الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (زوجية) لم تجد عيباً.. فقالت "أحمر الخدين"!!.

 
26/8/2002
 
 
 
 
 

السلام عليكم، أنا سيدة 34 سنة متزوجة وعندي أولاد والحمد لله، وزوجي رجل طيب وهادئ ومتدين، يحبني وأحبه، وكلانا يعلم ذلك جيدًا.
مشكلتي أننا مختلفان في أمر طالما تناقشنا فيه معًا، ولم نصل لحل يرضي جميع الأطراف، وهو أن له إخوة ذكورًا كثيرين يكبرونه ويصغرونه، وكما هو بار جدًّا بوالديه، فكذلك بإخوته، وهذا هو موضوع مشكلتي.
وحتى لا تفهموا أني من النساء اللاتي تقسِّين قلوب أزواجهم على أهليهم، فأنا أحب جدًّا والديه وهما يعتبرانني مثل ابنتهما في المحبة ولا أنكر حق والديه عليه، فمن ناحية بر والديه أنا مقتنعة تمامًا أن حقهما لا يوفيه أبدًا حتى لو ظلَّ تحت قدميهما طيلة حياته.
ولكن مشكلتي تتلخص في المبالغة في مساعدة إخوته بما لا يجب عليه، وهم لا يزوروننا إلا إذا كانت لهم حاجة، ولا يجاملوننا ولا يسألون علينا حتى عندما تعرض زوجي -أخوهم - لحادث بسيارته مرّ عليهم كأنه أمر عادي.
ومن قبل كانت زوجة أخيه تطلب منه أن يقوم بتوصيلها لأختها، ثم يعود لتوصيلها لبيتها، وفي الطريق لا مانع من قضاء طلباتها في شراء ما تحتاجه لبيتها، علمًا أن أختها وزوج أختها كل منهما لديه سيارة خاصة.. فما الداعي لأن تطلب من زوجي أن يقوم بتوصيلها ذهابًا وإيابًا؟ كما أن لديها يوم الخميس من كل أسبوع مقدس للتنزه والفسح، وكل ذلك بدعوى أنها زوجة أخيه الكبير الذي يعمل بالخارج والواجب عليه أن يراعيها ويراعي طلباتها في غيابه، وكأن هذا الواجب عليه هو فقط دون إخوته الذكور الكثيرين الباقين.
وابنة أخته -وهي ليست طائشة ولا مراهقة، هي في أواخر العشرينيات- تتجاهله، وإذا تحدث إليها تجيبه بشكل لا يليق به كخالها، وإذا أنكر عليها هذا لا يجد من إخوته من يؤيده حتى أمها، ومع ذلك فحينما طلب منه أن يقوم بمهمة البحث وشراء سيارة مناسبة لها كان كأن لم يحدث منهم شيء، وظلَّ مشغولاً بهذا الأمر حتى أنجزه. وحينها تحدثت إليه بأن هذا الأمر ليس مساعدة لها؛ لأن لها أخًا يستطيع إنجاز هذا الأمر، كما أن موضوع شراء سيارة ليس بالأمر الذي نتجاهل فيه طريقة معاملاتهم لنا وتجاهلهم لنا.
إن إخوته إذا استدعوه لأي أمر سواء لكبيرهم أو صغيرهم أو أي من أبنائهم.. فهو لا يتوانى عن تقديم المساعدة، وهذا قد يبدو أمرًا طيبًا، ولكنه في الواقع يشعرني بالضيق؛ حيث إنه قد يهملني أنا زوجته في سبيل إنجاح المهمة التي كلف بها من قبلهم، ولكن أليس من الحق أن يعاملهم بالمثل؟
وقد تناقشنا معًا في هذا الأمر بعد كل موقف يحدث من أيهم وأجده مستاء مما حدث، ولكنه يقول: إنه مهما حدث منهم فواجب عليه تقديم يد العون لهم؛ لأنهم أهله وأنا لا أنكر هذا، ولكن يجب أن يكون مع من يقدر، ومع من يستحق، وأحيانًا يأخذني ضيقي إلى أن تهتز صورته في عيني، علمًا بأنه رجل محترم جدًّا لدي ولدى جميع من يعرفهم.. وإلى أفكار بشعة، منها أنني لست ذات أهمية لديه، وأحيانا أفكر في الانفصال عنه؛ وهذا ما جعلني أستفتيكم في أمري.
فما رأيكم بأني في آخر مرة طلبوا منه أمرًا ما غضبت وثُرت، وأخبرته بأن فعلك لهذا الأمر لهم سيشعرني بالضيق وبعدم الثقة في حبك واهتمامك بي.. فلم يبالِ بأمري؟ وظللت أيامًا في حالة ثائرة نفسيًّا حتى تحدثنا بهدوء وأخبرني بأني على صواب، وأن ما يفعله مبالغ فيه فعلاً، ولكنه لن يكفّ عن هذا مهما حدث منهم؛ لأن هذا طبع فيه.
أفيدوني.. هل على زوجي بر إخوته كبارًا وصغارًا وأولادهم بهذه الصورة أم في هذا إهدار لكرامته وكرامتي، حيث يغضبني بشكل أو بآخر على مجاملاتهم، وهم لا يجاملوننا ولا يزوروننا إلا في طلب أمر منه؟ هل عليه برهم بهذه الصورة أم في الأمر مبالغة منه؟ وماذا عليّ أن أصنع معه ومع نفسي التي ضاقت عليّ من تصرفاته؟

 
 
 

 
 
 
   

تتلخص مشكلتك يا أختي العزيزة في سؤالك: أليس من الحق أن يعاملهم بالمثل؟ وأنا لن أجيبك بكلام من عندي أو بحديث بشر عادي.. إنما بالحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي. فقال عليه الصلاة والسلام: "لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهُم الملَّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك".
قال الإمام النووي -رحمه الله- في تعليقه على هذا الحديث: معنى تُسِفُّهُم الملَّ أي كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شيء على هذا المحسن إليهم، لكن ينالهم إثم عظيم بتقصيرهم في حقه وإدخالهم الأذى عليه.
أعتقد أن هذا الحديث وحده -إذا كنت مؤمنة حق الإيمان وأرجو أن تكوني كذلك- يكفي لأن يمسح من قلبك كل أسى لما يقوم به زوجك من إحسان وبر لأهله وإخوته وأزواجهم وأولادهم وبناتهم، فما بالك بالأحاديث الكثيرة والآيات العظيمة التي نزلت في الحض على صلة الرحم؟ بل لا بد أن هذا الحديث الذي سأذكره لك فيه عظيم النفع أيضا وهو قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم –أي أكمل خلقهم- قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذلك لك"، ثم قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "اقرؤوا إن شئتم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}".. فهل علمت الآن الفرق بين من يقطع رحمه ومن يصلها؟
أختي الكريمة، زوجك تقولين عنه: رجل طيب ومتدين وهادئ ومحترم لديك ولدى من يعرفه، ثم هو بار بوالديه محسن إلى إخوته وعائلاتهم، فكيف بالله عليك تفكرين في الانفصال عنه؟! هل تراه ينطبق المثل عليك وعلى زوجك: "لم ير بالورد عيبا فقال له: يا أحمر الخدين"؟ نعم هذا العيب في زوجك يجعله ليس محترما فقط بل يجعله فاضلا متفضلا محسنا؛ فهنيئا له هذا الطبع الذي خلق به، وهنيئا له صلة الله له والبسط في الرزق والمباركة في الأجل وحسن الذكر بعد الموت: "من أحب أن يُبسَط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه"، وهنيئا له أن الله سبحانه في عونه وفي حاجته: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، و"من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته"، وهنيئا لكل ذي خلق مقعده من الجنة كما يقول الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام: "أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون".
تقولين: يجب أن يعمل المعروف مع من يُقدِّر ومع من يستحق، وأقول لك: أبداً كلامك ليس صحيحا؛ لأننا إذا كنا سنفعل المعروف للناس كي يكافئونا بمثله؛ فمعنى هذا أننا نريد ثوابنا من الناس. أما ديننا فيأمرنا أن نعمل المعروف لله سبحانه، وننتظر الجزاء من الله وحده.. فلماذا تريدين أن يستبدل زوجك الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ اقرئي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ}، فلم يقل الله سبحانه: الذين يصلون من يصلهم، بل يصلون ما أمر الله به أن يوصل، وهم ذوو القربى والرحم، ويفسره الحديث الشريف: "ليس الواصل بالمكافئ، لكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها".
ثم هل تراك تعرفين قصة الحطيئة؟ هو ذلك الشاعر الذي عرف عنه حبه للهجاء حتى سجنه عمر رضي الله عنه، فأرسل إلى عمر بقصيدة منها بيت من الشعر لم أقرأ في حياتي كلها بيتا من الشعر يعدله قيمة وجمالا، وقد كان أثره على عمر عظيما للدرجة التي جعلت عمر يطلق بعدها سراحه على الفور:
من يفعل المعروف لا يعدم جوازيه *** لا يذهب العرف بين الله والناس
والبيت مفسر بكلماته، لكن هل فهمت الشطر الثاني "لا يذهب العرف بين الله والناس"؟ إذا ذهب المعروف وضاع بين الناس والناس، فإنه لا يذهب بين الناس والخالق جل وعلا، فلا يضيع عند الله شيء، وإنما كلٌ مجزيٌّ بعمله، وإذا لم يجازوه اليوم الجزاء الذي يستحقه فإن الله –عز وجل- سيجزيه يوم القيامة الجزاء الأوفى.
فطوبى لزوجك يا سيدتي، وهنيئا لك به؛ لأنك إن رضيت به لحسن خلقه وطيب شمائله فستكونين رفيقته في الجنة ولو لم تعملي بعمله: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ}. {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ}، لكن بشرط أن تكوني ممن قال الله فيهم: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ}؛ أي تكونين ممن صلح أمره عند الله، ولن تصبحي كذلك إلا إذا طردت من نفسك هذه الخواطر الرديئة التي تجعل صورته تهتز لديك، وأبعدت هذه الأفكار السيئة التي تراودك بأنك لست ذات أهمية لديه..
فما هذه الخواطر والأفكار إلا من وساوس الشيطان ليشعل الفتنة بينك وبين زوجك؛ فيصور لك محاسن زوجك على أنها مساوئ، ويجعلك تشعرين أنه يفضل عليك زوجة أخيه أو ابنة أخيه، وما هي إلا من عمل الشيطان {إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ}.
وبما أنك تستفتيننا -ويعلم الله حبنا أن يسود الخلق الحسن في كل بيت، وأن تبقى صلة الرحم من أهم خصائصنا كمسلمين.. فما أجمل أن يفكر أحدنا في أهل بيت أخيه قبل أن يفكر في بيته خاصة مع غياب أخيه- نرجو أن تعلمي أن زوجك على خلق من أخلاق الإسلام العظيمة؛ فشجعيه عليها، ودليه على طرق الخير، وساعديه ليستمر عليها؛ ليكون لك من الأجر مثل أجره، وتذكري حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: "الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله".
فلا يكن همك نفسك، بل سارعي أنت لخدمة إخوانك وأخواتك المسلمين، ولو فتحت لك باب صلة الرحم والآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي وردت في الحض عليها لكتبت لك صفحة أخرى أو يزيد، ولكن يكفي أن أذكرك أن ما من أحد أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أنه سيتصدق بشيء إلا أمره أن يجعله في أقاربه، فهذا أبو طلحة رضي الله عنه يريد أن يتصدق بأحب ماله وهي "بيرحاء" -حديقة نخل أمام المسجد النبوي كان يدخلها الرسول فيشرب من ماء طيّب فيها- فيأمره الرسول الكريم أن يجعلها في أقاربه، فيفعل.
وهذه ميمونة أم المؤمنين تعتق جاريتها، فيقول لها الرسول عليه الصلاة والسلام: "أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك". ويكفي قوله: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة"، والصدقة لا تكون بالمال فقط، بل إنها بالجهد والتعب وبذل النفس والوقت لمساعدة من يطلب المساعدة ويحتاجها.
أخيرًا ليس فيما يفعله زوجك أي إهدار للكرامة أو تصنع لمجاملة أو إتيان لمبالغة ما دام قد بين لك عذره أنه طبع خالص فيه، ولو كان طبعا سيئا لكنا قد نصحناك أن تحاولي معه لتغيير طبيعته، ولكننا لا نراه إلا طبعًا من أفضل الطباع، و{ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.
بارك الله لك في زوجك وأولادك، وأصلح بالك، وعوضك بصبرك ورضاك خيرا، والسلام عليك.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |