|
اعذريني يا أختي الغالية إذ أنشر مشكلتك، فصفحتنا ليست بابا للفضائح ولسنا في مجال
سبق صحفي ولا إثارة إعلامية، لكنها مشكلة موجودة في مجتمعنا، فإذا كنا سنخفي
المشاكل التي ليس سببها إلا البعد عن الله، فكيف سنقنع الناس بضرورة الرجوع إليه
سبحانه؟ وإذا كنا سنخفي مشكلتك ومشكلة غيرك فماذا سيبقى لصفحتنا من فائدة؟ وما
الداعي أساسا أن نجعل الصفحة ظاهرة للملأ؟
تسألين أولا عن عبارة "ما ملكت أيمانكم" إن كان هذا صحيحا أم لا؟ فأقول لك: نعم هذا
صحيح لكن على مذهب نجيب محفوظ، عندما كتب ذلك على لسان شخصيته "سي السيد" في
ثلاثيته المشهورة، فقد برر نجيب محفوظ لسي السيد ازدواج الشخصية التي يعاني منها
بسبب جمعه بين الطاعة الممثلة بالصلاة مثلا، والمعصية الممثلة بكبيرة الزنا، فوجد
أن الحل الأمثل هو: بما أنه يدفع أجر العاهرة كل ليلة فهي لا تختلف من بعيد ولا
قريب عمن ملكت يمينه!!
لكن نجيب محفوظ نسي أو تناسى أن ملك اليمين ليست زانية أو عاهرة بل يُجبر الرجل على
الإنفاق عليها، سواء تسرّى بها أم لا، ويعتبر ولده منها ولدا شرعيا ينسب إلى أبيه،
عدا أنه لا يطأها إلا مالكها وليست كبنات الليل اللاتي يقضين كل ليلة مع رجل مختلف.
وأعظم خلفاء العباسيين عقلا وحلما وهو المأمون كان ابن جارية فارسية، وأكثرهم شجاعة
وفخرا وهو المعتصم كان ابن جارية تركية.
ولا يعني هذا أني أشجع وجود الجواري واستمرار عصر الحريم, لكن مع احترامي لقدرة
نجيب محفوظ في وصف الشخصيات وبراعته في وصف معاناتهم خاصة في المونولوج الداخلي،
لكنني أجد من الواجب أن أقول: إنه أساء إلى كثير من القيم والثوابت وهو الأمر الذي
يحصل عند الخلط بين الإبداع والإفساد.
حل مشكلتك مع زوجك يتمثل في شقين: تدعيم رابط الحب والإشباع الجنسي بينكما من جهة،
وتقوية صلته بالله سبحانه من جهة أخرى.
الشق الأول: أرجو بداية أن تتكرمي بمراجعة ردي على مشكلة "زوجة طبيب النساء..
الغيرة والثقة بالنفس"، فقد بينت أن التنويع في الجنس فطرة في الرجال، لأن المرأة
هي موضوع إثارة للرجل وليس العكس، ولكن هذه الفطرة يمكن تهذيبها بطريقين: الالتزام
الديني وهو متضمن في الشق الثاني من الحل، والالتزام العاطفي حيث ذكرت في ردي
تحليلا لنفسية الرجال الشبقين ولعل زوجك واحد منهم، وبينت أنهم ليسوا كذلك بالحقيقة
إنما يفعلون ما يفعلون لدوافع أخرى ليست جنسية بقدر ما هي نفسية، ومنها على الأخص
الرغبة في أن يكون الرجل مرغوبا ومحبوبا، فهل تظهرين لزوجك هذه الرغبة من نفسك
بالشكل الذي يرضيه ويرغبه فيك؟
قد يكون خطؤه فعلا أنه يمارس العادة السرية وأنت بجانبه، لكن ألا يمكن أن تكوني أنت
سببا في عدم رغبته بك؟ فالوضع هنا ليس طبيعيا أبدا، وزوجك إما مريض نفسي مصاب بهوس
الاستمناء والجنس أو أنك تتحملين جزءا كبيرا من المسؤولية.
فراجعي نفسك أولا، وابحثي عن نقصك ونقاط ضعفك في إثارته.. هل هو في جسمك أو في
ملابسك أو في زينتك أو في أسلوبك في التحبب إليه، أم أن هناك شيئا آخر؟ لماذا
تتركين المجال مفتوحا أمام تلك البغايا ليسرقن منك زوجك؟ وما الذي يحسنَّه أكثر
منك؟! ولماذا لا تكون المرأة بائعة هوى لزوجها فقط ما دام يحب ذلك؟ هل أحسنت اللعب
على أوتار التنويع لتعزفي الموسيقى التي يرغب بها أكثر الرجال خاصة إذا كان عزفا
متقنا يجمع بين لمسات الحنان وألحان الإغراء؟
على كل حال ما أعتقده شخصيا وهو واضح في بعض الدراسات النفسية أن الرجل أو المرأة
لا يمكن أن يصلا إلى الإشباع الجنسي إلا إذا ترافق الجنس مع الحب، فهل الحب موجود
بينكما أم أن عاطفة الأمومة عندك طغت على العاطفة التي يحتاجها زوجك؟
الحب برأيي يخلق المعجزات وهو سلاح المرأة الفاتك، ولا بد أنك تحبين زوجك، فهل أزلت
الرماد الظاهر لتتأجج نار الحب بينكما بحيث يشعر زوجك بالدفء العاطفي الذي ربما
يفتقده دون أن يدرك ذلك؟
تأكدي يا عزيزتي أنه كما لا يوجد مستحيل مع الإيمان بالله والثقة بالنفس، فإن الحب
يحول المستحيل ممكنا؛ لأن الحب هو نفسه فن المستحيل والتحدي، فهل تحاولين أن تجعلي
من إخفاقك السابق مع زوجك تحديا لك لتنجزي أداء أفضل على صعيدي العاطفة والإثارة
معا؟
كانت أفلام الإثارة وما زالت تعتمد على ما يسمى بالجنس الفاتن، ولكن الحقيقة أن
الحافز الجنسي لا يمكن أن يكون فاتنا إذا كان مجردا من العاطفة، والفتنة لا تنشر
عبيرها إلا إذا تضافر الجنس مع نزوات الحنان.
وهذا التضافر هو من النوع المعقد الذي يصعب نقضه، شأنه شأن سجادة شرقية تشكل فيها
الخطوط المجدولة لوحة واحدة، ولكن الخيوط المتحابكة يصعب اقتفاء أثرها، فهل تجعلين
خيوط العاطفة والرغبة متشابكة في علاقتك بزوجك بحيث لا يمكنه التخلص من سحرك
وفتنتك؟!
الشق الثاني: زوجك يا عزيزتي مشكلته ليست في الزنا، ولا في العادة السرية ولا في
الإنترنت والأفلام، مشكلته في عدم الصلاة، فاتركي كل شيء وسامحيه على كل شيء،
وانتبهي لهذا الأمر. فإذا استطعت أن تجعليه يصلي فإن صلاته ستنهاه كما قال عليه
الصلاة والسلام، وكما قال الله تعالى: "وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء
والمنكر".
ذكريه بنعم الله عليه، قولي له: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ لقد أحسن الله إليك
بزوجة صالحة وأولاد سالمين معافيين ورزق وفير وصحة وشباب، أهكذا يكون جزاؤك لربك
الذي أحسن إليك؟
تخيل أن لديك عبدا أنعمت عليه وأحسنت إليه وغمرته بالفضل والإنعام وأسبغت عليه كل
صنوف الإكرام، ثم شب هذا العبد عن الطوق وأنكر كل نعمة ولم يشكرك على أي فضل، بل
استعان بنعمك على معاصيك وأخذ يتفنن فيها، فماذا يكون جزاء هذا العبد الآبق؟ ألا
تسلبه كل هذه النعم وترمي به خارج عطفك ولطفك وإنعامك؟ هل تريد أن يسلبك الله كل
النعم التي أغدقها عليك؟
هل شكرت الله على نعمة البصر واستخدمتها لما خُلقت له كي تؤدي شكرها أم كفرت بها
واستعملتها في غير رضاه؟ من يعصمك من الله إن أراد أن يسترد هذه الأمانة؟ يديك
ورجليك التي تستعملها في معصية الله بدل أن تستعملها في طاعته؟ هل تأمن أن يبدلك
الله قوتك في هذه الأعضاء ضعفا ووهنا؟
إن الزنى باب من أبواب الفقر وقطع الرزق لقوله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ
الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ
وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، فهل يريد زوجك أن يعاقبه الله بقطع رزقه: {أمن
هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور}.
يحزنني زوجك يا أختي لا لشيء إلا لأنه محروم ذلك الذي لم يعرف نعمة القرب من الله،
ولأنه مغبون من لم يذق نعمة السجود لله، ولأنه شقي ذلك الذي لم يسعد لحظات في محراب
العبودية لله.
إذا عاد زوجك إلى الله فهو خير وفضل، ولعلك توجدين حوله صحبة صالحة تساعده على ذلك،
وإن لم يعد فاطلبي منه بلطف أن يفصل مكان معاصيه عن غرفة النوم، بحيث لا تضطري أنت
إلى مشاهدة ما يرى أو تحمّل ما ليس في قدرتك، فعلى الأقل عندما يريد أن يتابع
أفلامه أو الإنترنت فليكن بعيدا عنك لأن في ذلك إهانة لكرامتك خاصة إذا تم تحت سمعك
وبصرك، فإن قبل فقد فعل خيرا؛ وإياك أن تمتنعي عنه إذا طلبك. وإذا لم يؤدك حقك
الشرعي في المواصلة الجسدية إن كنت ترغبين بها، فإن استطعت أن تسامحيه أيضا في هذا
الحق فافعلي، وإن لم تستطيعي فعل أي شيء من كلامي فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها،
ويحق لك طلب الطلاق، إذ ربما هو بحاجة إلى طرقة قوية على رأسه ليصحو، أو زلزالا من
تحت رجليه يهز كيانه ليستيقظ، لذلك لا مانع من أن تهدديه بالطلاق بشكل جدي، وبما
أنه كريم ومحب لأولاده كما تقولين فقد يكون هذا السلاح الأجدى، لكن كما قلت لك
حاولي بالطريق السلمي بأن تحببيه إلى الله سبحانه، وأن تغدقي عليه الحب أشكالا
وألوانا، وبعد ذلك لكل حادث حديث.
كلمة أخيرة يا أختي العزيزة، وهي: إنني أود أن تعرفي أن كل منا نحن البشر مركب من
الخير والشر، لقوله تعالى: {وهديناه النجدين}، وبما أن زوجك يزكي عن ماله كما
تقولين فمعنى هذا أن في داخله نبعا من الخير لكنه يحتاج جهدا أكبر كي يتفجر ماء
رقراقا، فلا تستسلمي بسهولة للفشل، بل احفري بدأب وعزيمة لتصلي إلى عنصر الخير فيه.
وقضيتك مصيرية تحتاج إلى أن تتمسكي بالصبر والإيمان، ولا تنسي أنه سبحانه يجيب
المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، وأنه لا يخيب من أحسن اللجوء إليه وهو القائل عن أحد
أنبيائه: {وأصلحنا له زوجه}، والله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولعلك
تبقين معنا فقد يكون في صفحتنا ما يخفف عنك، وأهلا بك دائما. |