الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (زوجية) حائرة بين أهلي وزوجي

 
10/8/2002
 
 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنا امرأة عاملة. أعمل 8 ساعات في اليوم في شركة كبيرة في مجال الكمبيوتر؛ إذ إنني درست هذا التخصص في الجامعة وعملي مريح نسبيًّا، والأجر الذي أتقاضاه جيد جدًّا، وهم في المكتب يقدرون ظروفي. إنني أعمل لسبب مهم جدا هو إعالة أهلي. ليس لدي إخوة شباب فنحن 3 بنات. وأهلي ليس عندهم أي مورد مال آخر. ولي أخت تعمل لكن عملها ليس مستقرا؛ وبالتالي فأنا العائلة الأساسية في المنزل. وأختي الصغرى ما زالت تدرس. ووالدي مريض وهو كبير في السن.
المسؤولية علي كبيرة. وأنا متزوجة منذ سنتين، وعندي طفلة أتركها كل يوم عند والدتي حتى أرجع من العمل. ولكن زوجي متضايق من عملي؛ إذ إنه يريدني أن أتفرغ للمنزل وأن أهتم بنفسي وبطفلتنا. ويقترح أن يساعد أهلي بالمال بدلا عني على قدر استطاعته. ولكن أنا أعلم أن عليه أيضا مساعدة أهله. كما أننا ننوي شراء منزل. وأهلي يحتاجون إلى دخل ثابت، وربما لا قدر الله احتاج أحدهما لمستشفى أو لدواء، علما أن والدي كبيران في السن ومريضان.
وأضيف أن والدتي قد ضحت كثيرا وتعبت كثيرا في تربيتنا؛ إذ إن والدي كان دخله ضئيلا جدا. أنا أشعر الآن أن من واجبي أن أجعلها تشعر بالراحة وأنها لاقت ما تعبت من أجله. كما أنها لا تحب أن تكون عالة على زوجي، خاصة أنها لا تتفق كثيرا معه. وزوجي يريد أن يشتري منزلا قريبا من منزل أهله وبعيدا جدا عن منزل أهلي (في منطقة تبعد 40 كيلومترا من منزل أهلي).
أرجو أن تساعدوني في مشكلتي هذه بأسرع وقت. وأعتذر عن طول الرسالة.

 
 
 

 
 
 
   

