|
أشكرك على كلماتك المشجعة لنا عامة ولي خاصة, ونحن وإن كنا نحب النقد
البناء أكثر من المديح خاصة إذا كان مديحا مبالغا فيه, لكننا لا نستغني عن تشجيعكم
فالتشجيع كما يقول أحد الأئمة:( يهز الشجاع ويحرك الناكل) أي يشعرنا بزيادة
المسؤولية إذا كنا من الشجعان ويحفزنا لتطوير أنفسنا إذا لم نكن منهم, فشكرا لك مرة
أخرى.
أحسنت إذ سميت مشكلتك بالظاهرة, إذ هي موجودة فعلا وتبدي نتائج تسرع
البعض بتزويج أبنائهم خاصة المقيمين في الغرب من أي
فتاة من بلدهم بغية إحصانهم, وبما أن الإقامة في الغرب
تطبع أغلب الناس- بالأخص الشباب- بالطباع والعادات
الغربية شاؤوا أم أبوا, لذلك يحبِّذ الشاب أن تكون
مواصفات الزوجة العربية على النمط الغربي أي شقراء
جميلة فاتنة ومقابل ذلك يغض الكثير منهم النظر عن
دينها وأخلاقها ومنبتها, وهي الصفات الثلاثة التي أكد
عليها رسولنا عليه الصلاة والسلام خاصة عندما حذر من
خضراء الدمن وفسرها بأنها المرأة الحسناء في المنبت
السوء, وهذا الوصف يبدو أنه الأكثر مناسبة لزوجة أخيك
لا سيما مع استغرابي الكبير لبعض تصرفاتها التي حذفتها
أنا إكراما لطلبك في محو بعض التفاصيل وكذلك إكراما
لأخيك وإكراما لابنته التي ربما تطلع ذات يوم على
صفحتنا- والمستقبل بيد الله- فيسوؤها أن تكون والدتها
بهذا الشكل. ومع ذلك فمن الظلم يا ابنتي العزيزة أن
نضع اللوم عليها وعلى أهلها فقط, فهي كفتاة بعمر 15
سنة في الوطن العربي لا يتوقع منها أفضل مما حصل, فهل
تربى الفتاة في مشرقنا أو مغربنا على الإحساس
بالمسؤولية أو هل تهيأ كي تصبح زوجة وأما أو هل تعد
لتتفتح مواهبها العقلية وطاقاتها الروحية بالشكل
المناسب؟ أم أنه علينا أن نصارح أنفسنا فنقول: إن
الفتاة سابقا كانت تُعَدُّ لتكون زوجة وأما على الأقل,
فتتعلم دروس التدبير المنزلي والخياطة وما إلى ذلك,
رغم أخطاء التربية السابقة التي كانت تُهيئ الفتاة أن
تكون جسدا فحسب فلا يحق لها أن تبدي رغباتها كإنسان
فتعاني على إثر ذلك من مصاعب في تأقلمها الجسدي
والنفسي مع زوج المستقبل. أما الآن فيبدو أن هذه
الصعوبة الجسدية لم تعد موجودة كثيرا مع الانفتاح على
الثقافة الغربية بشكل خاطئ ففنون الجنس أصبحت تصدر
إلينا بأرخص الأثمان, وأصبحت الفتاة تطلع على هذه
الفنون مثلها مثل الشاب, فلا يكون همها من الزواج إلا
إرضاء زوجها جسديا وإطفاء رغباتها التي اشتعلت بعامل
تشويه الفطرة والذي يرجع إلى أكثر من سبب منها التربية
المختلطة التي تجعل الصبي كالبنت والبنت كالصبي , ولست
ضد الاختلاط إذا تم بتفهمٍ لفطرة الله التي فطر الناس
عليها وأن الذكر ليس كالأنثى, فلا مانع أن تشترك
الفتاة في حصص العلم مع الصبي مثلا, بل هو شيء محبذ
ومطلوب, لكن لا أخفي أمنيتي وهي أن يكون - في المدارس
المختلطة- للبنات ألعابهن وللصبيان ألعابهم, فأجمل ما
في الفتاة حياؤها الذي بينت في الكثير من ردودي أنه لا
يتعارض مع الثقة بالنفس.
إذن ليست زوجة أخيك هي المسؤولة الوحيدة عما حدث, بل إنها مسؤولية
مجتمعها وأسرتها كما أنها مسؤوليتكم أنتم وخاصة أنك
تذكرين فقدان شروط التكافؤ بكل مناحيه, ومن المعلوم أن
في العجلة الندامة وفي التأني السلامة, وكم ذكرنا في
هذه الصفحة أن الزواج ليس جنسا فحسب وليس التقاء شخصين
فقط, وإنما هو ارتقاء في مدارج الكمال الإنساني عندما
تتعارف الأرواح عبر جسور جسدية في شخصين ليكوِّنا أسرة
صغيرة تكون نواة لتعارف أسرتين تصبح صلات القربى
والنسب بينهما كصلة الدم إن لم تكن أحيانا أقرب .
وبما أننا نتحدث عن ظاهرة زواج الشبان في الغرب, فعلينا أن لا ننسى
الظاهرة الأكثر إشكالا ألا وهي زواج الشابات في الغرب
خاصة أن مشكلتك في زواجك أنت تطرح سؤالا يؤدي إلى فتح
ملف هذه الظاهرة الخطيرة والتي تحدث نتيجة ذوبان
الأسرة العربية في المجتمعات الغربية بحيث لا تجد
الشابة المسلمة ولا أهلها أحيانا أي غضاضة في الزواج
من شاب غربي من غير دينها, , وأحيانا يكون عذر هذه
الشابة أن بعض الشباب العربي يعيش في الغرب بعقلية
متحجرة ظالمة, وأنه يريد امرأة عاملة يتزوجها لنقودها,
في نفس الوقت الذي يريدها جارية تحت أقدامه, وخادمة
لأولاده, ومنعشة لرغباته. وقد يكون السبب أن الفتاة
العربية يكبر سنها ويذوي شبابها بينما يستمتع أخوها
بحياته كما يريد مع صديقة أو زوجة, وليست مجتمعاتنا
الشرقية بأفضل عندما تنظر بعين التفضيل إلى الذكر على
الأنثى, مع أن هذه النظرة لا تستمد شرعيتها إلا من
عادات جاهلية أو تقاليد بالية فمن المسؤول عن أخطائنا
في المشرق والمغرب وفي الوطن كما في الغربة؟!!
أعود إلى مشكلتك الحالية وهي وضعك مع هذه الطفلة التي فقدت أمها بسبب
بسيط هو الذي يقوله المثل:( الآباء يأكلون الحصرم
والأبناء يضرسون), ويمكن أن نضيف إلى كلمة الآباء كلمة
الأجداد وإلى كلمة الأبناء كلمة الأحفاد لأن حفيدة
والدتك هذه تدفع خطأ جدتها, وليس خطأ أمها وأبيها
فحسب, ثم تأتي والدتك وحرصا على مصلحتك التي تراها من
منظور الأم الخائفة على مستقبل ابنتها, لتحذرك أن لا
أحد يقبل بك مع طفلة, وإن كان كلامها يفرضه المنطق
الواقعي فإن سؤالا واقعيا يبدو ملحا هنا: من لهذه
الطفلة إذن؟
من حق والدتك طبعا أن تُشغل بمستقبلك, لكن من حقك علي أن أبين لك شيئا
مهما وهو أن هذه الطفلة في حكم اليتيمة وأنك بحنانك
عليها والاهتمام بها لك الأجر الكبير عند الله فقد قال
عليه الصلاة والسلام:( أنا وكافل اليتيم كهاتين في
الجنة) وقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى, ولا أظن أنه
عليه الصلاة والسلام كان يقصد الكفالة المادية فقط
لأنه- وقد وصفه الله: (بالمؤمنين رؤوف رحيم) ( وما
أرسلناك إلا رحمة للعالمين)- قال أيضا:( خير بيوتكم
بيت فيه يتيم يحسن إليه), وقد نصح مَن شكا مِن أصحابه
قسوة في قلبه أن يمسح رأس اليتيم ويطعم البائس
المسكين, فهل لي بعد هذا أن أوافق والدتك تماما على ما
تقوله لك لأحرمك من الثواب العظيم والفضل الكبير؟
سؤالك عن زوجة أخيك المستقبلية وأنها قد لا تحسن معاملة هذه الطفلة
إضافة إلى ذكرك لأخيك أنه لن يعلم شيئا كعادته, وأنه
كان همه قضاء وطره من زوجته السابقة دون أن يحاول
إصلاحها يجعلني أعتب عليك هنا: فلماذا تتحمل النساء
ذنوب العالم كلها بينما الرجل لا يعيبه أي شيء؟ أين
شعور أخيك بالمسؤولية عن هذه الطفلة سواء تزوج آجلا أم
عاجلا أم لم يتزوج أبدا؟
أنصحك أن تحاولي غرس الوعي في نفسه بأن يستفيد من تجربته السابقة فلا
يعجل بالزواج مرة أخرى قبل أن يعلم أصل الفتاة
وأخلاقها ودينها, وقبل أن يحافظ هو على دينه أيضا, فهل
هو كذلك؟ هل ننسى قول نبينا عليه الصلاة في وصيته
لغلام خلفه هو ابن عباس رضي الله عنهما:( يا غلام,
احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تجاهك)؟ فهل تظنين أن
من يحفظ الله يضيعه الله أو يضيع فلذة كبده؟ إذا قرأت
سورة الكهف فستجدين قصة النبي موسى عليه السلام مع
العبد الصالح ومما حصل له معه أنهما وصلا إلى قرية
فطلبا الطعام من أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها
جدارا يريد أن ينهدم, فما كان من العبد الصالح إلا أن
أقامه وأصلحه, فاستغرب موسى عليه السلام هذا التصرف إذ
كان يمكنه أن يفعل ذلك طالبا الأجر من أصحاب الجدار
خاصة أن أهل القرية لا يستحقون فعل الخير, فبيَّن له
أنه فعل هذا بأمر من الله سبحانه فقد حفظ الله ليتيمين
مالهما كرامة لأبيهما المتوفى لأنه كان صالحا, وهكذا
جاءت في سورة الكهف:( وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين
في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا
فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من
ربك), وهذا ليس بمستغرب إذا فهمنا أن الله لا يضيع
أجر من أحسن عملا, والأجر ليس في الآخرة فحسب, بل هو
في حفظ الذرية وحفظ مالها وهذه هي دعوة أبينا إبراهيم
لذريته:( رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي), فوهبه
الله إسماعيل وإسحاق, كأحسن ما تكون الذرية القائمة
لله .
إذن يجب أن تصلحي أخاك رفقا به وبابنته وأن تذكّريه بأنها أمانة من
الله سوف يسأله الله عنها, وأنك إذا تحملت عبء تربيتها
اليوم, فإنك لن تتحملي وزره يوم القيامة لقوله تعالى:(
وكلهم آتيه يوم القيامة فردا), ولقول المصطفى عليه
الصلاة والسلام:( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته),
وبهذا تهيئينه لاختيارٍ يتناسب وظروف هذه الطفلة
المسكينة التي لا أظن أن والدتها راغبة بها وإلا لكنت
سألتك عن إمكانية أن تعتني بها دون أن تنقطع أخبارها
عنكم.
أما عن حرجك إذا سألتك: أين أمي؟ فلا داعي للحرج ولا
داعي لأن تحيجيها لهذا السؤال أبدا, بل عليك أن لا
تحرميها من أجمل كلمة في الوجود , ولتناديك بها قائلة:
ماما فلانة.. باسمك, وبذلك تهيئينها نفسيا كي تتقبل
ماما جديدة عليها إذا وفق الله أخاك بالزوجة الصالحة,
إذ يجدر أن تنشأ بين والدين فإذا حرمت من أمها
الحقيقية فليس هذا مبررا أن تحرم من والدها الذي يجب
أن يكون همك كله مركزا على إشعاره بالمسؤولية عن هذه
الطفلة , وهذا هو الخيار الأول أي المفضل, أما إذا
تقدم أحد لك للزواج قبل أن يتزوج أخوك, فلا يُفرض عليك
واقعيا أن تترهبني لتفرغي نفسك لتربيتها, وقد يكون من
الأفضل أن تبحثي عن شاب خلوق يخاف الله ويرضى أن تعيش
بينكما, ولا مانع من كتابة هذا ضمن شروط عقد النكاح
لأن الناس معادن ومنهم من يتغير في هذا الزمن بأسرع
مما يصدأ الحديد, ولا يعني هذا انفصالها ماديا ومعنويا
عن أبيها الحقيقي, ولا مانع أن تعتاد أن يكون لها أكثر
من أب, كما تعتاد أن يكون لها أكثر من أم, فلتنادي
أباها منذ الآن ببابا فلان, دون أن تناديه باسمه
المجرد, كما يفعل بعض المقلدين للغرب متجاهلين أو
جاهلين أن هذه العادة الغربية ناجمة أصلا عن تربية
الطفل في الدول الغربية على أنه ينتسب للدولة التي
يعيش بها أكثر من انتسابه لعائلته, وهذا فيه من الخلل
ما فيه. ونصيحتي بأن يكون لها والدين أو والدتين كي
تشعر بمحبة الجميع لها, وليس كي يكون سببا لفقدانها
استقرارها العاطفي وأمانها النفسي الذي لا يجده الطفل
إلا إذا نشأ بين أب وأم محددين, فالضرورة الشرعية
والعقلية تحتم انتسابها لأبيها, لذلك قلت أنه من
الأفضل أن تكون مع والدها وزوجته مستقبلا, وإلا فلتكن
معك وزوجك كاختيار أخير إذا ألجأتك الضرورة إليه ,
والضرورة تقدر بقدرها, وما تفعلينه أولا وأخيرا ليس
إلا دافعا ناجما عن إنسانيتك للحفاظ على هذه الطفلة
فأنت بذلك تحيينها, وحفظ النفس من أهم مقاصد الشرع
والدين, قال تعالى:( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس
جميعا), ولذلك أنصحك أيضا أن تأخذي رأي أهل العلم ممن
يفهمون مقاصد الشريعة وينزلون الفقه على الواقع في
المركز الإسلامي حيث تقيمين خاصة في حال تخلي أخيك عن
طفلته أو في حال تعرضها لظلم زوجته.
لا أنسى أن أوصيك أن هذه الطفلة يجب أن لا تدفع ثمن
أخطاء الكبار بأكثر من حرمانها من أمها الحقيقية, أي
أذكرك أن لا تسمحي لنفسك ولا لأحد أن يذكر والدتها
بسوء لأنه من المعروف في علم النفس والتربية أن الطفل
يشكل انطباعه عن نفسه من انطباعه عن والديه فإذا كانت
صورة أحدهما أو كليهما مهزوزة في نظره بسبب كلام
الآخرين, فإن هذا ينعكس سلبا على شخصيته فينشأ على
عقدة النقص والاحتقار للذات كما ينشأ على عقدة
الكراهية خاصة إذا شعر أن من هم حوله لا يحيطونه بالحب
الذي فقده نتيجة تخلي أحد والديه عنه وخاصة إذا كان
الأم, وبما أن الأم تعني للطفل الأمان والحنان وكل
شيء, فإن من يفقد والدته صغيرا دون أن يجد من يعوضها
ولو جزئيا يعاني من فقد الثقة بالآخرين عندما يصبح
كبيرا .
وكما نصحتك أن تهيئيها أن تكون ابنة لأم أخرى في الوقت
المناسب فإن ما يساعدك على ذلك أن لا تسمحي لنفسك
بالتعلق بها بشكل مبالغ به, خاصة أن هذا التعلق قد
ينشأ نتيجة شعورك بأنها بحاجة إلى حنانك وعطفك, فلا
مانع منهما لكن دون أن تجعلي الحنان يخترم الحزم أو
العاطفة تطغى على العقل, لأن الحنو المبالغ فيه يسيء
إلى نفس الطفل كما تفعل القسوة, وخير الأمور الوسط,
وهاهي تجربة أمامك لتتعلمي أصول التربية, وأنصحك لهذا
أن تتصفحي صفحة كيف نربي أبناؤنا ففيها الفائدة لك
حاضرا ومستقبلا, ولكن لا تنسي أن تصحبي أخاك معك في
هذه الرحلة ولو بطباعة بعض الإجابات وعرضها عليه.
وفقك الله إلى ما يحبه ويرضاه, وأنالك ما تحبين
لإتيانك ما يحب, والسلام عليك. |