الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (زوجية) ارضي مين فيهم - (مشاركة)

 
27/8/2002
 
 
 
 
 

هذا تعليق على مشكلة : أرضي مين فيهم.....

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. جزاكم الله خيرا عن كل من هو في ضائقة أو مشكلة وتحاولون مساعدته.
أنا فتاة جامعية من متابعي المشاكل والردود بـ"إسلام أون لاين.نت"، أثرت فيّ مشكلة القارئ المصري، ليس تعاطفا معه.. العكس هو الصحيح؛ فأنا حدث معي مثلما فعل هذا الشاب مع خطيبته الأولى.. كنت مخطوبة لشاب لمدة 9 أشهر، وقبل موعد الزفاف بشهر واحد حدثت مشاكل بسبب والدته -يعلم الله أنى أقول الحقيقة-، وقبل هذه المشاكل كنا في وفاق تام، لكن والدته طلبت منه أن يتركني ففعل إرضاء لها، وبالفعل خطبت له والدته سريعا كي تجعله ينساني وتتغير حالة الحزن التي كان عليها.
بالله عليكم كيف لي أن أفكر في هذا الشخص ثانية؟ وعفوا كيف لي أن أعتبره أو أعده ضمن الرجال؟ ألم يفكر هذا ولا ذاك في الظلم الواقع على الفتاة؟ ألم يفكر كيف أنها ستحتسب خطبة فاشلة عليها؟ ألم يخف من الله في المنزل الذي دخله طيلة 9 أشهر؟ فكيف بالله عليكم يمكن أن يكون عدم ارتباطي أو ارتباط هذه الفتاة حتى الآن إلا انتظار الفارس المغوار الذي تركها؟
نعم يتقدم لي خطّاب وأرفضهم لكن لأسباب تعود إلى النصيب.. هل تعلم يا إنسان أنك حتى لو لم تكن قد تزوجت وحاولت أن تعود إليها فسترفض العودة لمن يظلم ولا يبالي دعوة المظلوم؟ هل تعرف أن أيضا من كان معي يعترف أني كنت أعامل ربي فيه وفى والدته، لكن المشكلة في رضاها الذي كان موجودا أولا ثم غيّره غيرة الأم عندما ترى تعلق ابنها الشديد بمن سواها؟
إنك لا تعلم أيضا أن شعورك هذا نحو خطيبتك السابقة لهو انتقام الله.. إني شخصيا عندما ظلمني دعوت الله أن يرزقه بمن لا ترضيه أبدا وتعامل أمه بالسوء؛ هذا لأني كنت أفعل العكس لكنه لم يقدر نعمة ربه ولم يشكرها.. وأستغفر الله إن كنت قد غاليت في دعوتي عليه، لكنه الظلم البيّن الذي أدعو الله ألا يتذوقه أحد.
وأخيرا فلندع الله: اللهم إني أعوذ بك أن أَظلِم أو أُظلَم، أو أَضِل أو أُضَل أو أَذل أو أُذَل، وحسبي الله ونعم الوكيل.

 
 
 

 
 
 
   

نشكر لك مشاركتك أيتها الأخت الكريمة، ونشعر بالأسف لما حدث معك، ونُقدِّر صعوبة الأمر عليك بأن يتم فسخ الخطبة بعد تسعة شهور وهي حياة طويلة يتعلق بها المرء بقطة يعتني بها.. فكيف بإنسان من لحم ودم؟ وقد ورد في الحديث: "وفاء العهد من الإيمان"؛ لذلك كنا نتمنى لو وفى ذلك الشاب بعهده معك، ولكننا نتذكر أنه عليه الصلاة والسلام قال: "لا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا.. فإن لو تفتح عمل الشيطان"، وقوله عليه الصلاة والسلام: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" .
وأؤكد هنا على ما بينته في ردي وهو أنني أتعجب لتصرف كهذا من شاب يخضع لحجج أهله الواهية دون أن ينتصر لقلبه ولكرامة من أحبها، وكما ظهر من الرد أنني لم أكن متجاوبة معه كثيرا؛ لأنني أرى من الظلم الفادح أن يسحق الحب تحت أقدام المادة، وإن كنت لا أنكر أهمية المال في الحياة الزوجية، فكما يقول المثل الإنجليزي: "إذا دخل الفقر من الباب هرب الحب من الشباك"، لكن حجة أهله غير واردة بالنسبة لشاب أن تكون خطيبته طامعة في ماله بينما يمكن أن يخاف الأهل على ابنتهم إذا كان الخطيب طامعًا في مالها على أساس أن الرجل هو الأقوى في المجتمع، ومع ذلك فليس هذا حجة لأهلها.. بل عليهم أن يبحثوا عن دينه وأمانته وخلقه، أما في المشكلة الأصلية فقد انقلبت الموازين فيها نوعا ما.
لي بعض الملاحظات على مشاركتك، أرجو أن يتسع صدرك لها، ولعل فيها فائدة لك إن شاء الله:
أولا: رسالتك تحمل شيئًا من القسوة، وما ذاك إلا بسبب التجربة القاسية التي مررت بها، ولكننا نقول دائما بأن التجارب هي خير ما يستفيد منه المرء لحياته المستقبلية، شرط ألا يجعل هذه التجارب سجنًا يعيش فيه أو كابوسًا يعكر عليه صفو أيامه المقبلة، فكما تقول الحكمة: "أنا جُرحت لكنني لم أُذبَح، سأستريح قليلا وأعود للقتال ثانية"؛ فالحياة كلها عقيدة وكفاح، ولو لم يكن فيها بعض الجراح لما شعرنا بنعمة الشفاء، ولولا الآلام لما عرفنا معنى اللذة، ولولا الشر لما تميز الخير، وكما قال الشاعر: "وبضدها تتمايز الأشياء".
ثانيا: أجد من الواجب علي أن أصارحك أن مشكلتك تؤثر عليك بشكل واضح، وهذا ليس
في صالحك من أجل خياراتك في المستقبل؛ فأنت تقمصت شخصية خطيبة ذلك الشاب؛
لدرجة أنك حكمت أنها سترفض العودة إليه بسبب الظلم الذي وقع عليها، بينما إذا كنا أكثر واقعية فيمكننا أن نعترف أنه ليس كل الأشخاص يتصرفون بنفس الأسلوب في المواقف المتماثلة، وسأعطيك أمثلة رأيتها في الحياة قريبة لمشكلتك أو مشكلة خطيبة ذلك الشاب، وكانت النتيجة هي أن الفتاة تعود إلى خطيبها رغم ما بدر منه مع اختلاف الدوافع والأسباب.
فهناك فتاة لا تجد فيما حدث أي جرح لكرامتها؛ لأنها بالأساس ضعيفة الشخصية وليس للكرامة كبير قيمة لديها؛ فترجع إلى خطيبها أو حبيبها أو زوجها بمجرد أن يعتذر وكأن شيئا لم يكن، بينما فتاة أخرى قد تعود إليه من منطلق المصلحة كما يقول المثل: "عصفور في اليد خير من عشرة على الشجر" فهي همها الزواج سواء تزوج غيرها أم لم يتزوج، ومن تعرفه أفضل من الذي ستتعرف عليه.
وفتاة ثالثة ربما ترجع إلى خطيبها بدافع الحب؛ ولذلك ترفض الخاطبين الآخرين؛ فتكون أكثر قدرة على التسامح؛ لأن الحب يفعل المعجزات؛ فتقدر الظروف التي وقع تحت تأثيرها، وتعود إليه مغنية "ما أحلى الرجوع إليه".
ثالثا: موضوع أن ما يحصل معه هو انتقام للخطيبة السابقة، فاسمحي لي ألا أوافقك هنا أيضا؛ لأن الحياة الدنيا ليست مجالا لأن يحاسبنا الله فيها على أفعالنا إنما الحساب متروك لليوم الآخر، وما قاله عليه الصلاة والسلام في الحديث: "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة" يُقصَد به أخطاؤه مع ربه سبحانه وتعالى وليس أخطاؤه مع الآخرين؛ إذ ما الفائدة التي تعود عليّ إذا ابُتلي من أخطأ معي في صحته مثلا؟ أخطاء الشخص مع غيره لا يغفرها الله حتى يغفرها الشخص نفسه، وعندما يغفر له من الجزاء ما لا يعلم علمه إلا الله. وكفى بهذا الحديث سحرا: "رجلان من أمتي يجثوان يوم القيامة بين يدي رب العزة. يقول أحدهما للآخر: أي رب، خُذْ لي مظلمتي من هذا. فيقول له الله سبحانه وتعالى للظالم: أعط أخاك حقه. فيقول: يا رب لقد نَفَدَت حسناتي. يقول الله سبحانه وتعالى للمتظلم: ماذا تفعل بأخيك وقد نفدت حسناته؟ يقول: يا رب! فليتحمل عني من أوزاري -وهنا فاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدمع، وقال: إنه ليوم عظيم. ذاك اليوم الذي يحتاج فيه الناس إلى أن يُحَطَّ عنهم من أوزارهم - يقول الله عز وجل للمتظلم: انظر إلى الأعلى، ماذا تجد؟ فيُرِيه الله سبحانه وتعالى من مظاهر الجنة ما يأخذ بالألباب. فيقول: أيْ رب، لمن هذه القصور، ولمن هذه المُتَع؟ لأي نبي ولأي صِدِّيق؟ فيقول الله عز وجل: لمن يدفع الثمن. يقول المتظلم: ومَنْ ذا الذي يملك الثمن؟ يقول الله: أنت. يقول: كيف يا رب؟ يقول: بعفوك عن أخيك. يقول المتظلم: فقد عفوتُ عنه يا رب. يقول الله عز وجل: خُذ بيد أخيك وأدخله الجنة".
ثم إن السائل ذكر أن زوجته جيدة معه، ولكن ما يؤلمه هو وخز ضميره تجاه خطيبته السابقة؛ لذلك عرضت عليه إن لم يستطع نسيانها أن يستجيب لنداء ضميره وينظر في وضعها دون أن تشعر به، ويرى إذا كانت ترفض الخاطبين لأجله أم لا، لكن بينت له المحاذير التي قد تنجم عن زواجه الثاني.
رابعا: أرجو أن تتخلصي من شعورك بأن الذي وقع فيه ظلم كبير لك؛ لأننا ما دمنا مؤمنين بالقضاء والقدر فيجب علينا أن نعلم أن تصرفات البشر حتى لو كانت أخطاء معنا لا تخرج عن هذا القدر؛ لأنه سبحانه لا يحدث في كونه إلا ما سبق في علمه وقدره كيف يكون؛ لذلك كان الرضا بالقدر فيه شفاء كبير للنفس المؤمنة. طبعا يجب أن نميز بين ما يجب أن نرضى به "ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس" وما في استطاعتنا تغييره وعدم الاستسلام له "اللهم امنحني القدرة والقوة لأغير ما تستطيع تغييره يدي".
وكنتيجة لشعورك بالظلم لم تستطيعي نسيان الإساءة.. بل بالغت في الدعاء بأن ينتقم الله منه، وهذا يتنافى مع الحب إذا كنت قد أحببته؛ لأن القلب المحب يجب ألا يعرف الكره وإنما يسامح، فقد انتهى الأمر ولا داعي للذكرى ما دامت تنكأ جروح القلب.
ثم ما الفائدة التي ترجع عليك إذا كانت زوجة خطيبك السابق سيئة أو عاملت والدته معاملة رديئة؟ ليس كلامك هذا ناجمًا إلا عن رغبة في التشفي والانتقام، وهذا ما أنصحك بأن تتجاوزيه؛ لأنه يتناقض مع القلب السليم الذي لا ينظر الله إلا إليه وهو القلب السليم من الحقد والحسد وغير ذلك من الآفات، ومن الأدعية الواردة في القرآن {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}.
أرجو أن تعلمي أن التسامح يحررنا من آلام الماضي، ويحمل لنا الشفاء النهائي، أما القرار بعدم التسامح فهو قرار باستمرار المعاناة، ونحن إما الفائزون أو الخاسرون في النهاية.. مع تمنياتي بأن يعوضك الله خيرا مما أخذ منك، وأن نسمع أخبارك الطيبة، والسلام عليك.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |