الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (زوجية) من منا على حق.. زوجي أم أنا؟

 
 
 
 

السلام عليكم، أنا متزوجة من أعوام بسيطة وسعيدة في حياتي والحمد لله، زوجي إنسان على خلق ومتدين، لكن سؤالي الآن هو محل خلافي مع زوجي فهو ينظر للعلاقة بين الرجل والمرأة من وجهة النظر الدينية التي تقول إنه يجب ألا تسلم المرأة على الرجل ولا تحدثه إلا بأمر من وليها، وأنا أنظر لها من طبيعة حياتنا المختلطة الآن.

فمثلا زوج صديقتي؛ فهو يرى ألا داعي للتحدث مع زوج صديقتي إن طلبتها في التليفون ورد علي وتحدثنا حديث المجاملات العابرة كالسؤال عن الصحة والأخبار، فهذا لا يصح بل ينبغي أن أسأل فورا عليها فقط، وإذا تقابلنا أنا وهي وجاء زوجها فلا داعي للكلام ولا للدخول في مناقشات أو موضوعات، بل ينبغي أن أرحل بمجرد قدومه، مع العلم بأن مجال عملنا مشترك وهو ما يفتح مجالات للتحدث والنقاش.

كذلك مثلا عند دخولنا لأحد المحلات التي نتعامل معها كثيرا فإذا دخلت وقلت للبائع السلام عليكم، كيف حالك يا فلان؟ كان يتضايق ويقول إنه ينبغي علي ألا أفعل ذلك.

أنا أحترم وجهة النظر الدينية وأحترم رأيه، ولكني أرى أن طبيعة حياتنا الآن تختلف كثيرا عن أيام الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فحياتنا الآن مختلطة لا تنعزل فيها المرأة عن الرجل؛ فهو زميل دراسة وزميل عمل، ومن الطبيعي أن يكون هناك حوارات وكلام بينهما طالما لم تخرج عن الحدود المسموح بها وطالما هناك احترام متبادل من الطرفين، وأنا والحمد لله أراعي ذلك.

وسؤالي الآن أنا أحب زوجي وأحب أن أرضيه، ولكني لا أرى أني أتصرف بطريقة خاطئة؛ فمن منا المصيب وما هو التصرف المناسب؟

 
 
 

 
 
 
   

الأخت الكريمة، ليس رأي زوجك نابعا من وجهة نظر دينية كما تحسبين، بل هو ناجم عن أخطاء في فهم الدين وتحويله إلى مجموعة من تقاليد لا تمت للدين بصلة، وقد تحدثنا كثيرا في هذا الموضوع، وبينا أن الاختلاط بين الرجال والنساء ليس محرما إذا تم بضوابطه المشروطة، وقد بين فقهاؤنا وعلماؤنا هذه الشروط، وسأفصل بها لعلمي أن كثيرا من الملتزمين يجهلونها، وقد لخصتها من كتاب "تحرير المرأة في عصر الرسالة" للأستاذ عبد الحليم أبو شقة،

أولا: جدية مجال اللقاء وأن يكون الحديث في حدود المعروف "وقلن قولا معروفا"، ومع ذلك لا يتنافى مع جدية اللقاء كلمة فيها تبسط، فقد ورد أن عمر دخل على ابنته حفصة أم المؤمنين فوجد عندها أسماء بنت عميس رضي الله عنهم جميعا؛ وقد كانت فيمن هاجر إلى النجاشي، فقال لما رآها: من هذه؟ فقالت حفصة: أسماء بنت عميس, فقال عمر: الحبشية هذه؟! البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم. رواه مسلم والبخاري.

 ثانيا: الغض من البصر: وقد قال العلماء يكون النظر بغير ريبة ولا مكروه ولا حملقة، أما النظر مع الشهوة فحرام مطلقا.

 ثالثا: اجتناب المصافحة في عامة الأحوال.

رابعا: التمييز بين النساء والرجال، واجتناب المزاحمة.

 خامسا: اجتناب الخلوة، ويخرج عن مفهوم الخلوة المحظورة ما يلي:

 1- الخلوة في حضرة الناس، أي لا يخلو الرجل بالمرأة بحيث تحتجب شخوصهما عن الناس، وإنما بحيث لا يسمعون كلامهما كالشيء الذي تستحي المرأة من ذكره على الملأ، وقد ورد عن أنس أنه جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي عليه الصلاة والسلام فخلا بها فقال: "والله إنكم لأحب الناس إليّ" رواه مسلم والبخاري.

2- خلوة الرجلين والثلاثة بالمرأة لحديث: "لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة- أي التي غاب عنها زوجها- إلا ومعه رجل أو اثنان" رواه مسلم.

 3- خلوة الرجل بمجموعة من النساء: قال النووي رحمه الله: "قطع الجمهور بالجواز؛ لأن النساء المجتمعات لا يتمكن الرجل من مفسدة بعضهن في حضرتهن".

سادسا: وجوب إذن الزوج للدخول على النساء وذلك إن كان مقيما غير مسافر لقوله عليه الصلاة والسلام: "ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه".

سابعا: اجتناب اللقاء الطويل المتكرر، اللهم إلا إذا كانت طبيعة العمل تقتضي ذلك للتعاون وتبادل الرأي أو لغير ذلك من المصالح فلا حرج مع الحذر ما دامت هناك حاجة ماسة.
ثامنا: اجتناب مواطن الريبة، وقد ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام قوله: "رحم الله امرأ جبّ الغيبة عن نفسه".

تاسعا: اجتناب ظاهر الإثم وباطنه؛ فالله سبحانه يعلم المفسد من المصلح.

عاشرا: آداب خاصة بالنساء كالزي المحتشم، واجتناب الطيب، والجدية في التخاطب، والوقار في الحركة.
فهذه الآداب في اللقاء هي التي تنمي الخير والمعروف وتبعد عن المنكر وتهذب من نوازع الشر، وتوفر الصحة النفسية للرجل والمرأة على السواء، حيث لا ابتذال ولا تهتك ولا إثارة، كذلك فلا هروب ولا تنطع ولا حساسية مفرطة إزاء الجنس الآخر.

أما الشواهد على لقاء الرجال بالنساء على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام فكثيرة أختار منها ما يلي:
أولا: تبادل التحية بين الرجال والنساء: حديث: "كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يمر بنساء فيسلم عليهن" رواه أحمد. "كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا مر بجنبات أم سليم دخل عليها فسلم عليها" رواه البخاري.

ثانيا: المشاركة واللقاء في المسجد: لحديث: "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن" رواه الشيخان. وقد ورد عن صحابيات كثيرات شهودهن الصلوات المفروضة كلها في المسجد، وكذلك صلاة الجمعة والجنازة والكسوف، والاعتكاف، وسماع العلم، وللمرأة كذلك زيارة المعتكف في المسجد، وتلبية الدعوة لاجتماع عام، وخدمة المسجد.

ثالثا: قيام المرأة بالأنشطة العلمية والثقافية: كالحديث الذي رواه البخاري: "جاءت امرأة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك به تعلمنا مما علمك الله، فقال: اجتمعن في يوم كذا وكذا, فاجتمعن فأتاهن رسول الله عليه الصلاة والسلام فعلمهن مما علمه الله".

رابعا: اشتراكها في اللقاءات والحفلات: روى البخاري ومسلم أنه لما عرس أبو أسيد الساعدي دعا النبي وأصحابه فما صنع لهم طعامه ولا قربته إليهم إلا امرأته أم أسيد، بلت تمرات في تور- أي في إناء- فسقته إياه تتحفه بذلك، وقد أورد البخاري هذا الحديث تحت باب عنوانه (قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس).

خامسا: اشتراكها في المهن والصناعات والمهارات: وقد ورد أن زينب زوجة عبد الله بن مسعود كانت ذات صنعة وتنفق على زوجها وأولادها؛ وكذلك زينب بنت جحش زوجة الرسول عليه الصلاة والسلام كان لها موردها الذي تتصدق منه؛ لذلك وصفتها عائشة بأنها أطولهن يدا أي أكثرهن صدقة؛ كما أن امرأة هي التي أمرت نجارا لها أن يعمل المنبر لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وامرأة أخرى نسجت له شملة فجعلها إزاره، وكان هذا كله على مرأى الصحابة وهو ما يدل على أن المرأة كانت تأتي إلى الرسول وتكلمه أمامهم.

 وكانت الصحابية أم شريك تفتح بيتها للضيفان فينزل عليها المهاجرون وغيرهم. وكثيرا ما كانت المرأة تقدم المدينة بجلب لها -بضاعة لتبيعها- فإذا باعتها اشترت من السوق ما قد يحتاج إليه أسرتها.

سادسا: اشتراكها في الجهاد، وقد ورد عن صحابيات أنهن غزون مع رسول الله عليه الصلاة والسلام كأم سليم وأم عطية وعنها قالت: غزوت مع رسول الله عليه الصلاة والسلام أخلفهم في رحالهم وأصنع لهم الطعام، وكانت رفيدة الأسلمية خبيرة بمداواة الجرحى. وقد كتب ابن عباس لنجدة الخارجي: "كتبت تسألني هل كان الرسول عليه الصلاة والسلام يغزو بالنساء، فقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة، أما بسهم فلم يضرب لهن".

سابعا: عيادة المرضى: عن عائشة قالت: دخل رسول الله عليه الصلاة والسلام على ضباعة بنت الزبير فقال لها: "لعلك أردت الحج" فقالت: والله لا أجدني إلا وجعة، فقال: "حجي واشترطي، قولي: اللهم محلي حيث حبستني". رواه البخاري ومسلم.

ثامنا: المواساة والتعزية: عن أم العلاء دخل رسول الله عليه الصلاة والسلام عليّ يعزيني في عثمان بن مظعون, فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب.. رواه البخاري. وأم العلاء ليست زوجة عثمان بل كانت في داره أو من أهله أي لم تكن هي في العدة. وحتى أنه صلى الله عليه وسلم رخص لامرأة كانت في العدة أن تخرج لتجز نخلها وتتصدق عن بستانها.

تاسعا: التهنئة بالعرس: عن الربيع بنت معوذ بن عفراء: جاء النبي عليه الصلاة والسلام يدخل حين بُني علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني فجعلت جويريات يضربن لنا بالدف.. رواه البخاري.

عاشرا: من أفعال أصحاب رسول الله كثير من الأمثلة أن أسماء بنت عميس كان الرجال يأتينها يسألونها عن حديث السفينة؛ كذلك حديث سلمان الفارسي عندما زار أبا الدرداء ورأى زوجته متبذلة أي بلباس المهنة، فقال لها: ما شأنك؟ فقالت له: أخوك أبو الدرداء ليس له في النساء، فقال له سلمان: إن لنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ولربك عليك حقا.
والشواهد أكثر من أن تعد وتحصى، ولك أن تتخيلي الفارق بين تعامل الصحابة رجالا ونساء مع بعضهم البعض بحسن الظن والصراحة والوضوح وتعاملنا نحن الآن؛ فلو كانت أم الدرداء على زمننا وتدعي الالتزام لوصفها البعض بأنها قليلة حياء، فلماذا تشكو زوجها لصديقه؟! أو لوصف سلمان بأنه فضولي، فما عليه من المرأة إن كانت مبتذلة أم لا، ولماذا لا يغمض عينيه عندما يرى زوجة صديقه؟!
لكن عجبنا يزول إذا علمنا أنهم كانوا يتعاملون بمنطق الأخوة الصافية التي نفتقدها نحن للأسف، فيغلب على تعاملنا سوء الظن الذي ارتبط بمفاهيم رهيبة عن العلاقة بين الرجل والمرأة؛ فأصبح صوت المرأة عورة واسمها عورة وعباءتها عورة! والمرأة هي الشيطان؛ لذلك لا يجوز أن ترى الرجل ولا يراها ويحتجون بقول لفاطمة رضي الله عنها، وهو حديث موضوع يقول عنه الدكتور القرضاوي: لا يساوي المداد الذي كتب به.

وإلا فقولي لي لماذا يجب ألا تسألي عن صحة البائع إذا كنت زبونة عنده، ما دمت تسألينه كما تقولين بأدب وحشمة؟ اللهم إلا إذا كان الرجل موضع ريبة فلا داعي أن تدخلي المحل كله طبعا.

وكيف تتعاملين مع زميل لك في العمل فتتكلمان في العمل دون أن تسأليه عن حاله وأولاده وزوجته؟ أو هل من الذوق والأدب أن تتصلي بصديقتك فيرد زوجها –حتى لو لم يكن زميلك- فلا تسأليه عن حاله ما دام سؤالك يتم بأدب وجدية؟!

أرجو أن يعلم زوجك أن ديننا كما هو دين الصدق والوضوح هو دين الإنسانية والذوق والخلق؛ وأن تعلمي وإياه أن ما يطلبه منك ليس من الدين، وإنما هو ناجم عن بقايا تقاليد وعادات حُجر فيها على المرأة بسبب ثقافات وفدت على الحضارة الإسلامية ومنها مثلا شرائع الهندوس التي ترى أن المرأة ليس لها حق أن تعيش بعد زوجها بل يجب أن تحرق معه حية، وكانت تقدم قربانا للآلهة، وورد عنهم أنه ليس الصبر المقدر والريح والموت والجحيم والسم والأفاعي والنار بأسوأ من المرأة.
وأما عند اليهود فكانت بعض طوائفهم تعتبر البنت خادمة ويحق لأبيها أن يبيعها، وما كانت ترث فقد ورد في الإصحاح الثاني والأربعين من سفر أيوب "ولم توجد نساء جميلات كنساء أيوب وأعطاهن أبوهن ميراثا بين إخوتهن".

وفي القرن الخامس اجتمع مجمع ماكون في أوربا للبحث في المسألة التالية: هل المرأة مجرد جسم لا روح فيه أم لها روح؟ وفي عام 586 للميلاد عقد الفرنسيون مؤتمرا للبحث: هل تعد المرأة إنسانا أم غير إنسان؟ وأخيرا قرروا أنها إنسان خلقت لخدمة الرجل فحسب.

 ولك أن تتصوري أن هذا السؤال تم والرسول عليه الصلاة والسلام شاب لم يبعث بعد؛ حيث كانت البيئة العربية، تهضم كثيرا من حقوق المرأة فليس لها أن ترث، وليس لها على زوجها أي حق، وليس للطلاق عدد محدود، ولا لتعدد الزوجات عدد محدد، ولم يكن لها حق في اختيار زوجها، وكان الرجل إذا مات وله زوجة وأولاد من غيرها كان الولد الأكبر له أحق بزوجة أبيه من غيره ويعتبرها إرثا كبقية أمواله، فإن أراد أن يتزوجها طرح عليها ثوبا وإلا لكان لها أن تتزوج من تشاء.

وكانوا يتشاءمون من ولادة الأنثى، ومنهم من يئدها خشية الفقر أو العار، فجاء الإسلام فألغى كل هذه الأحكام واستبدل بها ما هو خير للمرأة والرجل على السواء.

وأما ما ترينه الآن من وضع مقلوب، فهو لأن الإسلام محارب من الجهلاء كما هو محارب من الخبثاء؛ فالأولون يريدون أن تبقى المرأة مهمشة جاهلة كي يستمروا بفرض سيطرتهم عليها وعبوديتها لهم؛ لأن العلم هو السلاح الوحيد ضد الخرافة والجهل والعبودية؛ ومع ذلك فالآخرون أي الخبثاء يستعملون هذا السلاح نفسه ليحرروا المرأة إما على الطريقة الغربية أو بأمكر من ذلك على طريقة يزعمون أنهم يستمدونها من القرآن ويعتذرون للمرأة عن الأثقال التي قيدها بها السلف الجاهل بما فيها الحجاب؛ فينصحون المرأة ألا تتمسك به؛ لأن الأمر تجاوز الشعر بكثير!

وقد رددت وغيري في هذه الصفحة وغيرها على دعاة تحرير المرأة على الطريقة الغربية ، وأرجو أن يمكنني الله –أنا أو أي مبصر لهذا الكيد الجديد- للرد على من يطلقون على أنفسهم لقب الفقهاء الجدد الذين يريدون أن يجددوا الدين انطلاقا من أهواء نفوسهم ورغباتهم الدفينة، وليس من حرصهم على أن يكون الإسلام هو النور الذي لا تغشّيه ظلمات الهوى ولا يطفئه مكر النفوس؛ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |