|
مشكلتك هذه تظهر بعض المفاهيم الخاطئة
في مجتمعاتنا التي ليس لها أصل في شرعنا، مثل النظرة إلى المطلقة التي تستمد أصولها
من عادات جاهلية بائدة، وكذلك النظرة إلى الزواج الثاني التي تقتبس شرعيتها من
أفكار غربية وافدة؛ فوضع المطلقة في المجتمع يملي عليها أن تقبل بما لا تقبل به
غيرها، وإلا فما الذي جعلك توافقين من الأساس على هذه الطريقة من الزواج؟!
ما زالت بيئتنا العربية المتخلفة تنظر
للمطلقة على أنها "بضاعة مضروبة"، فيكفيها أن يلتقطها
أي رجل وبأي طريقة، ويكفيها أنها وجدت فيه ما يقوله
المثل "ظل راجل ولا ظل حيطة"، ولكن هل ينطبق هذا المثل
–رغم سخافته- في حالة من تقبل بزواج المسيار أو الزواج
العرفي أو أي زواج يتم بالسر دون إشهار؟
أين ظل الرجل في حياتك وهو يعتبرك
صديقة كما تقولين؟ والأطرف هو عبارتك "صديقة شرعية"،
أي أنت خليلة شرعية بدل أن تكوني حليلة شرعية؛ فهل هذا
الوضع المقلوب في إباحة الصداقة و"شرعنتها" بين الرجل
والمرأة سببه الإسلام، أم سببه استبدال شرع الغرب بشرع
الله؟ ما السبب في هذه الاعوجاجات في علاقاتنا نساء
ورجالا؟ إن السبب هنا هو تغليب أفكار غربية بلهاء على
شرع الله الحكيم الذي ما نزل إلا لمصلحة العباد.
والأغرب من هذا أن بعض المثقفين
أنفسهم لا يجدون غضاضة في أن يتزوجوا سرا وللمرة
الثانية بينما يحاربوا الزواج الثاني علانية. وقد بينت
خطأ هؤلاء بأن الزواج الثاني تبرره حاجات المجتمع هذا
مع غض النظر عما يحدث أحيانا من تطور الرجل أكثر من
زوجته بسبب اختلاطه بالناس والمجتمعات أكثر، وهو ما
يؤدي إلى ازدياد الفجوة العاطفية والعقلية بينه وبين
زوجته التي تقصر اهتماماتها على أولادها أو عملها أكثر
من أن تتبنى اهتمامات زوجها، وتراعي حاجته النفسية
للأنثى المحبة العطوفة المتفهمة، وبالتالي بحثه الواعي
أو اللاواعي عن أخرى تفهمه وتكمله أكثر من الأولى.
وسبب غض النظر هنا أنه أصبح لهذا الأمر استثناءات
كثيرة، بعد أن خرجت النساء إلى العمل، وأصبحت المرأة
تسافر وحدها وتعمل في بلاد الغربة وحدها، تاركة وراءها
زوجها وأولادها، وهذا من أكبر الأخطاء التي يرتكبها
المجتمع في حق نفسه؛ إذ يطالب المرأة بالعمل والإنفاق
كالرجل على حساب أمومتها وعاطفتها.
أما فيما عدا ذلك فيمكن أن نبين أن التعدد طبيعة في
الذكر لسببين:
سبب اجتماعي: فذكور الحيوانات جميعا
أقل من الإناث لأسباب مختلفة، ليس أقلها اقتتال الذكور
فيما بينها للحصول على أنثى، وما ينتج عن هذا من فقد
لضعاف الذكور، فلو لم يكن في تركيب الذكر استعداد فطري
أن يلقح أكثر من أنثى واحدة لظلت كثير من الإناث
متعطلات عن وظيفة الإنجاب، بينما الأنثى في طبيعتها
ليست بحاجة إلى الالتقاء مع أكثر من ذكر للحفاظ على
وظيفتها البيولوجية، ومن ثم لم يركب الله فيها فطرة
التعدد. وفي الإنسان لا يحصل التقاتل على الأنثى، لكن
الحروب وحدها كفيلة بالوصول إلى نفس النتيجة من قلة
عدد الرجال عن النساء.
سبب نفسي: إن المرأة هي عنصر الإثارة
في الجنس وليس الرجل؛ لأن الدلال والغنج صفات أنثوية
وليس العكس، ومن هنا كان الرجل أكثر تعرضا لوقوعه في
فتنة الإغراء والإثارة؛ فالرجل الطبيعي – والمقصود
بكلمة الطبيعي أي الفطري - يمكن أن يلتقي جنسيا مع أي
امرأة فاتنة أو مثيرة بالنسبة له. يقول العالم النفسي
تيودور رايك: "إن الحاجة إلى تغيير الموضوع الجنسي
عموما أقوى لدى الرجال منها لدى النساء؛ فعند المستوى
الثقافي المتدني لا يترتب على اختيار الموضوع أي فارق؛
ذلك أن الحاجة الجنسية يمكن إشباعها جيدا مع موضوع
محدد كما يمكن مع موضوع آخر، أما في أطوار أعلى من
التطور فإن الموضوع الأفضل يتم البحث عنه".
بينما هذه الحاجة غير موجودة في
المرأة الطبيعية، وفي هذا يقول: "وعموما فإن النساء لا
يتخيلن أن العلاقات الجنسية مع رجال كثر سوف تمنحهن
الإشباع، وهن يملن إلى توحيد متطلبات الحنان مع
متطلبات الحاجات الجنسية، هذه الحاجات التي لا تستيقظ
في الغالب إلا بعد اهتمام طويل وشديد برجل مهتم بهن
أيضا".
لذلك ندرك لماذا لا يقاوم الإسلام
تعدد الزوجات؛ إذ إنه يملأ حاجة نفسية واجتماعية، لكنه
يهذب هذا التعدد بأن يبيح للرجل نظريا الزواج من مثنى
وثلاث ورباع، وفي نفس الوقت يضع قيودا على ذلك، وهو ما
يجعل الرجل زوجا لامرأة واحدة على الأغلب، والقيد
الأهم هو شرط العدل، فأين العدل في زواجك من هذا
الرجل؟ يكفي أولا أنك زوجته سرا وخفية، وأنها زوجته
علنا وإشهارا ليدل على أن شرط العدل مفقود. ثم أين شرط
القوامة في زواج المسيار؟ وقد بينت في بعض ردودي أن
القوامة ليست حقا للرجل بقدر ما هي حق للمرأة على
الرجل؛ إذ إن المرأة لا تجد الأمان النفسي إلا عند
زوجها؛ فكيف يكون الزوج موئل حماية لزوجته في زواج
المسيار أو الزواج العرفي؟ كيف يكون قوّاما عليها وهو
يتبرأ منها ومن نسلها؟
إن الظلم الذي وقع على المرأة بسبب
التقاليد الغربية لا يعادله إلا الظلم الذي جثم عليها
قرونا طويلة بسبب العادات الجاهلية، وأنت هنا قد عانيت
الأمرَّين من هذين الأمرين، سواء من عواقب الطلاق أو
عواقب الزواج المسيار، ولكنك لم تسأليني يا أختي
الكريمة قبل أن ترتبطي بهذا الزوج عن رأيي في زواجك؛
فكيف لي أن أمنحك رأيي في وضعك الآن؟
وهل المشكلة فعلا هي ما تطرحينه علينا
هنا أم أنها أعمق بكثير؟ أليست المشكلة متجذرة في تربة
علاقتكما وطريقة تفاهمكما لحل أي مشكلة تعترضكما؟ ما
هو التقييم الذي يحصل عليه زوج يقول بأنه لن يتحمل أي
شيء يخص طفله، بل لا يريد أن يراه ولو بعد 100 عام،
ولو صادف واتصل به يوما ما فسوف يخبره بأنه من البداية
لم يكن يريده، ولن يعترف به أبدا أبدا؟ وهنا أتساءل هل
صدر كلامه هذا وهو بحالة انفعال؟ إذا كان الأمر كذلك
فقد يكون له عذر، خاصة إذا كان رد فعل على طريقة إيصال
الخبر له من طرفك. أما إذا كان يتكلم بذلك عن اقتناع؛
فهل هذا رجل يشعر بأدنى مسؤولية عن أعماله؟ وهل هو
الملوم الوحيد أم أنك أنت ملومة كذلك؛ لأنك وضعت نفسك
في المكانة غير اللائقة بك؟ لماذا رضيت أن تكوني
كالخليلة يستمتع بك دون أن تخبريه أن الزواج مسؤولية
على قدر الاستمتاع وأكثر؟
كذلك لم يبدُ من قصتك أنك تعملين، بل
أنت تفكرين إذا استقرت أمورك في بلدك أن تعتمدي على
أمك العجوز؛ لكن أرجو أن تعلمي أن الإنسان ليس له قيمة
إلا بما ينتجه, سواء كان رجلا أو امرأة, ولا خلاف على
أن عمل المرأة الأساسي في البيت، لكن إذا كانت عالة
على والدتها فلا أعتقد أن قيمتها كقيمة المرأة المنتجة
العاملة التي لا تمد يدها إلى أحد من الناس حتى لو كان
والدا أو والدة.
