|
أرجو أن تعذريني أنت والإخوة القراء إذا حمل جوابي هذا تكرارًا لأفكار سبق أن
عرضتها في كثير من الردود، مثل (كل
ما قد فات فات ....وكل ما هو آتٍ آت)
و (الماضي
بنك معلومات.. والحاضر إيمان وعمل) وهي موجودة في الجزء الأول من هذه
السلسلة.
وما يشفع لي أنني لاحظت وأنا أقرأ رسالتك أن كلمة
تكررت أكثر من 10 مرات، وفي بعض الأسطر تكررت مرتين أو
3 مرات في السطر الواحد، وهذه الكلمة هي "كان" أو
"كنت"، التي كثيرا ما يفوتنا أن نتذكر أنها فعل ماضٍ
ناقص، أي ليست ماضيا فحسب، ولكن كثيرا ما تدل على أنها
ناقصة -أي تدل على الخلل، ولا أقصد أنها بحاجة إلى
إكمال- كما هي قصتك.. فلماذا تفكرين في الماضي
والناقص؟
بالنسبة للماضي يا أختي الكريمة، ذكرنا على هذه الصفحة
كثيرًا أن من أسوأ الأخطاء التي يقع بها المرء أن يعيش
في الزمن الغابر، ونصحنا أن يهرب من الذكريات كما يهرب
من ساعة واقفة؛ لأنها لا تشد إلا إلى الوراء، وقلنا:
إن الماضي ليس إلا بنكًا للمعلومات نستفيد منه، ويجب
ألا نجعله سجنًا نحبس أرواحنا في داخله.
أما الناقص فهو أن علاقتك بابن الجيران كانت خاطئة؛
فأنت تقولين: إنه كان يستغلك في أشياء كثيرة مثل
المال، ثم يحاول أشياء أخرى، وكنت تعطينه ما يريد، ولم
توضحي ما هي هذه الأشياء الأخرى، وإن كانت كلمة
"يحاول"، وعبارة "أشياء أخرى" تحمل مفاهيم ناقصة أيضا،
فسأغض النظر عنها؛ لأنني لا أحب أن يذهب خيالي بعيدًا،
فأتخيل أشياء أخرى ناقصة! وسأسجل لك هذه الجملة التي
وردت في رسالتك لننطلق منها كي تعيشي في الحاضر، جاعلة
من حاضرك خطوة البداية للحركة في اتجاه مستقبل فعال؛
فأنت تقولين: "أفكر به هل كان يحبني أم لا؟ أقول لا؛
لأن مصلحته كانت في أن ينال مني أهدافه، وبعدها يتركني
أسبوعا أو اثنين، وعندما يعاود يأخذ ما يريد للأسف".
والسؤال يا عزيزتي: ما هو الربح الذي يعود عليك من
تفكيرك برجل لا يحبك وإنما يحب مصلحته؟ هذا إذا كنت لم
تزالي عزبة، أما وأنت متزوجة وعندك طفلان.. فما مقدار
الخسارة التي تتوقعينها من تفكيرك بهذا الشكل الخاطئ؟
بما أنك تطلبين المساعدة -وهو ما أشكرك عليه، ولا شك-
أرجو أن تعودي لمشكلة "
لقطة كاشفة: رسالة من كوكب
الصمت"؛ حيث إنني قلت لصاحبتها: إن
الحقائق تبدأ بالأحلام إذا كانت الحقائق رفيعة، وتبدأ
بالأوهام إذا كانت الحقائق رقيعة؛ فما هو مستوى
خيالاتك يا أختي العزيزة؟
كذلك طلبت منها أن ترمي بأوهامها في أول سلة مهملات كي
لا تزيد الحالة وهمًا على وهْم، وتعيش المرأة في
الخيال؛ فتسكبه على الواقع؛ فتكون الطامة! وهذه
النصيحة موجهة لكل امرأة متزوجة من رجل طيب يحبها، ثم
تتمنى غيره كما هو وضعك.
فأسألك يا أختي: هل أنت عزبة كي تسمحي لنفسك بتخيل
فارس الأحلام يأتيك على حصان أبيض، ويخطفك ويطير بك
على فرسه المجنح إلى السماء؟!
أم هل لديك الكثير من الوقت الفائض لتحتاري كيف
تقضينه؟ فهلا مننت به علينا وهلا منحتنا جزءًا منه
لأنني أسأل: من أين لك الوقت لتفكري بابن الجيران،
وأنت ربة منزل وامرأة عاملة وأم لطفلين؟ هل أستنتج من
هذا أن خيالاتك هذه تقتطعينها على حساب أمور أهم؟!
نعيب على الغرب، ولكن عندما أقول: إننا نعيش في ظلمات
كظلمات العصور الوسطى في أوربا يظنني البعض متشائمة،
ولذلك درست في كتابي الأول "فلاسفة التنوير في
أوروبا"، ومنهم فرنسيس بيكون الذي يقول: "النحلة
العاملة لا تجد وقتًا تقضيه بالأحزان"، فهلا كنت نحلة
عاملة أيتها الأم العاملة!
يا أختي الحبيبة، تذكري حديث الرسول عليه الصلاة
والسلام: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن
أربع..." منها "عن عمره فيما أفناه؟" وتذكري قوله عليه
الصلاة والسلام: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس:
الصحة والفراغ"؛ فاستفيدي من وقتك بأن تملئيه بكل نشاط
جسدي وروحي, ديني ودنيوي، وفي موقعنا الكثير من
الاقتراحات لن تحصيها إذا اطلعت على صفحاته بشكل دائم.
انسي حبك القديم، وقد يساعدك عدم الذهاب إلى بيت أهلك
لمدة معينة ريثما تخف وساوسك، وارضي بما قسم الله لك،
ولا تمدي عينيك إلى ما في يد غيرك؛ فالمؤمن هو الذي
ينظر إلى من فوقه في الدين فيطمح لمرتبته، وهو الذي
ينظر إلى من هو أقل منه في الدنيا فيحمد الله على ما
هو فيه، والجئي إلى الله بهذا الدعاء: "اللهم زين
بالعلم قلبي، واستعمل بطاعتك بدني، وخلص من الفتن سري،
واشغل بالاعتبار فكري، وقني شر وساوس الشيطان حتى لا
يكون له علي سلطان".
وعلى صعيد حياتك الزوجية أنصحك أن تنتبهي لزوجك، وأن
تغرقيه بالحب حتى لو لم تكن أحواله المادية جيدة، ومدي
يد المساعدة له، وكوني ملهمته الروحية ليحسن إنتاجه،
ولا تزيدي همومك وهمومه بأمنيات لا تحمل إلا الهم
والصداع.
وضعي صورة زوجك وأطفالك في حقيبة يدك؛ فبمجرد أن يخيل
لك صديق الماضي أبعدي الوهم وأخرجي الحقيقة، وانظري في
الصورة واحتوي هؤلاء الثلاثة بقلبك، واعتني بهم بعقلك؛
فهم أحق بالرعاية من حب كان وهمًا وانقضى، وحياتنا من
صنع أفكارنا، وتحكي الحكمة قصة رجلين وراء قضبان السجن
فنظر أحدهما إلى وحل الطريق، أما الآخر فنظر إلى نجوم
السماء، فأيهما أجمل: الوحل أم نجوم حياتك الثلاثة؟! |