أو
جهل.
ويخطر لي هنا عبارة جميلة لفولتير أرسلها لصديقه
الملحد هولباخ: "إنك تقول بأن الدين قد سبب أيضا في
كوارث لا حصر لها. وكان الأجدر أن تقول الخرافات
الدخيلة على الدين التي تتحكم في عالمنا البائس. هذه
الخرافات هي أقسى عدو يصرفنا عن عبادة الله عبادة
خالصة تليق به. إن هذه الخرافات ثعبان يهز الدين في
حضنه ويجب علينا أن نسحق رأسه دون أن نجرح الأم التي
تطعمه". |