الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (زوجية) الماء والنار: أنا وزوجتي.. نسب ونصلي

 
13/7/2002
 
 
 
 
 

بسم الله الرحمن الرحيم، إخواني في الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، منذ أكثر من سنة ونصف تزوجت من فتاة كما يقولون عن طريق الحب، والحق يقال بأننا نحب بعضنا البعض كثيرا، لكننا لنا قوميتان مختلفان؛ فأنا لست عربيا.
مشكلتي هي أن زوجتي عصبية جدا، وفي أقل مشكلة تقوم بطلب الطلاق، وفي الفترة الأخيرة كثرت المشاكل بيننا وذهبت إلى بيت أهلها؛ فأبوها متوفى ولها أخوان يتيمان، وهي متعلقة بهما كثيرا، أما والدتها فلها أفكار غريبة جدا، وزوجتي تعتبر نفسها مسؤولة عنهم. فوالله أنا أحبهم كثيرا، وأنا أعرف الله وأصلي، وقد حاولت مرارا أن أفهم زوجتي بأن تقلل من ارتباطها بهم حفاظا على علاقتنا، وبالعكس من ذلك تريدني أن تكون علاقتي بأهلي محدودة؛ فهي تقول بأنها لا تحبهم.
وقد قمت بزيارة والدتي وعندما عدت قامت بسبي ووالدتي وإخواني، وهذا ما جعلني أتركها عند بيت أهلها، وفي اليوم الثاني اكتشفت بأنها كانت حاملا وسقط الجنين منها فأعدتها إلى البيت، وقلت لها تبدأ حياة جديدة فوافقت، ولكن لم يدم الموضوع يوما واحدا وطلبت الطلاق مرة أخرى وأهانتني.
هي الآن في بيت أهلها، تكلمت معها وقالت بأنها أخطأت، وأنها آسفة، قلت لها ابقي في بيت أهلك وفكري قليلا.. فماذا أفعل؟ علما بأن زوجتي تصلي وتعرف الله.

 
 
 

 
 
 
   

يسعدنا أن نكون إخوة لك في الله، وإذا كانت الأخوة في الله تستلزم من جانبنا الصراحة والنصيحة، فهي تستدعي من طرفك الصدق معنا وتقبل نصيحتنا.
ولذلك أبدأ بقولي الصريح: يوجد تناقض بين مشكلتك وبياناتك، إذ لا أستطيع أن أتخيل أنكم تعيشون في مجتمع غربي، ومع ذلك تحافظون على أسوأ العادات الشرقية! لكن بما أنه من الممكن أن يجر المغترب وراءه تقاليده وعقده ووجهات نظره المسبقة عن الآخرين فسأتجاوز عن هذه النقطة، وإن كنت أتساءل: كيف لم يؤثر بكما أنت وزوجتك المجتمع الغربي الذي طالما نقدنا ثقافته في حب المتعة، وقيمه في إعلاء المادة؟
لكن كي نكون منصفين يجب أن نعترف بأن لديه قيما جيدة، ومنها أنه إذا تم الزواج عن حب فعندها يلغي الحب كل الفروق الأخرى مادية ومعنوية، وربما اختلف الزوجان فكرا فيحتفظ كل منهما بأفكاره دون أن يجبر شريكه على الاقتناع بها، ودون أن تكون سببا للخلاف بينهما، ناهيك عن أنه أحيانا يتم الزواج بين شخصين من عائلتين مختلفتين ماديا واجتماعيا وقوميا، لكن الزوجين يتجاوزان كل هذه الفوارق وينتصران لحبهما في النهاية، وما ذاك إلا لطبيعة المرونة والقدرة على التأقلم والتكيف التي يتحلى بها أغلب الشعب الغربي بشكل عام، وهو ما نفتقده نحن في مجتمعاتنا الإسلامية عربية وغير عربية، وليس السبب أننا مسلمون بالطبع، فديننا دين الحكمة والمرونة، لكنه عائد للأنماط الخاطئة في نظام الحكم – كما في نظام الأسر – التي تعتمد على فرض الرأي بالإكراه والإجبار؛ ولذلك اعتدنا جميعا - إلا من رحم ربي - على عدم تقبل النقد وعدم تقبل الرأي المخالف لنا، ومن شب على شيء شاب عليه.
نأتي إلى رسالتك حيث تقول بأنك تزوجت زوجتك عن حب، فلماذا عصفت رياح القوميات والخلافات بسفينة حبكما، ولمّا يمض عليها إلا وقت قليل في الإبحار؟ وإذا كانت هذه البداية والسفينة ما زالت قرب الساحل، فكيف ستثبت في وجه الأعاصير عندما تصبح في لجة البحر؟
وإذا عجز الحب أن يلغي فروق القوميات فلماذا عجز إسلامكما عن ذلك، مع أن دين الإسلام هو الذي يلغي كل الفروق، وقد أعلنها عليه الصلاة والسلام واضحة يوم فتح مكة عندما وقف على باب الكعبة فقال: يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم وآدم من تراب، وتلا قوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"؟!
تقول عن زوجتك إنها عصبية جدا فهل كان هذا العيب موجودا فيها قبل الزواج، ولكنك لم تره لأنك نظرت إليها بعين الحب، وعين الحب عمياء وأذنه صماء، كما قال المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى: "حبك الشيء يعمي ويصم"؟ أم يا ترى هذا العيب ظهر بعد الزواج كرد فعل على تصرفاتك أنت؟
يجب أن أصارحك يا أخي العزيز أننا أمام أكثر المشاكل التي يكتب لنا فيها السائل شاكيا من طرف آخر؛ نجد أنفسنا عاجزين عن الإنصاف؛ إذ لم نسمع الشخص الآخر، فليس من يسمع بأذن واحدة كمن يستعمل أذنيه.. فهل من الممكن أن تكتب لنا زوجتك مثلا؟!
قد يكتب السائل أحيانا بشكل موضوعي أكثر منه بشكل ذاتي، فهنا يمكننا التجاوب والنصح التام؛ لذلك تعال لنقلب بعض العبارات الواردة في رسالتك لنرى مدى موضوعيتها: تقول إن أبا زوجتك متوفى ولها أخوان يتيمان، وهي متعلقة كثيرا بهما وبعائلتها وأنت تحبهم كثيرا، ثم تقول بأنك طلبت منها أن تقلل من ارتباطها بهم حفاظا على علاقتكما.. فهل هذا كلام موضوعي، أم أن إحدى الجملتين تناقض الأخرى؟!
كيف يكون أخواها يتيمين وأنت تحبهما ثم تطلب منها أن يكون السبيل للحفاظ على علاقتكما أن تقلل من ارتباطها بهما، فلماذا لم تبحث عن علة أخرى للحفاظ على علاقتكما غير تخفيف اهتمامها بهذين اليتيمين؟
ثم كيف أنت تصلي وتعرف الله وتطلب طلبا كهذا؟ أليس من المفترض فيمن يعرف الله أن يتخلق بأخلاق الله؟ ما هي الصفة من بين صفات الله تعالى التي نرددها في صلواتنا يوميا سبع عشرة مرة على الأقل مع قراءة الفاتحة وعلينا أن نتذكرها قبل بدئنا بطعامنا وشرابنا وأي عمل آخر؟ أليست هي الرحمن الرحيم؟ ألم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: "الراحمون يرحمهم الله، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"؟
