إن لساني أنا الذي يعجز عن شكرك يا ابنتي، فرسائلك لا تدل إلا
على صفائك وطيبة قلبك وإخلاص نيتك، ولذلك فقد أعطاك الله على قدر نيتك الصالحة،
وأنا أعتقد بالقول: (على قدر نياتكم ترزقون)، وقد كتبت ذات مرة هذه الجملة في وصف
بطلة القصة: (إنها تؤمن بالقضاء والقدر إلى أبعد حد، ومن حكمها المفضلة: "ما كان لك
آتيك على ضعفك، وما كان لغيرك فلن تنله بقوتك"، وهي تعرف أن عليها الأخذ بما
تستطيعه من أسباب ثم لتترك تدبير الأمور إلى الخالق عز وجل. كما أن الحياة علمتها
أن النية الصادقة أحيانا تكفي إذا لم يكن لديها من الأسباب
سواها).
لا أخفيك طبعا أن دموع الفرح ترقرقت في عيني، كما فعلت
رسالتك السابقة بي، ولكنني وجدت أن هذه البشارة بتوبة
زوجك ورجوعه إلى الله وخلاصه من سابق عهده تحتاج مني
شيئا أكبر من مجرد الدموع، فقمت من وراء مكتبي، وخررت
ساجدة شكرا لله على هذه النعمة، فعودة زوجك إلى حظيرة
الإسلام وفيء الطاعة ليس نصرا لي.. وليس نصرا للصفحة
فقط.. وليس نصرا للموقع فحسب.. إنه نصر للإسلام..
إن لهذه الأداة -الإنترنت- وجها ممتازا وهو الذي
يجعلني متفائلة أنها كسرت الحواجز بين البشر، وتخطت
الحدود التي أقامها الهولاكيون والجنكيزخانيون، وربما
لذلك ستكون طريقة موصلة لإقامة حضارة إنسانية مشتركة
تَفضُل أي حضارة أخرى، فهي ستقوم على الدين الذي يعتبر
البشر كلهم سواسية.
ولن يستطيع أحد بعد الآن -بإذن الله- أن يحجب نور
الإسلام عن العيون المتعطشة والعقول التائهة، فالنصر
قريب بإذن الله كما لم يكن يوما، لكن بشرط أن نفهم
معنىً مهمًّا وهو أن الكلمة هي جهاد العصر، وليس السيف
أو البندقية أو الدبابة؛ فقط دعونا نخاطب الفطرة في
النفس البشرية ولْنرَ الينابيع الثرة من الخير كيف
تتدفق!!
بالطبع يسعدني كثيرا أن أرى أجوبتي تفيد، وأفكاري
تؤثر، لكن أن يكون لها هذا الحجم في هداية إنسان
وتحويله من حال إلى حال، فهذا هو الفضل الذي لم أكن
أحلم به يوما، خاصة أنني أخاطب السائل عبر أثير
الإنترنت، فليس هنا حل لمشكلة شخص بل حل لمشكلة أسرة،
ولم تكن مشكلة عادية، بل كانت شرب خمر، ولعب ميسر،
وضياعا وذهولا عن الله، فلله الحمد والشكر، ونسأله
المزيد من الفضل.
أحسنت قولا يا ابنتي بأنك لن تنسي فضل الله سبحانه
وتعالى عليك، فوالله إنه فضل عظيم أن يتحول زوجك إلى
أبي عبد الله أو أبي عائشة بعد أن كان ما كان؛ وأدعو
له ولك ولي ولجميع المسلمين بالثبات على الصراط
المستقيم الذي يسعد من سار عليه في الدنيا قبل الآخرة.
وأذكرك أن النعم تدوم بالشكر، وها أنت على مشارف أن
تصبحي أما، وهي نعمة ترفعك من إنسانة عادية إلى أن
تكون الجنة تحت أقدامك إذا عرفت كيف تربي طفلك أو
طفلتك على حب الله ورسوله وحب هذا الدين العظيم وحب
إخوته المسلمين في كل مكان. ولله در الشاعر أحمد شوقي
إذ يقول:
فرب صغير قوم علمـوه سما فحمى المسومة العرابا
فكان لأهله خيرا ونفعــا ولو تركوه كان أذىً وعابا
فعلمْ ما استطعت لعل جيلا سيأتي يحدث العجب
العجابا
فهل يكون ابنك أو ابنتك واحدا من جيل النصر الذي أمنّي
النفس برؤيته قبل أن يواريني الثرى؟ أرجو ذلك، وما هو
على الله بعزيز.
تابعينا بأخبارك دائما، وفقك الله ولا تنسنا من
دعائك. |