ولم يظهر من رسالتك أن زواجكما كان نتيجة حب عميق
ومودة قوية؛ إذ كنت نصحتك عندها أن تلعبي على أوتار
هذا الحب؛ فتبيني له أنك ترغبين بطفل منه لأنك
تحبينه.كما لم تبيني مدى التزامه بشرع الله؛ إذ إن
التقوى هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يجعل علاقة
المرأة بزوجها علاقة عادلة؛ لأن الرسول عليه الصلاة
والسلام عندما وصف النساء بأنهن عوان (أي أسيرات عند
الرجال) لم ينطق عن الهوى، وكذلك عندما قالت عائشة رضي
الله عنها: "الزواج رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته"
(أي ابنته)، لم تكن تتسلى بإطلاق الكلام على عواهنه؛
لأن الرجل هو الأقوى برغم أنف من يقولون بأن الأنثى هي
الأصل، ولكن هذه القوة ليس ليستخدمها في اضطهاد المرأة
إنما ليستعملها في تسيير دفة الحياة الزوجية بالحكمة
والرحمة، وهذه الحكمة لا توجد إلا في عقول الأتقياء،
كما أن الرحمة لا توجد إلا في قلوبهم. ورضي الله عن
علي بن أبي طالب عندما ذكر أن النساء يغلبن الكريم
ويغلبهن اللئيم، ولو بينت لي أن زوجك كريم الخلق رضي
النفس لنصحتك بالتفاوض معه للوصول إلى حل يرضيكما معا،
لكن هل تراك قبلت معه أن يكون زواجكما سرا إلى الأبد؟
فأين أنتما من حكمة الإنجيل: "كل خفي لا بد أن يظهر"؟
ثم ماذا عن طفلتك من زوجك السابق؟ هل
يكفي أن تعيش مع والدتك؟ كيف بالله تحرمينها من حنان
حضن الأم بعد أن حُرمت من الأمان في كنف الأب؟ ألم
تفكري أن الطفل لا ينشأ سويا إلا بين والديه؛ فإذا فقد
أحدهما فيجب على الآخر أن يعوض غياب الأول؟ أم أن زوجك
شرط عليك مقابل أن يمن عليك "بالسعادة في زواج المسيار!"
أن تتخلي عنها كما يفعل كثير من الرجال الذين لا
يفكرون إلا بشهواتهم وغرائزهم؛ فينسون أن المرأة هي أم
قبل أن تكون أي شيء آخر؟!
الرأي كله لك، لكن في حال تفكيرك أن تتخلصي من الجنين؛
فأذكرك أنه إذا تجاوز الأربعين يوما حيا في بطن الأم؛
فمعنى ذلك أنه نُفخت فيه الروح، مع التوضيح بأن العلم
أكد الحديث الصحيح، وهو أن الروح تنفخ عندما يبلغ
الجنين أربعين يوما؛ لأننا نرى حركة نبضات قلب الجنين
على جهاز الألتراسوند (الأشعة فوق الصوتية) منذ بلوغه
الأسبوع السادس، وهي تعادل أربعين يوما تقريبا. أخيرا
أنصحك باللجوء إلى الله سبحانه كي يكون عونك في أزمتك
هذه، فارجعي إليه، واسأليه أن يفرج كربك ويبدلك بعسرك
يسرا، إنه على كل شيء قدير. |