الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (زوجية) الزواج.. استراحة في واحة

 
 
 
 
 
 
 

لا أعرف من أين أبدأ المشكلة، ولكنها متعلقة بحالي وصلتي مع الله عز وجل، فلقد كنت مثل أي إنسان قبل الزواج يأمل أنه بعد الزواج ستكون الاستقامة التامة والكاملة، وكنت فيما مضى من عمري بحالة طيبة من الطاعة بالله عز وجل، لكنه بسبب وقوعي في الشهوات كان يقل مستواي في الطاعة.
وكنت أقول: بعد الزواج سيتغير كل شيء للأحسن، ولكن بعد الزواج ضاق الحال، ولم أرتفع في طاعتي كما كنت أتوقع، بل أخذ مني الزواج أوقاتا زيادة مما كان متبقيا لي، مع العلم أنني في الشهر الثاني من الزواج.
والسؤال الآن:
هل أيأس من إصلاح حالي، وأتأكد أني كاذب مع الله مؤمل لما لا يفعل، أم أنه ما زال هناك أمل؟

 
 
 

 
 
 
   

هكذا نحن دائما نضع نصب أعيننا أننا سنكون أفضل عندما يتحقق لنا كذا وكذا، فإذا أنعم الله علينا بما نريد انشغلنا بالنعمة عن المنعم، وهذا واضح في قوله تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا . إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا . وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) لكنه قال بعدها: (إِلاَّ الْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ . وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ . لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ . وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ . وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ . إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ . وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ . فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ . أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ). هل هناك أجمل وأحكم وأبلغ من هذا الكلام؟
أعتقد أن هذه الآيات وحدها إذا تأملتها تكفي جوابا لسؤالك، وأنت تسأل ما العمل؟ فهل عملت بها؟ وانتبه أن أول آية وآخر آية في وصف حال المؤمنين متفقتان على صفة واحدة تأتي في المرتبة الأولى وهي الدوام والمحافظة على الصلاة؛ لأنها أهم العبادات، بينما الآيات التي بينهما تذكر الصفات الأخرى التي تربط بين حق الله بالعبادة وحق الناس الآخرين بالبر والإحسان، سواء بالإنفاق على المساكين المحرومين أو بالحفاظ على العلاقة الجنسية ضمن إطارها الحلال، أو بالمعاملة الحسنة كحفظ العهد والوفاء بالأمانة والقيام بالشهادة.. فهل تقل معاملة الخلق أهمية عن معاملة الخالق أم أنها كلها متصلة ببعضها البعض في حلقة مترابطة متماسكة؟!
لماذا نفكر أول ما نفكر باليأس من إصلاح حالنا؟ هل لأن هذا أسهل الطرق؟ رفع الراية البيضاء للشيطان والاستسلام له؟ بعد أن تركنا النوافل "لأن الزواج يأخذ منا أوقاتا زيادة"، يوسوس لنا الشيطان أننا لم نعد صالحين وأن الله لن يقبلنا فلنترك الفرائض أو لنهملها قليلا، ثم نقع في قبضة الشيطان تماما ونسلم له أنفسنا كما يريد!!
يا أخي العزيز، احمد الله على نعمة الزواج فهو أسكن للقلب وأهدأ للشهوة، وينبغي أن يكون لنفوس المتقين استراحات بالمباحات؛ ولذلك قال الله تعالى: {وجعل منها زوجها ليسكن إليها}، وشكرك لله على هذه النعمة هو بحد ذاته نعمة، بل إن شكر الله هو الحكمة لقوله تعالى: {ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله}؛ فشكر الله على كل حال طاعة لا يتقنها إلا من رضي عنه سبحانه، جعلنا الله وإياك منهم.
الزواج بالتأكيد سيشغلك عن عباداتك، لكن أليس في العمل وطلب الرزق عبادة؟ ألست – وقد أصبحت مسؤولا – مجبرا على العمل لتنفق على زوجتك، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ما أنفقه الرجل على أهله فهو صدقة، وإن الرجل ليؤجر في اللقمة يرفعها إلى امرأته)؟ وهل نسيت أن تبسمك في وجهها صدقة؟ وفي تطييب خاطرها بكلمة طيبة صدقة؟ وفي جماعها صدقة؟ قال رسول الله عليه الصلاة والسلام في حديث طويل: (وفي بُضع أحدكم صدقة)، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟! قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر).
اعلم يا أخي أن الله سبحانه لم يخلقنا ملائكة ولا يريدنا ملائكة، وإنما خلقنا بشرا، وأجمل ما فينا - نحن البشر - ضعفنا أمام الله سبحانه، إذ نتوسل إليه ألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين وإلا لخذلتنا نفوسنا الضعيفة ولاتبعنا الشهوات ولتخطفتنا الشياطين.
ولكن ضعفنا بين يدي الله وتذللنا له هو قمة العبادة، وليست العبادة بطول قيام ولا بكثرة صيام، فرُب قائم ليس له من صلاته إلا الركوع والسجود، ورُب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.
يا أخي الكريم، إن الزواج نعمة كبيرة، وذلك عندما يجد المتزوج سكنه النفسي وطمأنينته الروحية عند زوجه وأليفه؛ فالزواج خطوة رفيعة في سلم الكمال والارتقاء الإنساني.
ثم إذا أنعم الله عليك بطفل، فرغم انشغالك أكثر عن عبادتك فإن شعورك بالرحمة لطفلك هو درجة أعلى في هذا السلم، فالرحمة نبع فياض في أرض الإنسانية الخصبة، كما أن الولد زينة الدنيا وبهجتها.
وما أجمل ما قاله عبد الله بن المبارك وهو مع إخوانه في الغزو إذ سألهم: أتعلمون عملا أفضل مما نحن فيه؟ قالوا: ما نعلم ذلك. قال: أنا أعلم. قالوا: فما هو؟ قال: رجل متعفف ذو عيال قام من الليل فنظر إلى صبيانه نياما متكشفين فسترهم وغطاهم بثوبه، فعمله أفضل مما نحن فيه!!
طبعا لا بد من إعطاء كل ذي حق حقه، ولا بد من الخلوة مع الله سبحانه، ففيها جلاء النفوس وراحة القلوب، ومن الله سبحانه تَستمد الروح شفافيتها ونورها وصفاءها، وأفضل ما أذكره لك هنا ما ورد من حكمة عن النبي داود عليه السلام: (حَقٌّ عَلى العاقِلِ ألاَّ يَغْفُلَ عَنْ أرْبَعِ ساعاتٍ: ساعَةٍ يُناجي فيها رَبَّهُ، وَساعَةٍ يُحاسِبُ فيها نَفْسَهُ، وَساعَةٍ يُفْضي بِها إلى إخْوانِهِ الَّذينَ يُخْبِرونَهُ بِعُيوبِهِ وَيَصْدُقونَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَساعَةٍ يَخْتَلي فيها مَعَ نَفسِهِ فيما أحَلَّهُ اللهُ فإنَّ هذِهِ السَّاعَةَ عَوْنٌ عَلى تِلْكَ السَّاعاتِ).
أعانك الله على طاعته، ووفقنا وإياك للفهم عنه وعن رسوله عليه الصلاة والسلام الذي قال: (من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني)، والسلام عليك.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |