|
بالطبع أمام مشكلة من هذا النوع أفكر كثيرا قبل أن أجيب؛ فهل تكفي بضع كلمات
نسوّدها هنا نحن كحل على هذه الصفحة؟ هل النظر إلى مشكلة كهذه عن قرب يعفينا من
النظر إليها من أوجهها المختلفة عن بعد؟ هل وقع الاستبداد بالمرأة من فراغ أم أن
لهذا الاستبداد الاجتماعي جذوره المتأصلة من استبداد سياسي التي لا تخفى على العين
المتبصرة؟
أصارح القراء الأعزاء أنني أحيانا أشعر بالإحباط، خاصة
عندما تأتيني رسالة من امرأة، وهي تشكو ظلم المجتمع،
وثقل التقاليد وقيد الزوج.. فماذا أفعل أنا غير كتابة
بضع كلمات لا أدري إن كانت تغني أو تسمن من جوع؟!
وأذكر أني في بعض ردودي ذكرت عبارة مهمة أعيدها هنا
لجميع الأخوات اللاتي يقعن في مشكلة كهذه أو مثلها:
"إن الحقوق لا تستجدى، إنما هي تنتزع انتزاعا"، وأقتبس
من أبي ذر -رضي الله عنه- عبارته الشهيرة: "عجبت لمن
لا يجد قوتا في بيته ولا يخرج على الناس شاهرا سيفه!".
وأحولها لأجعلها: عجبت لمن تشكو من الظلم على صفحتنا
وترضى به في الواقع! عجبت لها كيف لا تصرخ بأعلى صوتها
رافضة إياه! كيف لا تمزق حجاب التخلف بيديها! كيف لا
تضرب بتقاليد قومها عرض الحائط، طالبة منهم ألا
يستغفلوها كما استغفلوا من كنّ قبلها!
مشكلتك هنا أيتها الأخت تطرح مشكلة الطلاق، ولتوي أجبت
على أخت تقول: إن بعض العلماء قالوا: إن الطلاق لا
يناسب المجتمع العربي، وأرجو أن تكوني قد قرأت ردي
عليها، وردي في :
"سنوات الزواج والعذاب"..
متابعة.
وبعد ذلك إذا لم تستطيعي أن تصلي إلى حقك بيدك، فإني
لا أستطيع أن أقوم به بدلا عنك! وعلي أن أوجهك
بالطريقة التي أراها مناسبة لك، وما يكون مناسبا لك قد
لا يكون مناسبا لغيرك؛ فليس من شأني بحثه هنا كي لا
تتوهي بين ما يمكنك فعله وما يجب تحقيقه؛ فأنا حريصة
على أن الحلول التي أطرحها تنطلق من واقع الشخص، وليس
كما يتخيل البعض أن الحل هو أن يحقق السائل ما هو
مستحيل بالنسبة لشخصيته؛ بحجة أن هذه هي الحقيقة؛
فالحقيقة لا تعني الواقع دائما، وكثيرا ما تكون
الحقيقة غير واقعية؛ فالحقائق في علم الاجتماع
والتربية والنفس غيرها في علوم الرياضيات والفلسفة
والمنطق، وللكلمة مسؤوليتها، كما أن لها جغرافيتها
وتاريخها ومكانها وزمانها.
وأبسط مثال لتسهيل فهم ما أقول: إننا نحن مسلمون في
الحقيقة، لكننا في الواقع لسنا إلا ذرات ضحلة بعيدة عن
الإسلام، ولن أذهب بعيدا لأفصل في أحوالنا وخنوعنا
الذي لا يرضاه لنا الإسلام، ولكن لعل الكارثة التي
نشهدها تكون سببا لفهم الإسلام بأنه ليس في الخفض
والرفع فقط، وليس في ادعاء حب الجهاد فقط، بل هو في
فهم ضرورة أن نربي أنفسنا من جديد بمجاهدة نزعاتها
الاستعلائية ومجابهة الاستبداد بكل صنوفه.
وسأبقى في الصفحة ومشكلتك يا سيدتي العزيزة؛ حيث يتبدى
كيف تتم عبادة أصنام التقاليد وأوثان الأعراف التي لا
تتماشى مع الدين، ولا تستمد صلاحيتها من الشرع، ولا
تتناسب مع مصلحة العباد التي ما حارب الرسول -عليه
الصلاة والسلام- إلا من أجلها، وكي لا يعترض علي بعض
من لا يفهمني؛ فأقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام
كانت رسالته التوحيد وإخراج الناس من عبودية بعضهم
لبعض؛ لأن في عبودية كهذه امتهانا لكرامة الإنسان الذي
خلقه الله حرا؛ ليستطيع أن يقوم بمهمة خلافة الله في
الأرض، ورضي الله عن عمر عندما قال: كيف استعبدتم
الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟
ولذلك أود أن أبدي رأيي مخالفة كل من يقول: إن العرف
أصل من أصول الشرع؛ إذ يجب أن نخرج العرف الفاسد من
هذا الأصل، وإذا كانت المقولة الفقهية "العرف في الشرع
له اعتبار؛ لذا عليه الحكم قد يدار" صحيحة؛ فيجب أن
أنبه إلى أن حرف "قد" إذا سبق الفعل المضارع فهو
للتقليل، وكما هو واضح فإن حذفه من السهولة بمكان إذا
رغب في ذلك أصحاب الأمزجة الشخصية والأهواء النفسية من
أدعياء الفقه وهواة محرمي الحلال الذين بسبب تحريمهم
للحلال -وهو في مشكلتك الطلاق- يدفعون الناس دفعا
للحرام، وهو ما عبرت عنه في نهاية رسالتك كصرخة
استغاثة لا أدري إلى أين سيصل مداها!
وكذلك اسمحي لي أن أدلك على خطئك الذي ذكرته بأنك كنت
تتخيلين فارس الأحلام يأتي ليحملك على حصان أبيض؛ فهل
آن لبناتنا أن يعرفن أن الزواج ليس طيرانا ولا فروسية،
وأن قانون الحياة يقولها صريحة: إن الحياة تعطينا بيد
وتأخذ بيد أخرى؛ فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط؟
هذا خطؤك الأول.
أما الثاني فهو قولك: إنك وجدت شخصا فظًّا قاسي القلب،
وتقولين: حاولت أن تصلحيه لكن دون جدوى، وهذه الشكوى
قد اعتدنا عليها من النساء؛ لذلك أعلنها صريحة -مرة
أخرى- كيف يمكن لامرأة أن تمنح نفسها لشخص فظ غليظ
القلب وتنجب منه أولادا؟!
ما أعرفه -وأنا واثقة منه تماما- أن كرامة المرأة فوق
كل شيء، وأنها يمكن أن تغفر لزوجها كل شيء إلا إهانة
كرامتها أو إساءة معاملتها -طبعا إذا لم يعتذر بأن
فعله نجم عن غضب أو انفعال- فكيف كنت تتجامعين أنت ومن
هو فظ غليظ القلب؟ (معذرة لجميع الإخوة القراء؛ فأنا
إلى الآن لم أستطع تحليل هذه المشكلة المنتشرة في
مجتمعاتنا!).
كيف لا يسود الحب بين الزوجين ومع ذلك يستطيعان أن
يستمرا في علاقتهما الجنسية؟ أرجو ممن لديه جواب على
هذا الإشكال -بالنسبة لي على الأقل- ألا يتأخر في
المشاركة؛ لأنني شخصيا لا أستطيع أن أتخيل الجنس
حيوانيا بهذا الشكل؛ إذ كيف تنعدم الرحمة والمودة بين
الزوجين ويستمران في الاتصال الجنسي؟!
والخطأ الثالث أنك لم تفطني أن تضعي في شروط العقد أن
تعيشي معه في نفس البلد الذي يعمل به، وبالطبع لا يخفى
عليك أن مشكلتك مشكلة موجودة بسبب كثرة المغتربين
للسعي وراء المادة، ومن سَنّ سُنّة البعد بين الزوجين
لأجل المال لم يكن يعرف أن هذا البعد هو القاصمة
للعلاقة الزوجية؛ فإما أن يتم قبولها بواقعية، وإما أن
الحياة الزوجية لا تنتهي على خير. علما بأنني أضع عذرا
لزوجك عندما يقول: إن ظروف عمله غير مستقرة؛ فقد يكون
محقا، وقد يكون هذا هو السبب الذي جعله كما تصفينه.
من الأفضل أن تتخذي له العذر حتى تستطيعي أن تغيري من
حاله أو أن تتفاهمي معه على الأقل حسب الحلول التي
أقترحها:
أولا: أن تشكي مشكلتك لشخص حكيم من أهلك مهما كانت
درجة قرابته، وتطلبي منه أن يساعدك في التفاهم مع زوجك
أو مع أحد حكيم من أهله، وهي طريقة التحكيم التي أمر
الله سبحانه بها: "وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن
بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ
عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ"، فحاولي أولا بالطريقة السلمية،
وإن كنت أقدر صعوبتها، خاصة مع بُعده عنك؛ فكيف سيتم
التفاهم معه وهو في بلد وأنت في آخر؟ لكن ربما ينفع
إعادة تلك الضغوط العائلية التي ذكرتها في رسالتك.
ثانيا: لا أدري مدى إمكانية أن تسافري إليه؟ وهل فقدت
حقك في الإقامة أم لا؟ فإذا لم يكن فضعيه تحت الأمر
الواقع، وأخبريه أنك آتية إليه؛ لأنه مقابل استمتاعه
بك قد بذر فيك بذرتين هو مسؤول عن إنشائهما وإنمائهما
بنفس القدر الذي أنت مسئولة فيه، وفي حال أن تكوني
فقدت إقامتك هدديه أنه إذا لم يرسل لك إقامة جديدة؛
فإنك ستطلقين نفسك بالمحكمة.
لكن لا أنصحك أبدا أن تقامري بطفليك، فقط استخدمي هذا
التهديد من أجل الضغط وليس أن تستعملي الأولاد كسلاح
حقيقي؛ فكل رجال العالم لا يستحقون أن نضحي من أجلهم
بأطفالنا حتى لو كانوا آباءهم، وعليك أن تعلمي أن الله
يسألك إن ضيعت طفليك؛ فالأمومة أكبر في المرأة
الطبيعية من أي عاطفة أو غريزة، وما تجدينه بين جنبيك
من رغبة جنسية لا تعادل في الميزان الإلهي ولا في
النظرة الإنسانية ذرة من إحياء نفس.
وأنا أكتب لك هذا الكلام من تجربتي؛ فأنا أعرف امرأة
مطلقة تزوجت بعد أن طُلقت شخصا آخر، وابنها الأكبر
احتفظ به أبوه، وعانى الأمرّين من ظلم زوجة الأب، وهو
ذو نفسية مدمرة اليوم تماما، وأخوه الأوسط نشأ عند بيت
جده لأمه؛ فهذا أفضل الثلاثة، وإن لم يكن بتلك النفس
الكريمة، وأما الأخ الأصغر فقد بقي عند والدته وقد
استحكمت فيه علة نفسية نتيجة غيرته من إخوته من أمه
الذين أنجبتهم من الزوج الآخر, لذلك أقرر
-وهو رأي شخصي لا ألزم به
أحدا- أنه رغم أهمية الجنس لدى المرأة فإنه ليس
أهم من أولادها.
ثالثا: إذا لم تجدي أذنا صاغية من أحد فالجئي إلى
القانون لتطلبي الطلاق من زوجك، وأعتقد أن من حقك أن
ينفق عليك وعلى أولادك، وإذا كنت تعملين فخروجك للعمل
يخفف عنك مأساتك، وقد يرسل الله لك أبا حنونا لأولادك
"ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب".
لكن كما أسلفت لك؛ ليكن همك تربية أطفالك وليس الزواج
من آخر؛ فإياك أن تخرجي من مطب لتقعي في مطب آخر. فقط
طلاقك هنا يهيئ لك إمكانية الزواج مرة أخرى، وبقاؤك
كما أنت عليه لا يرضى به الله سبحانه، وهو القائل:
"ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة"، وميل الزوج
هنا قد يكون لامرأة أخرى، وفي حالتك قد يكون ميل زوجك
للمال؛ لأن الغربة تحول الإنسان البعيد عن عائلته إلى
مجرد آلة لإنتاج المال وتصديره، وهذا الكلام لا يفهمه
إلا من جربه وعانى منه.
رابعا: أن تتحولي إلى السمو الروحي على طريقة الرهبان؛
فتنسي أنك زوجة، وأن الزواج ما هو إلا سكن روحي يتهيأ
عبر روابط جسدية؛ فتبقي كما يتفضل أهلك الكرام "معلقة
ولا مطلقة"، وهذا يعني أنك أصبحت راهبة على الطريقة
الكاثوليكية، وأقتطف لك هذا المقطع من مقالة لفولتير
في موسوعته الفلسفية لتتأكدي أنت والقراء الأعزاء أن
أحوالنا الآن ليست أفضل من أحوال القرون المظلمة في
أوربا:
"حاكم لإحدى المدن كان سيئ الحظ؛ لأنه تزوج امرأة
تعرضت لإغواء من كاهن قبل زواجها، ومن وقتها أغرقت
نفسها بالخزي لفضائحها العامة. كان هذا الحاكم معتدلا
جدا بحيث تركها بدون أدنى ضجة. كان بعمر أربعين سنة
قوي البنية ومظهره مقبولا، ويحتاج إلى امرأة. ولا
يستطيع أن يغري امرأة شخص متزوج أو يتعامل جنسيا مع
امرأة عاهرة. فكتب التماسا إلى كنيسته هو التالي:
زوجتي أجرمت وأنا من عوقب. أحتاج امرأة أخرى لحياتي
ولأبقى عفيفا. والطائفة التي أتبعها تمنع حصولي على
زوجة، وتحرم علي الزواج من فتاة بريئة. إن القوانين
المدنية اليوم للأسف مغرمة بالقانون الأسقفي، الذي
يجردني من أبسط حقوقي الإنسانية. تمنعني الكنيسة من
طلب المتعة التي تحرمها، وبذلك تجبرني أن أكون مجرما
(زانيا).بحثت في كل أهل الأرض فلم أجد غير الكنيسة
الكاثوليكية هي التي لا توافق على أن الطلاق والزواج
الجديد حق طبيعي لأي إنسان.
ما هذه السيطرة لقانون يترك الرجل بدون زوجة رغم أنه
أصبح سيئ السمعة بسبب اعتداء الآخرين على سمعته؟
يسمح لي بالانفصال لكن لا يسمح لي بالطلاق؛ والقانون
يجردني من زوجتي، بينما يمنحني اسم "السر المقدس"؛ ما
هذا التعارض؟! ما هذه العبودية؟! وتحت أي قانون
خلقنا؟!
والأغرب من هذا أن قانون كنيستي يتعارض تماما مع ما
قاله السيد المسيح: كل من ترك زوجته -لأي سبب غير أنها
زنت- وتزوج أخرى فهو زان.
إلى الآن لم أفهم كيف لأساقفة روما أن ينتهكوا قانون
من يعتبرونه سيدهم! لماذا يسمح لي الله بالزواج مرة
ثانية ولا يسمح لي بابا روما؟
كان الطلاق مسموحا به عبر كل الإمبراطوريات، وكان كل
ملك يطلق زوجته ليحصل على أخرى، حتى أتى غيرغوري
التاسع فأصدر قانونا يجعل الزواج عبودية راسخة. ومن
بعدها أصبح الملوك يخترعون الكذبة تلو الكذبة ليطلقوا
زوجاتهم ويتزوجوا غيرهن، وهكذا أصبح واجبا على المرء
أن يكذب إذا أراد أن يحصل على الطلاق بشكل شرعي.
ما هذا؟! الملك يستطيع أن يبدل تاجه إذا أحب، ولا
يستطيع أن يستبدل زوجته إلا بإذن من الكنيسة! كم عاش
الرجال المتنورون في عبودية باطلة؟!
إذا كان الشماسون يستنكرون الزواج فهم ضد التناسل
والتكاثر (الفطرة)، وإذا كانوا يقدسون سوء الحظ الذي
يعيشون به؛ فلأنهم لا يعرفون أنهم ضحايا للباباوات
الذين يريدونهم عبيدا لهم وجنودا بدون عائلات وبدون
ممتلكات ليتفرغوا للكنيسة، لكنني حاكم أخدم المدينة في
النهار وأحتاج زوجة في الليل. ولا يحق للكنيسة أن
تجردني من حق وهبه الله لي. كل الرسل تزوجوا، وأنا
أريد أن أكون مثلهم. إذا كنت أعتمد على كاهن يقيم في
روما، وهذا الكاهن يريد منعي من زوجتي.. فليقم هذا
الكاهن بإخصائي كي أغني في جوقة التراتيل!". |