الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (زوجية) الزواج: الدين.. الجنسية ... وأشياء أخرى أهم

 
30/7/2002
 
 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا فتاة متدينة والحمد لله، ومن عائلة متدينة، وعائلة مرموقة نوعا ما، لكن أحببت شابا.. أحببته لدينه وأحببته حبا لدرجة أني لا أستطيع التخلي عنه، وهو أيضا أحبني وربما يحبني أكثر مما أحبه.

هو سوف يأتي لخطبتي وسبق لي أن تحدثت مع والدتي، ولكنها لم تتقبل الأمر؛ لأنه من جنسية أخرى. ولكنه ذو خلق ودين، وأنا أعرف أن الرسول قال: "لم يُر للمتحابين مثل النكاح"، ولكني خائفة من رد فعل أبي؛ لأن عائلتي متشددة في أنه لا بد من الزواج من نفس بلدي الخليجي .

أتمنى أن تجدوا لي حلا لكي يوافق أهلي عليه وأحصل على رضاهم، وأتمنى أن تدعوا لي بالتوفيق والسعادة معه ورضى الله وأهلي، وجزاكم الله ألف خير.

 
 
 

 
 
 
   

الأخت الغالية، أشكرك على ملء بياناتك، ولكنك نسيت أن تذكري عمرك أو تناسيته مع أنه مهم جدا في المساعدة على حل مشكلتك، وكذلك لم تذكري إذا ما كنت لا تزالين طالبة تدرسين وبالتالي تعتمدين على أهلك، أم أنك تعملين أي مستقلة عنهم ماديا، كل هذه الأمور تعطي أبعادا أخرى قد تسهل أو تعقد المشكلة.

ومع اعترافنا بأن الحب ضروري لنجاح الزواج لكنه ليس كل شيء؛ فالزواج مسؤولية تتجاوز العواطف والمشاعر، وهو ليس رابطا بين شخصين فقط، إنما هو صلة وصل بين عائلتين بحيث تتوسع دائرة الأسرة عن طريق المصاهرة.
والكفاءة هي شرط من شروط عقد الزواج، وإن كانت ليست شرطا لصحة العقد، لكن لولي الأمر شرعًا أن يفسخ عقد الزواج إذا وجد إجحافًا بهذا الشرط. والكفاءة يدخل ضمنها المكانة الاجتماعية للأسرة والقدرة المادية للخاطب والمستوى الثقافي والعلمي بحيث يكون كالخطيبة أو يفضلها، وهذا له فائدتان:
أولهما: قوامة الرجل على المرأة تقتضي أن يفضلها الرجل أو يماثلها -على الأقل- ليس فقط على المستوى الديني والأخلاقي، بل على الصعيد الاجتماعي والمادي؛ فالمرأة بطبيعتها تحب أن يكون الرجل أفضل منها، والرجل تعجبه المرأة إذا كانت أقل منه؛ لأنها تبقى في حاجة مستمرة إليه، وليس هذا نقصًا في الرجل أو في المرأة.. إنما هي طبيعة التكامل بحيث أن كلا منهما يكون مكملا للآخر وليس منافسا له.
ثانيهما: الأسرة هي النواة الأساسية للمجتمع، فلكي تكون حلقة مترابطة مع الحلقات الأخرى في سلسلة المجتمع يجب أن تكون متماشية مع أعراف هذا المجتمع، خاصة إذا لم تكن هذه الأعراف متناقضة مع مفاهيم الدين الرحبة والواسعة.

وعلى هذا فإن شرط الكفاءة لا يتنافى مع قول الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، وقد تنازل بعض الصحابة والتابعين عن هذا الشرط لدى تزويج فتياتهم؛ لأن اهتمامهم كان مُنصبًّا على دين الخاطب وخلقه، لكن أفعالهم هذه ليست ملزمة لأحد، خاصة في عصرنا هذا الذي يغلب عليه الطابع المادي.
وإذا عدنا إلى شرط الكفاءة نجد أنه نابع من أن الدين يراعي المصالح الاجتماعية بالتوازن مع المصالح الفردية، وربما ينضوي هذا تحت القاعدة الفقهية "حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله". فإذا كانت مصلحتك أنت أن تتزوجي بمن تحبين فهذا ليس من مصلحة أسرتك التي قد تتعرض للنقد من المجتمع بعد أن أصبحت الجنسية من متممات شروط الكفاءة؛ وذلك لأنها في مثل حالتك ترتبط بالمستوى الاجتماعي والاقتصادي غالبًا.

ومع علمي بأن الجنسية اختراع استعماري ليزيد التفرقة بين المسلمين، فإنني لا أستطيع أن أنصحك بالتمرد على تقاليد عائلتك وأعراف مجتمعك، بل عليك أن تتأكدي قبل كل شيء من أخلاق هذا الشاب ودينه، ولا يكون ذلك إلا إذا أغلقت عين الحب تماما، ونظرت إليه بعين الناقد المتفحص؛ فعين الحب عمياء لا ترى عيوب المحبوب، ولكن ما إن يتم الزواج وتظهر مسؤولياته حتى تتبدى العيوب الخافية، وهو ما يؤدي إلى الخلاف إذا لم يتم معالجة الأمور بالحكمة البالغة ومن الطرفين معا، ويلزم حسن الانتقاء، والتدقيق فيه قبل أن تقع الفأس في الرأس.

ومن الواجب وضع الدين والخلق في المرتبة الأولى، لكن ليس كل من صلّى وصام ذا دين، وليس كل من ادعى الأخلاق شخصًا على خلق، ورضي الله عن عمر بن الخطاب عندما وضع الموازين الصحيحة لمعرفة الأشخاص، وذلك حينما جاء رجل يشهد لرجل آخر، فقال له عمر: أتعرف هذا الرجل؟ فأجاب: نعم. قال: هل أنت جاره الذي يعرف مدخله ومخرجه؟ فأجاب الرجل: لا. قال عمر: هل صاحبته في السفر الذي تُعرف به مكارم الأخلاق؟ فأجاب الرجل: لا. قال عمر: هل عاملته بالدينار والدرهم اللذين يُعرف بهما ورع الرجل؟ فأجاب الرجل: لا. فصاح به عمر: لعلك رأيته قائما قاعدا يصلي في المسجد، يرفع رأسه تارة ويخفضه أخرى؟ فرد الرجل: نعم. فقال له عمر: اذهب فإنك لا تعرفه!!
هذا عن الأخلاق، ثم إننا مخلوقون من تراب –أي من مادة-، والزواج ينتج عنه صغار بحاجة إلى الرعاية والعناية والإنفاق.. فهل دخل هذا الشاب يكفي لذلك، خاصة أنه في أكثر المجتمعات الخليجية لا يوجد مساواة بين المواطن والمقيم من حيث المرتب والامتيازات والمكافآت وغيرها؟ وإذا كنت قد اعتدت على مستوى معين من المعيشة عند أهلك وتستطيعين التنازل عنها من أجل عيون الحب المشرقة، فإنك ربما لن تستطيعي التنازل عندما ترين عيون أطفالك الراغبة بكل ما لدى الأطفال الآخرين.. فهل يستطيع هذا الشاب القيام بحق الإنفاق عليك وعلى أطفالك كما يجب؟

أذكرك بالمثل الإنجليزي الذي يقول: "إذا دخل الفقر من الباب هرب الحب من الشباك"؛ ولذلك كثيرا ما ينتهي زواج الحب بالفشل بسبب الخلاف المادي، وهذه كلها اعتبارات جديرة بنظرك فيها.
أما إذا تأكدت أن هذا الشاب قادر على الإنفاق عليك كما هو الحال عند أهلك أو بشكل أقل عن ذلك بقليل، أو إذا كنت عاملة ومنتجة ومستعدة للمشاركة في مسئوليات الحياة دون أن تمني عليه بمشاركتك كما تفعل بعض النساء، فيمكنك إعادة الكَرَّة بعد الكَرَّة مع والدتك أو اللجوء إلى إحدى قريباتك التي يمكن أن تقدر قيمة الحب، وتتفهم ضرورة وجوده في الحياة الزوجية، وكذلك تكون قادرة على التأثير على والديك بحيث لا تزيد الطين بلة بتدخلها.
ويبقى حقك في اختيار من سيكون شريك حياتك فيما بعد لا يستطيع أحد أن يسلبك إياه، لكن تذكري أن الزواج قرار مصيري يجب أن يعتمد على العقل دون إغفال للقلب، وأنت المسؤولة عن قرارك واختيارك، والقرار إذا كان صادرا عن قناعة وإيمان قلما تنقضه الأيام، بينما أودى الحب الجارف وحده بكثيرين.

وأخيرًا:
مهما كان قرارك فأرجو ألا تنسي أن بر الوالدين مطلوب حتى لو حصل خلاف كبير في وجهات النظر، ولا أعتقد أن أحدا يستحق أن نضحي لأجله بمن طاعتنا لهم واجبة، ومحبتهم لنا غالبة، وكذلك لا أشجعك على التضحية بالحب إذا كان مقترنا بنظرة العقل، ولكن عليك بالصبر والحكمة، فحاولي أن توازني بين إرضاء قلبك من جهة وطاعة والديك من جهة أخرى، والله الموفق، وفي انتظار أخبارك السعيدة إن شاء الله،

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |