|
أشكر للأخت المتابِعة متابعتها، فكثيرا ما بينا أن المتابعة من صاحب المشكلة تبين
لنا أن هناك تفاعلا منه وتجاوبا يدفعنا بالتالي إلى تقديم أفضل ما بوسعنا، كما أن
هذا التجاوب يدلنا على أننا نتعامل بكامل الصدق مع بعضنا البعض، وأن حجاب الإنترنت
ليس مانعا للقاء البشري والفكري والقلبي.
أسأل الأخت المتابعة وليس سؤالي من أجل الحصول على
إجابة، لكن لعله سؤال من باب الاستغراب: أين هذا
الوالد الذي أصر على زواجك قبل أن تكملي دراستك؟
ولماذا لم يساندك؟
أنقل هذا المقطع من قصيدة "مقتل كليب" للشاعر المرحوم
"أمل دنقل" إذ يقول في وصف اليتيمة التي قُتل أبوها
غدرا:
حرمتها يدُ الغدر
من كلمات أبيها..
من ارتداءِ الثياب الجديدةِ
من أن يكون لها ذات يوم أخٌ!
من أبٍ يتبسَّم في عرسها..
وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها..
والقصيدة تحكي ملحمة حدثت في الجاهلية (أي قبل
الإسلام)، وما أشبه الليلة بالبارحة، ودور الأب واضح
وهو أن الفتاة تعود إليه إذا الزوج أغضبها؛ فمن للفتاة
غير أبيها إذا وقعت بين يدي زوج فاجر كزوجك؟!
على كل حال أرى أي كلمة إضافية ليست ذات فائدة؛ فهذا
الأخ المشارك يقول لك: إنك قد حُرمت عليه لردته،
وسأترك كلامي للأخ الكريم الذي أقدِّر غيرته الدينية
بعد أن أنتهي معك، فقد بينت لك في ردي السابق أنه عليك
أن ترفعي دعوى الطلاق، سواء تنازلت عن حقك أو أحضرت
شهودا على معاملته السيئة لك، ولا أدري إن كان هذا
ممكنا في بلد إقامتك أم أنه عليك أن تعودي لبلدك
الأصلي؟ لكن ما أنصحك به أن تنتهي من هذا المحنة بأسلم
الطرق؛ بحيث تخرجين من أزمتك بأقل الخسائر الممكنة.
وبرأيي الخاص أن الطلاق مُرّ في أغلب الأحيان كما هو
عنوان مشكلتك-؛ لأنه يعني للمرأة هزيمة نفسية
واجتماعية، وقد بينت في ردي "سنوات
الحب والعذاب.. متابعة " الأثر
الاجتماعي للطلاق، وأما الأثر النفسي فتدل عليه طبيعة
المرأة العاطفية التي تجعلها أشد تأثرا بأي معاناة
كانت؛ فكيف إذا كانت المعاناة تخصها هي ذاتها؟!
ويمكننا من هنا أن نفهم أكثر المفهوم الشرعي لكلمة
القوامة؛ التي تعني قوامة الرجل على المرأة؛ فالمفهوم
الظاهري للكلمة يبدي أن القوامة حق للرجل، بينما إذا
تعمقنا في نفسية كل من الرجل والمرأة نجد أنها حق من
حقوق المرأة على الرجل؛ فالقوامة واجب على الرجل بنفس
الوقت الذي تبدو أنها حق له؛ والسبب في هذا أن فطرة
المرأة تجعلها بحاجة إلى من يحميها ليس جسديا وماديا
بقدر ما يحميها عاطفيا ومعنويا.
وعندما يحصل الطلاق فهذا يعني للمرأة أنها فقدت تلك
الحماية المعنوية، هذا إضافة إلى النظرة الاجتماعية
الخاطئة؛ ولكن من الواجب أن أذكر هنا أن بعض النساء
المطلقات تجاوزن هذه النظرة الخاطئة، وتغلبن على الضعف
النفسي الفطري، سواء بواسطة الإيمان بالله أو الثقة
بالنفس أو الاثنين معا، وخاصة عندما تجد المرأة نفسها
في مواجهة مجتمعها الذي لا يرحم، وأسرتها التي لا
تساعد، ومطلقها الذي يتهرب من النفقة عليها وعلى
الأولاد؛ فكان لا بد لها من النزول إلى ساحة العمل
والقيام بدور الأم والأب معا.
إذن أرجو أن تعلمي يا أختي الكريمة أن الذي يلجأ إلى
الله لا يُهزم؛ لذلك أنصحك بالرجوع إلى الله سبحانه،
والتضرع إليه ليكشف ضرك، ويفرج كربك، ويكون عونك في
أزمتك، ويكفي أن ترددي هذا الدعاء صباح مساء: "اللهم
أنت المستعان، وبك المستغاث" وإليك المشتكى، ولا حول
ولا قوة إلا بك"؛ لتستشعري معية الله معك، وأنه حاشاه
أن يتخلى عمن لجأ إليه بصدق، لكن تذكري أن تبقي على
صلة دائمة بالله في السراء؛ ليكون معك في الضراء،
وصدقيني أن نصيحتي لك نصيحة مخلص مجرب، بأنه ليس مثل
التضرع إلى الله سبحانه دواء في هذه الحالات؛ حيث لا
تجدين معك من يساندك إلا الله، وكفى بالله وكيلا،
وتذكري أن يد الله تعمل بطريقتها الخاصة كما يقول أحد
العباقرة، وتذكري أيضا هذا البيت للسادة الصوفية:
أيها الحامل همًّا كان حمل الهم شركا
سلم الأمر إلينـا نحن أولى بك منكا
وأخيرا أهمس في أذنك ما قلته مرات ومرات: إنه لا شيء
مفيد للنضج مثل الصدمات واهتزاز
المشاعر؛ فلا تندمي على تجربة كانت سبب تعقلك وحكمتك،
وعلى أمل ألا تقعي في مثلها مرة أخرى أبقى في انتظار
أخبارك. |