|
أهلاً بك يا أختي الكريمة، وأعتقد أن قرارك بالطلاق جاء في الوقت المناسب، وخاصة
قبل مجيء الأولاد، لكن أرجو أن تسمحي لي بلفت نظرك إلى طريقة التعارف التي تمت
بينكما، فلا أدري إذا كانت المدة التي قضيتها في بلدك الأصلي لتتعرفي جيدًا على من
سيكون شريك حياتك كافية أم لا؟ وهل تزوجته على طريقة الغرب بحيث أن أهلك لم يكونوا
على علم بقرارك في الزواج منه إلا بعد أن رجعت إلى البلد الذي تقيمون فيه؟
والمقصود أن قصة زواجك غامضة، ونحن إذا أردنا معرفة
التفاصيل عن الماضي فليس كي نعيد السائل إليه ونجعله
يعيش فيه، إنما لأن تحليل الأسباب يجعلنا نتفهم طبيعة
المشكلة وشخصية السائل أكثر، كما يجعلنا أقدر على
الإحاطة بالنتائج وبالتالي إرشاد السائل للحل الأفضل ،
على كل حال ليس لي إلا أن أنطلق من معطياتك أنت في هذه
الرسالة، لأصحح لك بعض ما جاء فيها:
أولاً: تحول زوجك فجأة بعد الزواج إلى شخص غريب؛ فأنا
لا أعتقد أن التحول الذي يطرأ على شخصية أي إنسان يتم
بين عشية وضحاها، وأغلب الظن أن هذه الصفات كانت
موجودة فيه، لكن إما أنه الحب الذي أعمى عينيك عن رؤية
مثالبه، أو أنها العجلة من طرفك أو طرفه، أو أنها ظروف
أخرى لم تذكريها هنا جعلتك تقبلين به.
أما إنه كان شخصًا أليفا فأصبح وحشًا، فلا بد أن لهذا
التحول أسبابه، ولا يمكنني أن أوافقك على بداية القصة،
اللهم إلا إذا كان ممثلاً من الطراز الأول، وهذا وارد
لكنه يعني أنك كنت عديمة الخبرة بالناس أو ساذجة من
الطراز الأول أيضًا.
ثانيًا: رأيته مع فتاة أخرى واعترف بعلاقته معها وصبرت
وتحملت، وهذا جيد أن تغفري له إذا كان قد تاب عن
غوايته، ولكن هذا ما لم تذكريه أيضا، أي لم تذكري أي
شيء عن توبته وندمه واعتذاره لك، فماذا فعلت غير الصبر
والتحمل؟
ثالثًا: الانهيارات العصبية التي تعرضت لها نتيجة
أفعاله -مع أنها لا تدل على رد فعل منطقي- واردة في
حال إذا لم يكن حولك من يساندك معنويًّا، فأين أهلك؟
وقد فهمت من قصتك أنه لحق بأسرتك في البلد الغربي،
وهنا بالطبع يلوح سؤال واضح كالبقعة السوداء في الصفحة
البيضاء، أي أنه واضح لكل ذي عينين: هل كانت غاية هذا
الرجل من الزواج منك الحصول على الجنسية الغربية؟ أم
أن الظروف التي رافقت تعارفكما حجبت عن عينيك هذا
السؤال البسيط؟
رابعًا: لا يأبه بالدين ويسب الله وما إلى ذلك، أسألك:
هل اهتممت أنت أو أهلك بالتحري عن دينه وأخلاقه قبل
الزواج أم أنكم كنتم تعتقدون أن الزواج سيصلح حاله،
وأنه سيعود إلى ربه في القريب العاجل؟ أم أنك كنت
تظنين أنك قادرة على حمله على التدين حملاً؟ أم أن هذا
الأمر لم يكن ذا مساحة في تفكيرك في ذلك الوقت؟
ولا أريد أن أتنبأ بما لم يأت في رسالتك، ولكن أظن أن
كثيرا من الفتيات يهمهن الحصول على عريس بالدرجة
الأولى، وهذا لا عيب فيه ولا شك، لكن المشكلة إذا لم
تترافق هذه الرغبة بالاهتمام بمعنى الزواج ومفاهيم
المسؤولية.
وتزداد هذه الرغبة -أي الزواج- عند اللواتي يقطنَّ في
بلاد الغرب؛ لأن الحياة في تلك البلاد تجعل الطفل
الصغير يبحث عن المتعة لإشباع الرغبة التي تفور وتشتعل
بحكم ما يراه أمام عينيه، وطبعا أنت لم تذكري أي شيء
عن الميزات التي جعلتك تتزوجين شخصًا كهذا، وليس لدي
الرغبة أنا أيضًا لأتخيل ميزات كهذه.
خامسًا: لا أرى داعيًا كبيرًا لمناقشة موضوع الجماع
الذي ذكرت أنه ينافي الدين؛ لأنك لم توضحي مقصدك، لكن
أرجو أن تعودي لإجابتي: "مخاوف
ملتزم : الزواج بالمراسلة والجنس بالتعلم"
فقد بينت ما هو الحلال والحرام في علاقة
الزوجين مع بعضهما من رأي أحد علمائنا الأفاضل.
سادسًا: بعض علماء الدين يقولون بأن الطلاق لا يناسب
المجتمع العربي، فلماذا يقولون هذا؟ هل أنزل القرآن
بلغة غير العربية مثلاً؟! أم أن الطلاق في المجتمع
العربي محرم والزواج لدينا على الطريقة الكاثوليكية؟!
أم أن سورة الطلاق ليست موجودة في القرآن الكريم؟!
أرجو كذلك أن تعودي لإجابتي في: "
سنوات الحب والعذاب.. متابعة"، حيث
أوضحت سبب نظرة المجتمع الخاطئة للمطلقة؛ فالذي حرم
الطلاق ليس الدين يا أختي العزيزة إنما هو المجتمع
المتخلف والآراء الخاطئة عن المرأة التي سادت زمن عصور
الانحطاط والتي ما زالت تسيطر على أذهان البعض، أما
الطلاق فهو في شرعنا أبغض الحلال إلى الله، ومع ذلك
فهو حل مناسب لأزمات كأزمتك.
إذن أعود لما قلته وهو أن قرارك قرار صائب في الطلاق
إلا إذا حصلت معجزة وتغير زوجك مرة أخرى، ولكننا لم
نعد في زمن المعجزات، وقراءة سورة الأنعام لن ترد
الحرب التي أعلنتها أمريكا على العراق، وهذا ما وصلني
على المحمول للتو كرسالة من صديقة كنت أظنها من
المثقفات فخاب ظني بها بعد قراءة رسالتها القصيرة كما
خاب ظنك بزوجك.
أختي الكريمة، إن الله سبحانه يقول: {فإذا عزمت فتوكل
على الله}، أي عليك أن تمضي بقرارك إلى النهاية، ولا
أعتقد أن زوجك يستطيع ألا يطلقك إذا رفعت دعوى طلب
الطلاق عليه سواء كان بإثبات سوء معاملته لك عن طريق
الشهود، أو في أسوأ الأحوال بتنازلك عن جميع حقوقك وهو
ما يسمى شرعًا الخلع، ولا يكفي أن تجلسي في البيت
وتندبي حظك وتقرئي القرآن أو البخاري، بل ما فاز
باللذة إلا الجسور، ولا يضيع حق وراءه مطالب.
طبعا يفيد اللجوء إلى الله، لكن التوكل على الله
سبحانه يكون بالأخذ بالأسباب كي يكون التوكل صحيحًا،
وكذلك فإن كل ما جاء في ردي مبني على المعطيات في
رسالتك، وإلا فأنصحك بالتدبر أكثر، وسؤال أهل العلم
حولك، بشرط ألا يخلطوا بين تقاليد المجتمع البالية
وأحكام الدين السامية، والسلام عليك. |