هل كل من يصلي يعرف الله؟ الجواب مع الأسف الشديد: لا؛ لأن الصلاة إذا كانت مجرد حركات فهي لا تصل العبد بربه، وبالتالي فإن هذا العبد لا يعرف الله؛ فصلاته في واد وسلوكه في واد آخر.. وهذا ليس عيبا فيك وحدك يا أخي بل هو عيب في زوجتك أيضا، فكيف تقول عنها بأنها تعرف الله ثم هي تسبّ والدتك وأهلك؟ وهو ليس عيبا فيكما وحدكما للأسف، بل هو عيب فينا جميعا نحن المسلمين عندما تنفصم عرى شخصياتنا نتيجة الفصل بين العبادة ومعاملة الله من جهة، وبين الأخلاق ومعاملة الناس من جهة أخرى.
لذلك عندما أقول إننا نعاني من ازدواجات الشخصية فهذا أبسط مثال عليه؛ لأنه موجود بنسبة لا بأس بها بيننا. إذا لم تؤد العبادات دورها في تزكية النفس وتطهيرها من شوائبها، ولم ينعكس ذلك بشكل إيجابي على تصرفات المسلم مع الناس جميعا فعباداته كلها ليست إلا جسدا بلا روح، وهذا ما بيّنه الرسول عليه الصلاة والسلام في حديثه عن المرأة التي كانت تقوم الليل وتصوم النهار وتؤذي جيرانها، فقال: "هي في النار". وعندما أمرنا الله سبحانه بالتقوى لتكون خير زاد لنا في رحلة الحياة في تعاملنا معه عز وجل وفي تعاملنا مع عباده لخص ذلك عليه الصلاة والسلام بكلمتين خالدتين: "الدين المعاملة".
حل مشكلتك إذن يا أخي العزيز مع زوجتك أن تبدأ بتغيير طريقة تفكيرك وذلك بتصحيح مفهومك عن الصلاة أو العبادة بشكل عام وارتباطها بمعرفة الله سبحانه؛ إذ أنك لن تصل إلى هذه المعرفة إلا عندما تشعر بمراقبة الله لك في كل أقوالك وأفعالك، وتدرك بأنه سبحانه كما قال عن نفسه: "يعلم السر وأخفى"؛ فتطهر قلبك وتنقيه من الشوائب ليكون عرشا من عروش الله عز وجل الذي قال في الحديث القدسي: "ما وسعتني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن".
ثم عندما تبدل من نفسك وتصلح قلبك يمكنك أن تحاول إصلاح زوجتك، وهنا ينبغي أن تفهم أمرين اثنين :
أولهما: من المفترض أن تكون أخلاق الرجل أفضل من أخلاق زوجته، وأن تساعده سعة عقله على استيعاب نقص عقلها؛ لأن المرأة مفطورة على العاطفة، وهو ما يجعلها تميل إلى التسرع والانفعال أكثر من الرجل؛ ولذلك لم يجعل الله سبحانه الطلاق في يد المرأة وإلا لطلقت بعض النساء أزواجهن كل يوم!! وما أعده الله للرجال من نعيم وتمتع بالحور العين لم يعد به النساء، فكيف للرجل أن يخلص لهذا إذا لم يكن يستحقه وذلك بصبره على زوجته وحلمه عليها؟
تذكر قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" فإذا كانت زوجتك تحرقك بنار طبعها العصبي، فلماذا لا تكون أنت بطبعك الهادئ كالماء الذي يطفئ تلك النار؟ وإذا كانت تقصر في حقك بسبب اهتمامها بأهلها فلك الأجر عند الله إذا شجعتها على بر والدتها والإحسان إلى أخويها، وتأكد أن التسامح في الحياة الزوجية أمر مطلوب دائما، وأسعد الزيجات تلك التي تبنى على أساس من التسامح.
ثانيهما: إذا كانت زوجتك فعلا تطلب الطلاق عند كل مشكلة، فهنا يتحتم عليك أن توقفها عند حدها؛ لأن الزواج والطلاق ليس مهزلة، وفي الحديث: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الزواج والطلاق والرجعة"؛ فاطلب منها وبهدوء أن تغير من أسلوب احتجاجها، وأفهمها أن عليها أن تتجنب الاقتراب من حبل الزواج المقدس بإهاناتها الجارحة عندما تطلب الطلاق؛ لأن هذا الحبل قد ينقطع ذات يوم وتكون الطامة على رأسها!
إذا لم تستطع أن تغير من نفسك وتبدل شيئا من طباع زوجتك، وبقيتما على هذه الحال، ففي رأيي أن الطلاق - رغم أنه أبغض الحلال إلى الله - قد يكون خيرا لكما فقد قال الله تعالى: "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته" فأن تفترقا الآن قبل أن تنجبا أفضل من أن يكون ضحية الرعونة وسوء التصرف طفل لا ذنب له.
أرجو أن تتابعنا بما يستجدّ معك؛ لأنني أخشى أن أكون قد أسأت فهمك بسبب نقص قدرتك على التعبير باللغة العربية، فاعتبرنا إخوة لك، ويسعدنا دائما أن نسمع منك.. والله معك.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |