|
يا سيدي الكريم.. أشكرك على صراحتك بأن الرد لم يكن مقنعا لك، ولكن أرجو أن تتقبل
صراحتي بالمقابل، فأقول لك: إنك أول سائل أرد عليه بتلك الطريقة التي رددت بها عليك
أي بطريقة لا أشعر معها أنني متجاوبة مع من يسأل؛ لأننا اعتدنا أنا والزملاء في
الفريق أن نشعر أن مشكلة السائل هي مشكلة شخصية لنا قد تقض مضاجعنا، وتؤرق عيوننا،
وقد نحلم بها في نومنا، ولكن طريقة عرضك لمشكلتك جعلتني أشعر أنك تخفي شيئا أو لست
صادقا معنا؛ لذا لم أشعر بالتجاوب معك.
وأما سبب عدم تجاوبي معك يا أخي الكريم فهو أنك فضلت
أن تنحر الحب على مذبح المادة، ثم جئتنا شاكيا تقول:
أهلي السبب! نعم، ذبحت طفل الحب البريء من أجل عجوز
المادة الشمطاء! وأكثر من هذا، لقد طعنت في الصميم
خطيبتك التي أحبتك ومنحتك من عواطفها الكثير، فكيف
تريد أن يكون جوابي لك؟! كيف أعطي من قلبي من طعن
بخنجره قلب الآخرين؟! اعذرني أيها الأخ العزيز فأنا
بشر، ولي قلب، وأشعر بشعور غيري، أما أنت فقد تخليت عن
قلبك يوم تخليت عن خطيبتك من أجل حفنة من الدراهم،
فكيف أشعر بشعورك بعد أن فقدت قلبك؟! لو أنك وازنت بين
الحب والمادة لعذرتك، ولكنك لم توازن، بل رجَّحت كفة
المصلحة، وضغطت بيديك على تلك الكفة فكان لا بد أن
يخسر الحب في مقابل المادة، فإذا بك أنت الخاسر في
النهاية!!
المشاركة التي جاءتني
كانت لفتاة قد تعرضت لنفس الصدمة من
خطيبها، فقالت وزادت فيك، ومما قالته إنك لست سعيدا مع
زوجتك، فلم يكن مني إلا أن دافعت عنك وقلت لها: لكنه
لم يشتك من زوجته، معتمدة على ما جاء في رسالتك
الأولى، وأرجو أن ترجع لها إذا كنت قد نسيت ما كتبت،
فقد قلت: "إن زوجتي تقوم بواجبها على أكمل وجه"، أما
هنا يا عزيزي فها أنت تشكو من زوجتك، فهل ترى زوجتك
تغيرت خلال هذين الشهرين من حال إلى حال؟! أم أنك فعلا
كما خمنتُ لم تكن صادقا مع نفسك؛ وبالتالي لم تستطع أن
تكون صادقا معنا؟! هل عرفت السبب الذي منعني من
التجاوب معك وإعطائك أفضل ما في نفسي كما أعطي
الآخرين؟
على كل حال لست – بإذن الله - ممن ينتصرون لذواتهم،
لكنني كتبت كي أنتصر للحب والعاطفة في هذا العصر
المادي، وكي أبين لك أن من يعرف ماذا يريد فقد استراح
وأراح، وأنت هنا ما زلت لا تعرف ما تريد، وتريدنا أن
نختار لك، فاعلم يا أخي العزيز أننا لا نستطيع
الاختيار لأحد، فكل أدرى بظروفه ومقدرته على التحمل؛
ومع ذلك فأقول لك: إن الحب أساس يقوم عليه البيت
السعيد، وليس من الضرورة أن يكون حبا جارفا، بل يكفي
أن يكون بين الزوجين شيء من المودة والتقدير، فهل تراك
تعجز أن تجد شيئا في زوجتك يرضيك، كما قال عليه الصلاة
والسلام: "لا يفرك مؤمن مؤمنة إذا كره منها خلقا رضي
منها آخر"؟ وكما قال الخليفة عمر – رضي الله عنه - لمن
أراد أن يطلق زوجته لأنه لا يحبها: "ألم تبن البيوت
إلا على الحب؟ فأين الرعاية وأين التذمم؟". لكنني أؤكد
أن كلام سيدنا عمر يختلف من شخص لآخر، فقد يكون الحب
أساسيا إلى درجة لا يمكن الاستغناء عنه، وقد يرضى
البعض بالأقل، بينما لا يجد البعض الآخر بديلا عن
الطموح للوصول إلى أقصى درجات السعادة بوجود الحب،
فهنا يا أخي الكريم، يجب أن تقف وقفة صادقة مع نفسك،
وتحاول أن تنظر إلى زوجتك بعين المودة بالبحث عن
صفاتها الإيجابية، والغض عما تكره من صفاتها السلبية،
فإذا وجدت نفسك قادرا على هذا فاعمل به، وإذا ازدادت
الأمور سوءا, فعليك بنصحها بالرفق والكلام الحسن كي
تقبل منك، إذ ربما تكون طريقتك غير مستساغة بالنسبة
لها فترفض رأيك، وإن كنت أخشى أن عزة نفسها وكرامتها
هذه ناجمة عن غنى عائلتها، لأن أهلك الكرام ربما
فضلوها على خطيبتك كي لا يطمع بهم أحد، فطمعوا هم في
أهل زوجتك، ولذلك لا تقبل زوجتك منك، إذ إن من بديهيات
الحياة الزوجية أن تقبل المرأة من زوجها إلا إذا كانت
تشعر أنها أفضل منه، فهل هذه الصفة موجودة في زوجتك؟!
ليس أمامك إلا التفاهم مع زوجتك بالحسنى، فإن لم يحدث
أي تحسن في علاقتكما، فحكم من أهلك وحكم من أهلها كما
جاء في القرآن، لعلهما يدخلان الصلح بينكما، فإن لم
يُجْدِ تدخل الحكماء من الطرفين، فلا أستطيع مع ذلك أن
أنصحك بالطلاق وهناك طفلة بينكما – إذ إن الطلاق أبغض
الحلال إلى الله، ولا أحب أن أنصح به الرجل، وقد أباح
له الله الزواج من أخرى- ولكن قد يمكنني أن أنصحك كما
نصحتك من قبل بالسؤال عن حال خطيبتك، وإن كانت لم تخطب
فهل ترضى بالعودة إليك؟ إذا كانت موافقة فيمكنك أن
تتزوجها، ولكن ماذا أنت فاعل بقانون الأحوال الشخصية
المتعنت في بلدك، الذي يمنع من زواج الرجل بأخرى إلا
بعد موافقة الأولى؟!
لعل في لجوئك إلى الله سبحانه خلاصا لك من أزمتك،
فاقترب منه سبحانه، واطلب منه بذلٍّ وضراعة أن يغفر لك
ذنبك، وأن يهدي قلبك، وأن يفرج كربك، لعله سبحانه أن
يكون عونا لك فيهديك إلى ما فيه خيرك وخير زوجتك
وطفلتك وخطيبتك، ولعلك تتعلم من تجربتك الأولى أن
القيم المادية ليست بأهم أبداً من القيم الروحية، بل
على العكس تماما، فالمال يزول ويفنى أما ما يبقى فهو
الإخلاص والتفاني، والسلام عليكم. |