|
سلم قلبك من التقطيع, وشكرا لك على كلماتك بالإعجاب بنا, وبارك الله بك على هذا
التجاوب والإحساس المرهف, لكن هذه الحياة يا أختي, فهلا تمهلت قبل أن تصدري أحكامك
وتستسلمي لأحزانك؟
اسمحي يا سيدتي الكريمة لي بتتبع خطاك في مشاركتك
والرد على أفكارك بالترتيب:
أولا: تعتبين علي, والعتب وإن كان دليل محبة لكنك لم
تظهري سبب العتب إلا ما فهمته بأني تغافلت عن خطأ
السائلة وأهلها, ونسيت أن أكيل لهم التهم وأعيرهم
بأخطائهم, فاصفحي عني يا سيدتي لأننا لسنا في ساحة
قتال مع السائلين, بل إننا نضعهم على رؤوسنا لأنهم
يلجؤون لنا ولولا ثقتهم بنا لما فعلوا ذلك.
وأخبرك أنني رجعت إلى إجابتي السابقة وأدعوك أيضا
لتعودي وتقرئي, فقد كتبت هذه الجملة:
كما أنها مسؤوليتكم أنتم وخاصة أنك تذكرين فقدان شروط التكافؤ بكل
مناحيه, ومن المعلوم أن في العجلة الندامة وفي التأني
السلامة, وكم ذكرنا في هذه الصفحة أن الزواج ليس جنسا
فحسب وليس التقاء شخصين فقط, وإنما هو ارتقاء في مدارج
الكمال الإنساني عندما تتعارف الأرواح عبر جسور جسدية
في شخصين ليكوِّنا أسرة صغيرة تكون نواة لتعارف أسرتين
تصبح صلات القربى والنسب بينهما كصلة الدم إن لم تكن
أحيانا أقرب .
وكتبت أيضا:
أعود إلى مشكلتك الحالية وهي وضعك مع هذه الطفلة التي فقدت أمها بسبب
بسيط هو الذي يقوله المثل:( الآباء يأكلون الحصرم
والأبناء يضرسون), ويمكن أن نضيف إلى كلمة الآباء كلمة
الأجداد وإلى كلمة الأبناء كلمة الأحفاد لأن حفيدة
والدتك هذه تدفع خطأ جدتها, وليس خطأ أمها وأبيها
فحسب.
إذن تستنتجين من كلامي أنني ألفت انتباهها إلى خطأ اختيارهم دون أن
أتبع أسلوبك الحاد في التعنيف والتوبيخ, لأننا يا أختي
لسنا في مجال وضع السائلين في أقفاص الاتهام وقرع
رؤوسهم بمطارق اللوم والتنديد , بل إما أن نحمل في
قلوبنا الرحمة للجميع سواء كانوا على صواب أو خطأ,
وإما أن نتخلى عن هذه المهمة الصعبة لمن هم أقدر منا.
وقد نضطر إلى القسوة أحيانا إذا تبدى لنا أن شخصية
السائل غير المتوازنة تحتاج لهذه القسوة النابعة من
الرحمة, ولم تظهر شخصية السائلة في المشكلة الأصلية
شيئا من عدم التوازن.
ثانيا: أنا وضعت الأعذار لزوجة أخيها بشكل بينت فيه الخطأ الذي يقع
فيه المجتمع بعدم إعداد الفتاة لتكون زوجة, وأوضحت
أيضا الخطأ الذي يحصل عندما يتم الزواج بهذه الطريقة
فتكون الغاية من المسارعة بزواج الشاب هو إحصانه, وقد
ألقيت لوما كبيرا على الشاب شخصيا الذي وصفته أخته أنه
غير مبال ولا يترقب إلا موعد قضاء وطره من الزوجة
الجميلة ومن جهة يصرح لوالدته أنها لا تصلح له كزوجة
وأنه لن يلبث أن يتزوج من غيرها حين يصبح قادرا على
ذلك؛ وهنا كذلك أرجو أن تعودي لردي كيف تتبعت الخطأ
دون أن أبرر لأحد وكيف طلبت منها أن تشعره بمسؤوليته؛
إذ لا نحبذ أن نطبع ردودنا كلها مرة أخرى لأن بعض
القراء الكرام منعتهم انفعالاتهم الصارخة من القراءة
المتمعنة.
ثالثا: لماذا تعتبرينها وقاحة من السائلة أن ترى فراش أخيها لا يبدل
إلا كل ستة أشهر مرة بينما العروس لا يهمها إلا
المكياج والزينة؟ كيف تقبل زوجة أن تنام على فراش لا
يبدل إلا كل ستة أشهر مرة؟ وقد ذكرت السائلة أنها
حاولت إصلاحها مع والدتها دون جدوى, فلماذا تسيئين
الظن بها وتعتبرينها أنها تتدخل فيما لا يعنيها؟ لماذا
إذا نصحت زوجة أخيها الأصغر سنا منها أن تعتني بنظافة
غرفتها كما تعتني برش العطور على جسدها ليقبل زوجها
عليها بنفس منفتحة وكي لا ينتهي زواجهما بالطلاق- ومن
الواضح أنه مبيَّت في نية الأخ- فلماذا تعتبرينه تدخلا
ولا تعتبرينه إصلاحا؟ لم يظهر في أسلوب السائلة أية
وقاحة أو قلة أدب وأنا لست في معرض الدفاع عنها, كما
أنني لست في معرض الهجوم عليك, لكن اسمحي لي أن أقول
لك أنك لم تحسني اختيار ألفاظك, كما لم تحسني قراءة
هذه الجملة التي كتبتها وهي:
( مع استغرابي الكبير لبعض تصرفاتها التي حذفتها أنا إكراما لطلبك في
محو بعض التفاصيل وكذلك إكراما لأخيك وإكراما لابنته
التي ربما تطلع ذات يوم على صفحتنا- والمستقبل بيد
الله- فيسوؤها أن تكون والدتها بهذا الشكل).
إذن يا أختي الكريمة هناك تفاصيل طلبت منا السائلة أن نخفيها حرصا
منها على مصلحة أسرتها كاملة بما فيهم زوجة أخيها التي
تعيش في البلد الأصلي, وقدرت أنا معها هذه المصلحة بما
فيها مصلحة الطفلة بشكل لا متناه بل مبالغ به, فهل
يمكنك أن تتخيلي ما هي التفاصيل التي محوتها؟
بالطبع لن أذكرها فالعمل الحسن الذي قمنا به – وهو هنا إخفاء بعض
التفاصيل - يجب أن لا يدفعنا سوء فهم البعض للرجوع
عنه, لكن أطلب منك أن تتخيلي أي شيء سيئ يمكن أن يصدر
عن امرأة متزوجة, ما هو؟ ليس ما تخيلته بل أكثر
بكثير!!
رابعا: أؤيدك أن من حق الزوجة أن تستقل بنفسها وبزوجها وأن يكون لها
بيتها كمملكتها الخاصة, لكن الأخت السائلة ذكرت أن
أمها كبيرة وأوضحت أن أخاها هو الابن الذكر الوحيد,
وهذا الوضع موجود في كثير من بيوتنا- حتى لو كان
المتزوج أكبر سنا من أخ السائلة بحيث يمكنه الاعتماد
على نفسه- فكيف إذا كانت الأسرة تعيش في بلاد الغرب
التي تكثر فيها اللصوصية والتحرشات الجنسية؟
أذكر هنا أن أحد أقربائي الذين يعيشون في بلد غربي مجاور للبلد التي
تقيم فيه السائلة شرح لي كيف أنه يعرِّف ابنتيه من
زوجته الأوربية المسيحية – أي أنهما ليستا محجبتين كما
أن كلامه كان قبل أحداث 11 سبتمبر- مساوئ السير
لوحدهما, لدرجة أنه لا يسمح لهما بالصعود قبله في سلم
العمارة التي يقطنها, بل يجب أن تكونا دائما على مرأى
منه خشية التعرض لاغتصاب أو تحرش أو أي جريمة أخرى؛
وربما تقولين: ماذا يحمل هذا الابن- أخو السائلة- من
قدرة على الدفاع عن أمه أو أخته ؟ فلا أستطيع إلا أن
أجيبك أن الذكر في مجتمعاتنا العربية وفي جالياتنا
المغتربة هو من يناط به الدفاع عن "القبيلة", وهذا لا
أرى مانعا منه إذا لم يؤد إلى إصابة الذكر بعقدة
التفوق على الأنثى, وهو الأمر المتغلغل في مجتمعاتنا
التي تغلب عليها الثقافة الذكورية وليس الثقافة
الإسلامية؛ فالرجل قوام على المرأة إذا كانت زوجته,
وهذا كما يساء فهمه من قبل بعض الأزواج فيفهم من
القوامة أنه التحكم والتسلط, فإنه يمتد في بعض بيئاتنا
بشكل خاطئ ليشمل قوامة الأخ على أخته, ولو كان يقف عند
حد الحماية لكان شيئا مشكورا ومبرورا لكنه كثيرا ما
يمتد ليصبح تدخلا في شؤون الأخت وسوء ظن بها وكما تدين
تدان.
خامسا: يا أختي الكريمة نحن نجيب السائل حسب ما يتبدى لنا من شخصيته,
وقد تبدى لنا من شخصية السائلة أنها إنسانة محترمة لم
يظهر منها أي تحامل على زوجة أخيها, بل على العكس
طلبها إخفاء بعض التفاصيل للستر دل على وعيها
واهتمامها بسمعة عائلتها وأنها لا تريد سوءا بزوجة
أخيها, فكيف تستنتجين هذا الاستنتاج أنهم هم من تآمروا
على الكنة وكانوا سبب طلاقها مع أن عبارة الشاب مفهومة
وهو ما عبرت عنه السائلة أنه كان ينحني للعاصفة؟ وقد
بينت لها خطأها وخطأ أخيها, فعذرا لأنني لم أفهم سبب
تحاملك الشديد عليهم ونصرتك الواضحة لتلك الزوجة
وكأنها من أقربائك, فإذا كان كل شيء بالآلات في أوربا
كما تقولين فهل من المفترض أن لا يضع أحد أغطية الفراش
مثلا في آلة الغسيل؟ أم أن للأغطية في أوربا عقول تعرف
من خلالها أنها اتسخت ولها أقدام تسير عليها إلى
الغسالة ولها أيد تفتح غطاءها ولها أجسام مرنة
تكوِّمها؟ أم أن غسالات أوربا تعمل بالكمبيوترات
المبرمجة على أساس أنها تشم رائحة الغسيل المتسخ,
فتبحث عنه داخل الغرف وبالتالي تمسك غطاء السرير
متلبسا بجرم الوساخة كما يمسك الشرطي باللص وتقوده هذه
الكمبيوترات إلى السجن داخل الغسالة؟!
سادسا: أنا معك أنه من الصعب أن يصدق العقل أن أمًّا تترك طفلتها,
وهذا كان مصدر استغراب للسائلة نفسها فهي تصف تعلقها
الشديد بهذه الطفلة وتتعجب كيف استطاعت والدتها أن
تتركها. لكن كأنك بعيدة عن صفحتنا يا ابنة الحلال,
أفلا تقرئين فيها اهتمام بعض النساء بأنفسهن على حساب
أزواجهن وأطفالهن؟ أقول هذا لأنك بالتأكيد بعيدة عن
الواقع الذي أخبرك أنه يحوي الكثير من الأمهات
الشاذات, وقد ذكرت في أحد ردودي عن أم مطلقة هان عليها
أن تضع ثلاثة أطفال في مهب التشرد من أجل غريزتها
الجنسية, كما سمعت عن امرأة أعرفها تخلت عن ثلاث أطفال
وهربت مع عشيقها إلى بلد آخر, ورأيت بأم عيني خمسة
أولاد تركتهم أمهم بعد أن توفي زوجها قبل أن تنتهي
عدتها لتتزوج من عشيقها القديم, وحكت لي إحدى صديقاتي
عن والدتها التي تركتها وإخوتها وهم أطفال وطلبت
الطلاق من والدها كي تتزوج بمن غلّف حبه قلبها وأعمى
بصرها, ولي صديقة أخرى تزوجت من مطلق ولديه طفلان تخلت
عنهما أمهما لتدور على حل شعرها -كما يقال بالعامية-
فماذا تقولين عن هذه النساء؟
أعرف أن القطة لا تترك أطفالها بل تحملهم بأسنانها إلى الأمان, ولكن
يا أختي الكريمة لقد وصف الله بعض الناس فقال عنهم:(
إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا), ففي أي فردوس
أرضي تعيشين يا أختي العزيزة؟
سابعا: الحل الذي طرحته أنت بإعادة الزوجة إلى زوجها وعدم التدخل في
شؤونها لم أقترحه لأنني أدركت من خلال النظرة الشمولية
إلى المشكلة ومن خلال تفاصيلها التي أخفيت الكثير منها
أن هذا الحل غير وارد, فالطلاق حل لزيجة تمت بهذا
الشكل, والبدايات تدل على النهايات كما يقال, كما أنني
لم أحبذ أن تعيش الفتاة في حضانة أمها لسببين:
السبب الأول: أنه حق شرعي للأم في هذه الفترة ولو كانت تريد ابنتها
لحصلت عليها بأهون السبل, والسائلة تقول أنها تخلت عن
طفلتها بسهولة. وعذرها هو عدم إحساسها بالأمومة التي
ربما تظنين أنت أن كل النساء يشعرن بها بمجرد الوحم
والحمل, والموضوع ليس كذلك أبدا يا أختي, ولعل اطلاعك
على بعض الأفكار الشاذة لدعاة النسوية يؤكد لك أن هناك
مجموعة من النساء والرجال ينكرون هذه الطبيعة الموجودة
بالمرأة بشكل كامل ويدعون أنها مجرد كذبة أو وهم يزرع
في رؤوس النساء لتكون المرأة هي المضحية من أجل
أولادها؛ ومع تأكيدي لسخف هذا الرأي وضآلته وضحالته
لأن المرأة أم بالفطرة, والمهمة التي وكلت بها هي التي
قدست الأنثى وجعلت الجنة تحت أقدامها عندما تكون أما
صالحة, فإنني لا أنكر أن أفكارا بائسة كهذه منتشرة في
رؤوس بعض النساء لدرجة توارثها بنتا عن أم وحفيدة عن
جدة.
السبب الثاني: أن من لا تعرف من الزواج إلا ما ذكر وأنه تأهب للزوج
على الفراش فقط دون أن تدرك أنه استعداد أيضا لتخطي
الصعوبات بما فيها صعوبة التفاهم مع عائلة جديدة, فكيف
يمكنها أن تعتني بطفلة وتكون مسؤولة عنها؟ المشكلة هنا
هي نقص الوعي وعدم الشعور بالمسؤولية, فما أكثر
الأمهات ولكن ما أقل من يحسنّ صنعة الأمومة!
أخيرا: اعذريني فمع تفهمي لشعورك تجاه الطفلة وتقديري
ليقظتك الإيمانية, لكنني لا أرى أنك أتيت بشيء جديد
على ما قلته في ردي, سوى أن رسالتك تحمل الكثير من سوء
الظن بالسائلة وأهلها وهذا ما نتمنى أن نترفع عنه بوضع
الأعذار للجميع, كما تدل على طيبة وسذاجة وانفعال نرجو
كذلك أن نتخلص منها لأنها تسهل كثيرا على أعدائنا
استغلال اندفاعنا وبالتالي توجيهنا بالريموت كونترول
كما يريدون, ولعلنا نصحو قبل فوات الأوان! |