أبارك شعورك تجاه أهلك وبرك بهم، وبالأخص بوالدتك ووالدك عافاهما الله ، ولكن اعذريني يا أختي العزيزة إذا قلت إن مشكلتك هي من جملة المشاكل التي يصعب حلها في ظل الإسلام الاجتماعي؛ لأننا لم نعد نملكه في مجتمعاتنا، ولم يعد الإسلام مسيطرا على علاقاتنا، وما نراه منتشرا بيننا هو انفصال العبادة عن السلوك، ولسنا هنا في مجال دراسة أسباب هذا الفصام تاريخيا، لكن يكفي أن أقول إن حل هذه الإشكالية ليس بإصلاح الفكر فقط ونشر الوعي، وإنما ببناء العقيدة والإيمان في النفوس من جديد، وغرس محبة الله ورسوله في القلوب، وكما قال عليه الصلاة والسلام: "لا إيمان لمن لا محبة له"، فالمحبة لا ينفع معها الادعاء، بل لا بد من السلوك الذي يدل عليها، وما أسهل كشف هذا الادعاء عندما نبحث عن معنى قوله تعالى فيما بيننا: "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون" فنجد أن الأقوال في واد والأفعال في واد آخر، وعندها نعرف ما قيمة إيماننا في ميزان الله!
فأين الإيمان فيمن يبحث عن نفعه الخاص وعن الفائدة التي تعود عليه شخصيا دون أن يهتم بنفع غيره؟ أليس أغلبنا يحفظ حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" غيبا؟ فلماذا ننساه تطبيقا وسلوكا وواقعا؟ والسؤال المطروح بالنسبة لمشكلتك هو: إذا كان من المفروض عليك ألا تخرجي إلى العمل بدون إذن زوجك ورضاه أليس من المفروض عليه أيضا أن يقدر سبب خروجك فلا يمنعك منه؟ أليس مطلوبا منه أن يكون عونا لك على بر والديك فيكون له مثل أجرك عند الله؟ ألم يقل عليه الصلاة والسلام: "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه"؟ فأين ذهبنا بهذه التعاليم الخالدة؟ هل زوجك الكريم يقدر ظروف عائلتك واحتياجهم لك قبل أن يطلب منك لزوم البيت؟ كيف خيل إليه أن هناك عائلة تقبل أن يصرف الصهر (زوج البنت) عليها؟ وهل أساسا في مجتمعاتنا يعتبر الصهر ابنا أو "الكنة" بنتا كما هو المفروض أن يكون؟ لماذا كل هذا التراث من الفكاهات على علاقة الصهر والكنة بالحماة إذن؟
ثم على فرض أن زوجك لن يمنّ على أهلك بالإنفاق –رغم أنه شيء فوق طبيعة الإنسان العادي؛ لأنه يعتبر تضحية أكبر من طاقة المرء ما لم يكن قد نذر حياته وماله لله والدار الآخرة- فهل يقبل أهلك هذا وهم يعلمون مدى حاجتكم إلى شراء منزل؟
طبعا إذا قرأ زوجك هذا الرد فسيقول: أنا أريد أن أحافظ على كرامة زوجتي فلا تعمل خارج المنزل، وأود أن تهتم بابنتنا أكثر من ذلك، وهذا كلام جميل، لكن أنت تقولين إن عملك مريح نسبيا، والأجر الذي تتقاضينه جيد جدا، فهل تتأثر ابنتك من غيابك عنها أم أن والدتك وأخواتك يعوضنها عن هذا الغياب؟
نحن نساء هذا الزمن مضطرات إلى أن نغيب عن أولادنا أكثر من ثماني ساعات، ولا أنكر أن وجود الأم إلى جانب طفلها في سني حياته الأولى من الأهمية بمكان، لكن المرأة الذكية والواعية تستطيع التوفيق بين عملها وبيتها دون أن يطغى شيء على شيء.. فهل أنت تفعلين هذا؟ أم أنك مقصرة في حقوق زوجك فيسكت عنها -ربما حياء- ويطالب بحقوق ابنته؟
أرجو ألا يفهم كلامي على أنني أشجع عمل المرأة بالطريقة التي تحدث حاليا؛ فقد بينت رأيي بوضوح في ردي على مشكلة: (ما هو حقي من نقودي؟) وبينت أننا في زمن يحتاج إلى قدر كبير من التساهل والمرونة دون الإخلال بالثوابت الدينية، أما الثوابت الاجتماعية فهي لم تعد مستمدة من الدين دائما، بل إن تأثير ثوابت الغرب في إعلاء قيمة المادة لا يستطيع عاقل إنكارها، وعلينا أن نصارح أنفسنا بأننا نفتقد ثوابت المجتمع بعد أن أصبحنا خليطا عجيبا من بشر، بعضهم عصب عينيه برباط الحب الأعمى للغرب، وبعضهم الآخر عصبها برباط الاقتناع بتقاليد وعادات ليست من الإسلام في شيء، وأضحى كل منا يغني على ليلاه.
قد يعترض علي البعض بأنني أبالغ، وليس لي رد سوى أنهم يعيشون في أبراج عاجية، وأن المشكلة - والله - أكبر بكثير مما أذكر، أو يتهمونني بأنني أعمم، مع أنني أقول إن لكل قاعدة استثناء، ولكن هذا الاستثناء لا يبنى عليه ولا يؤخذ به، وحالتنا في موضوع كموضوع المرأة بعيد عن الإسلام كل البعد؛ لأن التقاليد وليس الدين هي التي تحكم علاقة الرجل بالمرأة، ولولا هذه التقاليد لما وجد دعاة نبذ الدين طريقا إلى مجتمعاتنا، فاستبدلوا بالتقاليد البائدة العادات الوافدة، وهكذا كما أقول دائما وقعت المرأة بين نارين، وأصبحت كالمستجير من الرمضاء بالنار.
أختي الغالية، حل مشكلتك يكون بالتفاهم مع زوجك، وهو أنك مضطرة للعمل لتساعديه في ثمن المنزل، ولتعيني أهلك ، وأخبريه أن لوالديك حقا عليك كما هو حق والديه عليه، وإن كانت المرأة لا يُطلب منها الإنفاق حتى على نفسها لكن ليس من الشهامة أبدا ولا الإنسانية أن ترى المرأة أهلها وبالأخص والديها محتاجين لها وتدير ظهرها لهم، وتنكر فضلهم، فليس هذا من الإسلام في شيء، وإذا كان المنزل الذي يريد شراءه بعيدا عن أهلك كما تقولين، فهذا يجعل زيارتك لهم صعبة، وكذلك مرورك عليهم كل يوم لتتركي طفلتك عندهم، فحاولي معه بالتفاهم والحكمة.
وما أعتقده يا أختي العزيزة أن للمرأة تأثيرا على زوجها لا يعدله تأثير أي صديق أو أي أحد؛ لذلك عليك أن تؤكدي لزوجك أنه يأتي بالمرتبة الأولى في حياتك قبل والديك وقبل ابنتك، وهو فعلا يجب أن يكون كذلك، ولكن هذا لا يعني إهمال الحقوق الأخرى. وتذكري أن الرجال ما هم إلا أطفال كبروا، لذلك ينبغي معاملتهم بالسياسة والحكمة والمهاودة، ولا تظني أن المرأة ليس بداخلها طفلة أيضا، فكما يحتاج "الطفل الرجل" إلى الحنان، فـ"الطفلة المرأة" تحتاج إلى الأمان، وكما تبحث عنه عند زوجها، فيجب عليها أن تمنحه من حبها وحنانها الكثير، وأن تظهر له ضعفها أمامه وحاجتها إليه، وقوة المرأة في ضعفها فأحسني استخدام هذا السلاح الحساس الذي يذيب قلوب أعتى الرجال، وكوني له أمة يكن لك عبدا، وكوني له وطاء يكن لك غطاء، كما نصحت تلك الأعرابية ابنتها، وبادري أنت ببر والديه والإحسان إليهما لتكوني قدوة له في عمل الخير والشعور بوالديك والإحسان إليهما.
وإذا وجدت أنه لم ينفع معه الحنان واللين، فعليك أن تعملي بقول الله تعالى:{وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فليصلحا بينهما صلحا والصلح خير}، {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا}، ولكن تذكري أنه حتى مع مهمة الإصلاح والتحكيم فإن الحياة الزوجية لا غنى لها عن المرونة كي تستمر، وإياك والعناد فالرجل لا يحب المرأة التي تعلي من شأنها على حساب شأنه، والجئي إلى الله ليصلح أموركما، ويؤلف بين قلبيكما، وخذي بالأسباب التي ترفع من قيمتك في عين زوجك، وأنت أدرى بهذا مني، وبعد الأسباب ليس لك إلا التوكل على الله، {ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} والسلام عليك.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |