الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (زوجية) الحياة ممكنة بين عم مقامر وزوج سكير (متابعة)

 
 
 
 

بسم الله الرحمن الرحيم، أنا صاحبة مشكلة "الحياة ممكنة بين عم مقامر وزوج سكير" تحياتي الطيبة والحارة. أشكرك على ردك الذي قوى من عزيمتي وإرادتي في مواجهة زوجي ومساعدته.

لقد تساءلت لماذا زوجي مقامر؟ فلقد كان يتيم الوالدين وتربى في الشوارع التي لا يعيش فيها إلا القوي، وخرج مع أصدقاء السوء.. تعلم القمار والميسر وشرب الخمر وغيرها، والأسوأ أن عمي مقامر ويلعب معهم، ولكن لا أدري سبب انحرافه.

لقد لاحظ زوجي عليّ علامات الحمل، مثل شعوري بالغثيان في الصباح بسبب رائحة الخمر التي تفوح منه ولكن ليس له دراية بهذا، فاعتقد أنه مرض؛ فقرر أن يذهب بي إلى الطبيب لكنني رفضت، وقد أصر على ذلك.

 وبعد أيام عندما قرأت ردك على الرسالة أخبرته بأنني حامل فضمني إليه، وقال: "لِمَ لم تخبريني بذلك.. لقد انتظرت كي يرزقني الله وأنت تخبئين البشرى؟! أخبرته عن قلقي بأنه لا يريد الطفل؛ فقال ودموع الفرح في عينيه: "من قال لك؟! كنت دائما على أمل أن أُرزق بطفل منك". وقد وعدني أن يترك الميسر والقمار والخمر؛ فهل ممكن يا أمي الغالية أن تنصحيني كيف أساعده في ذلك؟ وشكرًا.

 
 
 

 
 
 
   

وأنا والحمد لله يا ابنتي ترقرقت في عيني دموع الفرح أولاً لمتابعتك معي، وثانيًا لرد زوجك بأنه يرغب بالطفل، ووعده لك أن يترك الميسر والخمر, ولعل هذا دليل إن شاء الله على رغبته في أن يحيا حياة أفضل بعيدة عن معصية الله سبحانه.

 وهنا أمتدح فيك طيبتك الظاهرة في رسالتك, ولكنك تسألين سؤالا جوابه ليس من السهل عليك العمل به إلا إذا كنت متمسكة بالصبر إلى أبعد الحدود, والصبر كما في القرآن يصحب دائما عبادة الله والقرب منه بالمداومة على الصلوات {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة: 45) , فالصلاة لا تؤتي ثمارها من الصبر والصلاح والتقوى إلا إذا ترافقت مع الخشوع.

أنت تسألين عن كيفية إخراج زوجك من عاداته السيئة، فهنا لا بد من التفريق بين ما إذا كان الخمر مجرد اعتياد وما إذا كان قد دخل طور الإدمان؛ إذ إن شارب الخمر يمر بمراحل:
1- مرحلة الاعتياد: وتحصل نتيجة التعاطي المتكرر, ومع الوقت يعتاد الشخص على المادة المسكرة، ويطلبها باستمرار ليحصل على نفس الأثر من ثقة بالنفس أو الشعور بالبهجة (الأفوريا) والخروج من الرهاب والخجل الاجتماعي.

2- مرحلة التحمل: وهنا يعتاد جسم المريض على الكمية التي كان يتناولها من المسكر؛ فلا تعود تؤثر فيه كما كان سابقًا؛ فيطلب المزيد منها ليحصل على التأثير الذي اعتاد عليه.

3- مرحلة الإدمان: وهنا يكون الشخص لا يستطيع الاستغناء عن المسكر، بل لا يستطيع النوم مثلا دون أن يشرب الكمية التي اعتاد عليها كل ليلة.

 فإذا كان زوجك يا ابنتي قد وصل إلى مرحلة الإدمان؛ فهنا لا بد من لجوئه إلى مركز لمعالجة الإدمان, وبما أنه وعدك أن يتركه؛ فهذا يعني أنه أقر بوجود المشكلة، وهي الخطوة الأولى في طريق الخلاص، وكلما أسرع في طلب العلاج كان احتمال النجاح أكبر.

فيجب عليك أن تحثيه على مراجعة مركز معالجة الإدمان في بلدك، وإذا لم يوجد فقد يقوم الطبيب النفسي بهذه المهمة؛ لأن أعراض الانسحاب -وهي الأعراض الناجمة عن التوقف عن شرب الخمر- تكون بحاجة إلى بعض الأدوية لتهدئها أو تخففها، ولا يمكن هذا إلا عن طريق طبيب نفسي. كما أنه قد يحتاج إلى فيتامينات معينة لدعم الجملة العصبية؛ بحيث تكون أعراض سحب المادة المسكرة أقل ما يمكن.
ومهما تكن المرحلة التي وصل إليها فإن العلاج يعتمد على الإرادة القوية من طرفه والتشجيع المستمر من طرفك، وكذلك تبصيره بعواقب إدمان الكحول على جهازه الهضمي، مثل قرحة المعدة، وتشمع الكبد ودوالي المريء، ومضاعفات الإدمان على جهازه العصبي، مثل نوبات الصرع الاختلاجي، وأعراض الخرف المبكر من ضعف الذاكرة أو حتى فقدها الكامل، كذلك توعيته بالمال الذي يخسره نتيجة إدمان الكحول.

وأذكر لك هنا حادثة طريفة عن شخص مثقف زار بلده بعد غياب، فوجد أن التدخين عادة مستشرية في أهله وأقربائه، فأخذ ينصحهم، وسأل أحدهم كم تدخن في اليوم؟ وكم ثمن ما تدخنه يوميا؟ وكم سنة مضى عليك وأنت مدخن؟ وحسب المبلغ فوجد أن الثمن الذي دفعه طوال الفترة التي يدخن بها تؤهله لزيارة بيت الله الحرام! وهو يقتر أحيانا على أولاده من أجل هذه العادة السيئة، فامتنع عنها من يومها وبدأ حياة جديدة.

 كذلك يجب تقوية إيمانه الشخصي بالله، ولا يكون هذا إلا بطاعة الله أولا؛ فهل زوجك يصلي؟
تذكري الآية: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} (العنكبوت: 45)، فإذا لم يكن يصلي فشجعيه على الصلاة، واذكري له أن الله سبحانه ينتظر توبته كالحبيب الذي ينتظر حبيبه الغائب؛ فالتائب حبيب الله، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

ويساعدك هنا أن توجدي حوله صحبة صالحة أو تحثيه على الصلاة في المسجد، والهداية تدخل قلب العبد عندما يشاء الله، وقد يكون السبب عن طريق آية قرآنية أو موعظة أو حديث إذاعي أو تلفزيوني أو غير ذلك.

كذلك يجب أن يبتعد عن رفاق السوء الذين يحببون إليه هذه المعاصي، وإلا فإنه قد يعود لهذه العادات السيئة في أي لحظة، وتكون الانتكاسة أكبر؛ إذ يصعب العلاج مرة ثانية.

عليك إذن ألا تفقدي الأمل بالله سبحانه.. بل استمري على دعمك له نفسيا، وذكريه أن الأبوة مسؤولية، وأن ابنه -أو ابنته- يستحق منه كل الاهتمام؛ فيجب أن يعد نفسه ليكون أبا صالحًا كي ينشأ ولده على بره، وبالطبع هو لا يرغب أن يرى طفله يتيم الأب كما عاش هو؛ لأن اليتيم ليس فقط من فقد أباه، بل هو كما قال الشاعر:

ليس اليتيم من انتهى أبواه             من هَمّ الحياة وخلفاه ذليلا

إن اليتيم هو الذي تلقى له            أُمًّا تخلت أو أبًا مشـغولا

 لا تنسي الدعاء له بظهر الغيب وبأوقات استجابة الدعاء خاصة في جوف الليل، ولعل في تفكيره بأداء فريضة الحج في أقرب فرصة غسيلا لذنوبه؛ حيث يعود من تقبل الله حجه كيوم ولدته أمه خاليا من الذنوب. غفر الله ذنوبنا، وأصلح أحوالنا وأحوال المسلمين أجمعين.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |