|
أنا صاحبة المشكلة التي تفضلت د. ليلى بالرد عليها ونشرت تحت عنوان "
زواج المغتربين.. مشهد من مأساة متكررة "، وأقول للأخت
المشاركة برأيها: أرجو يا أختاه أن يكون غضبك
قد سكن، وأنا آسفة إذ أيقظتك مشكلتي من حلم جميل، كنت ترين فيه العالم ورديا ليس
فيه سوى العاقلات والمثقفات والمتدينات... وهلمَّ جرا.
ربما تستغربين أني قلت لك بأن هجومك لم يفاجئني بل أتوقعه ممن لم يعش
القصة بكاملها ومن لم يكن شاهد عيان -كما يقولون- على
واقعة تصلح أحداثها للنشر في أولى صفحات الصنداي تايمز.
ولهذا أعذرك يا أختاه، ولكن اسمحي لي أن أسالك: من أين
أتيت بكل هذه القسوة وسوء الظن بي؟ أم تراني بهذه
الوحشية وأنا غافلة؟... اللهم عفوك يا رب.
لكني أبَيت إلا أن أرد على مشاركتك ليس بهدف الدفاع عن نفسي المذنبة
بقدر ما أود مساعدتك وتخفيف أثر الصدمة عليك كي لا
تكيدي لحماتك وأخت زوجك إن كنت متزوجة، وإن لم تكوني
فلكي لا تقبلي عليهما وأنت تدقين طبول الحرب احتياطا
من مؤامرتهما عليك... فهوني عليك فالعقلاء يا أختاه
ينظرون إلى الأمور من زوايا متعددة ويتبينون؛ خوفًا من
أن يصيبوا قوما بجهالة، ويصبحوا على ما فعلوا نادمين.
ودعيني الآن أبرهن لك أني وأمي لسنا كما تدعين:
أولا: أنا لم أتدخل في أمر زواج أخي كي أتدخل في طلاقه، وربما لن
تصدقي أيضا أني لم أر زوجته إلا بعد أن انتقلت للعيش
في بيتنا؛ فكل شيء تم بسرعة البرق، وأسرع أهلها بزفها
إليه ربما خوفًا من أن تضيع الفرصة، وهكذا أصبح هذا
الزواج بمثابة الأمر الواقع بالنسبة إلي ومع ذلك
تقبلته بصدر رحب وتعايشت معه.
ثانيًا: من قال لك بأن أخي لم يشتكِ.. أم هل الشكوى تكون بالتصريع
والتجريح؟ أم تراك لا تعلمين أن توضيح الواضحات من
المفضحات؟ ومن أدراك أنه لم يكن يتقطع ندما على زواجه
منها بعد 3 أيام من زفافه، وأنه أبقى عليها خوفا على
سمعتها مما قد يظنه البعض؟ أم تراه صحيحا المثل القائل
"اتق شر من أحسنت إليه"؟
ولنأت إلى وقاحتي وتدخلي في ما لا يعنيني، ألم يكن نصحي لها وإرشادي
سرًا وعلانية نابعًا من أملي في أن تسعد نفسها من خلال
إسعادها لزوجها؟
لا شك أنه أخطأ بزواجه منها، ولكن دعينا نلق نظرة على دوافع هذا
الخطأ، وأكرر أني لا أبرئه بل أحاول تحليل الأمور كمن
يفكر بصوت عال.. أعدت قراءتي لما وصفت به أخي في
رسالتي السابقة، وأدركت أني لم أنصف في وصفه؛ إذ حاولت
الاختصار، وكان الاختصار مخلا في هذه الحالة؛ وهو ما
أعطى انطباعًا عنه بأنه عديم المسئولية ولا يهمه سوى
متعته الشخصية. ولست أبالغ إذ قلت بأن ما أقدم عليه من
زواج كان جزئيا نتيجة إحساسه بالمسئولية، ودعيني هنا
أشرح لك ما أقصد.
تخيلي أسرة صغيرة تعيش في الغربة لا تجد الأم من يؤنس وحدتها بعد أن
يذهب ابنها إلى عمله أو جامعته، والبنت كذالك من
الصباح وحتى المساء؛ فاجتهدت حسب فهمها وارتأت أن تزوج
ابنها كي تملأ زوجته عليها حياتها، وتملأ لها البيت
بالأحفاد، وتقر عينها بهم بعد كد وتعب ووحدة دامت سنين
طويلة.. أما زلت تشمين بعد هذا رائحة مؤامرة نتنة؟
كان أخي ككل الشباب يحلم بمن ستشاركه طموحه وأفكاره ومن تكون بمستواه
العلمي أو أكثر، ولكن المعادلة كانت صعبة إن لم تكن
مستحيلة، فكيف للمتعلمة والمثقفة أن تجلس في البيت مع
حماتها وتكنس وتطبخ وتلد وتربي؟ أليس هذا ما يدور في
رؤوس معظم فتياتنا اللواتي يحسبن أنفسهن مثقفات؟ ألم
يتنازل هو عن حلمه ليحقق لأمه رغبتها.
ثم تأتين وتتحدثين عن العيشة المستقلة.. أليس هذا هو العرف السائد في
مجتمعنا أم ربما تنتهي صلاحية الأم حين يصبح وجودها
غير ضروري ولله ما أعطى ولله ما أخذ؟ أم تظنين أن تلك
الأم سعت لتكتب نعي سعادتها واستقرار أسرتها بأيديها
بعد أن كانت هي التي اختارها ليست فقط زوجةً لابنها بل
بنتا لها إن لم يكن أكثر؟ أم ربما كان عليها أن تصبح
خادمة لزوجة ابنها كي لا يقال بأنها ظالمة ومتسلطة
ومتآمرة؟
ولعلك تفكرين بأن تلك الأحداث لقيت هوى في نفسي، ولم أجد لا في جامعتي
ولا في كتبي ولا في نشاطاتي المختلفة ما يغنيني عن
الوقوف لها بالمرصاد والتربص لها بالأخطاء لكي تطلق
بسبها؛ حتى أصبح أنا مسئولة عن رضيعة والنهوض ليلا
وتغيير الحفاظات وتحضير الرضائع؟ أم تراك تظنين تربية
طفلة من السهولة بمكان أو ربما تسلية؟
ثم تعالي وقولي لي: لو كنت كما تدعين فهل كنت سأهتم بصحة الطفلة
النفسية قبل الجسدية لأسأل عما يمكنني قوله لها في
حالة سؤالها عن أمها؟ وتأكدي أني لو كنت أعلم أن أمها
لا تنام الليل كما تقولين لأخذت الطفلة إليها شاء من
شاء وأبى من أبى؟
هذا يا أختاه ما استطعت إليه سبيلا، وصدقي أو لا تصدقي فما خفي أعظم.
سيدتي الفاضلة د.ليلى لساني يعجز عن الشكر لما قدمته لي من دعم نفسي،
ولعل الله يضاعف لك الأجر في ميزان حسناتك، وأود إن
سمحت لي سيدتي أن أعلق على نقطتين أشرت إليهما في ردك
على المشكلة الأساسية وفي ردك على المشاركة:
أولا: أشرت إلى ظاهرة زواج المسلمة من غير المسلم في الغرب، وأبديت
تخوفك من أني قد أسلك هذا المسلك هروبًا من تسلط الرجل
العربي على زوجته.
وكنت أود أن أطمئنك وأقول لك: كيف أفكر بغير المسلم، وأنا لم أفكر
يوما حتى بالمسلم بالوراثة وغير الملتزم؟ فطموحي يا
سيدتي أكبر من مجرد الزواج لأجل الزواج، وأظنني
استوعبت الدرس.
ثانيًا: أشرت يا سيدتي إلى احتمال تسلط الأخ على أخته،
خصوصًا في حال غياب الأب أو وفاته، وأنا أدري أنك على
حق لكن هذه القاعدة ولله الحمد لا تنطبق عليّ؛ إذ كان
أخي -وما زال- لي نعم الأب والأخ والصديق؛ فهذا ما قد
يبرر محاولتي الوقوف بجانبه وتولي تربية ابنته.
وأخيرًا أحب أن تعلمي أني أحبك في الله، وكم كنت أود
مقابلتك حينما كنت أنا ووالدتي في زيارة لبلاد الشام،
وكان هذا في شهر أيلول الماضي، ويعلم الله أن لتلك
البلاد وأهلها مكانة في القلب، والسلام عليكم ورحمة
لله وبركاته. |