الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (زوجية) زوجة طبيب النساء: الغيرة والثقة بالنفس

 
 
 
 
 
 
 

بسم الله، قرأت مشكلة الأخ المعنونة : ملتزمة وتعمل.. يحبها ويغار:زوجته طبيبة ، أنا أيضا زوجي طبيب نساء وأحس بالغيرة ولا أعرف كيف أتخلص منها، مع العلم أنه يحبني ونعيش في سعادة من جميع النواحي والتزامه مقبول وأنا كذلك، وأنا أضع الحجاب، ولكن أقول إنه بشر، ولا أتحمل أن ينظر لأخرى حتى للعلاج .
ولا أدري لماذا أحس أن هذا الأمر مثلبة واضحة فيه؟ أرجو أن تأخذوا الأمر على محمل الجد فأنا بصراحة في أحيان كثيرة أحس بضيق شديد لا يعلمه إلا الله.

 
 
 

 
 
 
   

أحببت اختصاص النساء والولادة وأنا ما زلت طالبة في كلية الطب.. كنت أشعر بمتعة كبيرة وأنا أقوم بتوليد امرأة وتخليصها من آلامها، وأحس بسعادة غامرة وأنا أسبق الجميع لأحتوي بين يدي مخلوقا طريا غضا وأخشع في محراب قدرة الله سبحانه التي تتجلى في الخلق والإبداع المتجددين.. لكنني كثيرا ما كنت أتساءل: لماذا يختص الرجال هذا الاختصاص "الحريمي"؟ المرأة من طبيعتها الحياء فكيف تكشف مكانا حساسا في جسدها أمام رجل غريب؟ وكيف يقبل الطبيب الملتزم على اختصاص كهذا ؟ .
قُدِّر لي فيما بعد أن تعرفت على طبيب زميل لي في العمل يكبرني سنا، ورغم أنه كان متدينا وذا أخلاق فاضلة كانت شخصيته إلى النساء أقرب، وكأنه خلق لهذا الاختصاص من حيث قدرته على مسايرة النساء ومحادثتهن والخوض في أدق تفاصيل حياتهن؛ فتجرأت ذات يوم وسألته عن السبب الذي دعاه لأن يتخصص في هذا الفرع المحرج له وللنساء على السواء، فأجابني جوابا ما يزال يرن في أذني كلما وجدتني أقوم بتوليد امرأة حامل: في جميع التخصصات الطبية يلجأ إليك المريض لتخلصيه من مرضه، والمرض مصيبة؛ لذلك فالطبيب الذي يختص بتلك التخصصات ينطبق عليه المثل: مصائب قوم عند قوم فوائد، أما في تخصص التوليد فهم يلجئون إليك لتحملي إليهم نعمة طال انتظارهم لها، وبذلك تنالين أجرك منهم حلالا زلالا.
في كلامه شيء من الصحة وإن كنت لا أوافقه الرأي تماما؛ لأن المصيبة إذا قدرها الله سبحانه فلا أحد يستطيع ردها- وما أكثرها في مجال التوليد- وما يفعله الطبيب بتقديم الدواء ما هو إلا سبب من الأسباب للشفاء، فإن شاء الله سبحانه سلب هذا السبب تأثيره فلن يستطيع الطبيب أن يحول دون ذلك؛ فكلنا ضعفاء - مرضى وأطباء - أمام قوة الله المعجزة.
ما أردته من مقدمتي هذه يا أختي العزيزة أن أقول لك ينبغي أن تقدري زوجك للمهمة الإنسانية التي يضطلع بها والتي يحبها بالتأكيد لا لأنه يتعامل مع النساء بقدر ما هو يشعر بتخفيف الألم عنهن، كما يتوجب عليك أن تكوني عونا له على أدائها بأحسن وجه. وبما أنك تقولين بأن التزامه مقبول وأنه يحبك وتعيشين معه في سعادة، فبالله عليك ماذا تريدين أكثر من ذلك؟ إحساسك أن في الأمر مثلبة واضحة – على حد تعبيرك – هو إحساس خاطئ، والسؤال الذي أوجهه إليك ولم يرد جوابه في رسالتك: هل تزوجته ولم تكوني تعرفين أنه مختص بهذا الاختصاص؟ أي هل خدعك وأخفى عليك اختصاصه أو رغبته بهذا الاختصاص إذا لم يكن قد بدا به قبل زواجكما؟ إذا كان ثمة خداع في الأمر فهنا تكمن المشكلة لأن ما بني على باطل فهو باطل، أما وأنت لم تذكري شيئا من هذا فأغلب الظن أنك كنت تعلمين بذلك. فلماذا تريدين أن تستبدلي بسعادتك الحقيقية تعاسة وهمية؟ وعلى فرض أنه طبيب بأي اختصاص آخر فهو مضطر أن يتعامل مع النساء؛ إذ لم أر في حياتي طبيبا يكتب على لافتته إخصائي باطنة للرجال فقط، ولا أظنه أمرا ممكنا لأن الطبيب مهمته إنسانية بالدرجة الأولى فهو لا ينظر إلى مريضه على أنه ذكر أو أنثى بقدر ما يفهم أنه أمام إنسان ضعيف يحتاج مساعدته وخبرته. وكثيرا ما تكون مهمة الطبيب علاج المريض معنويا أو نفسيا قبل أن يعالجه جسديا وفيزيائيا، وذلك يقتضي أن يكون الطبيب لطيفا مع مرضاه باشا في وجوههم يحسن استقبالهم كي يريحهم نفسيا فيستطيع أن ينطلق بعد ذلك في أسئلته وكشفه في جو من المودة.
وهذه العلاقة بين الطبيب والمريض قد تصبح حميمية لدرجة يتحول معها صدر الطبيب إلى مستودع أسرار المريض فيما ليس له علاقة أساسا بمرضه من قريب أو بعيد؛ إذ تتكون لدى المريض قناعة أن هذا الطبيب هو فعلا ملاك الرحمة الذي أرسله الله ليخلصه من آلامه وليزيل معاناته.
ولا بد أنك تعرفين أن جزءا لا يستهان به من الأمراض الجسدية منشؤها أساسا نفسي وهو ما يسمى بالأمراض النفسية الجسدية. طبعا نحن هنا لسنا في مجال النقاش لماذا لا يكشف الأطباء على الرجال بينما تقوم الطبيبات بالكشف على النساء، فهذا تنظير تترفع صفحتنا عنه؛ لأننا ندرك بحق الواقع الذي تعيشه مجتمعاتنا، ولن نستطيع تغيير هذا الواقع بمفردنا ولا من خلال الكتابة فقط ولا عن طريق النزول إلى المجتمع وطرح الحلول السليمة لكل مشاكل مجتمعاتنا مرة واحدة؛ لأن الأمر أعقد من هذا بكثير، وما دام هناك انفصال بين الفكر والثقافة من جهة وبين السلوك والأخلاق من جهة أخرى، فالمشاكل لها بداية وليس لها نهاية، وما زال بيننا كثير ممن يطرحون أفكارهم النيرة لكن هم أنفسهم ليسوا قادرين على تحويلها إلى واقع معيش في حياتهم، ولكن دعونا نحلم ثم نقول: لعلها بداية الحقيقة التي تنشأ أول ما تنشأ بالأحلام.
أعتقد أنني أعطيت موضوع الغيرة حقه الكافي في ردي على مشكلة : نار وسط الجليد.. حواء العربية في الغربة فأرجو أن تعودي له؛ لأن المشكلة مشابهة لمشكلتك، وكذلك لردود الإخوة المستشارين في هذا الموضوع، وما أؤكد عليه هنا أن علم النفس يرجع الغيرة إلى حب التملك المطلق فتستولي على نفس الشخص الشكاك وتنشب أظافرها فيه دون هوادة، وبقدر ما يكون الحب تملكا بقدر ما تكون الغيرة أشد عذابا وإيلاما؛ لذلك قلت إن الحب يجب أن يأخذ طابع الرفقة بعد الزواج، وإلا فإن الحياة الزوجية تستحيل جحيما لا يطاق. وما أقصده هنا أن يستخرج التملك الذي هو أسوأ ما في الحب حتى يمكن تحول هذا الحب إلى صداقة، وإذا كان الحب أحلى وأجمل فإن الصداقة أبقى وأطول.
قد تحتاجين وقتا لتفهمي أمور الحياة بشكل أفضل، ولا أستطيع أن أنصحك أن تصارحي زوجك بمخاوفك لأنها في الأغلب لا تستمد وجودها من الواقع بقدر ما هي تعتمد على تخيلات وأوهام وافتراضات، فإما أن تكوني قادرة على التغلب على هواجسك وكنسها بعيدا عن حياتك وإلا فأنت بحاجة إلى طبيب نفسي لمعالجة غيرتك المرضية التي تبلورت منذ زمن بعيد وببطء شديد في أغوار نفسك وأعماق اللاشعور، وقد بينت أن الغيرة تعود إلى زمن الطفولة حيث كان الطفل يعقد مقارنات بين نفسه وأطفال آخرين دون أن تكون نتائج هذه المقارنات في صالحة، وهي تتبدى الآن بهذا الضيق الذي تشعرين به لمجرد تفكيرك في عمل زوجك بين النساء الأخريات ولدرجة لا تحتملين معها نظره إلى أخرى حتى لو للعلاج.
ولأني أفضل أن أساعدك أكثر لندع موضوع الطبيب النفسي ليكون كالكي الذي هو آخر الدواء. أنت تقولين عن زوجك أنه بشر، ولذلك تظنين أنه يمكن أن يخطئ مع أي واحدة أو يفكر أن يتزوجها، فتعالي لنرى ما هي أسباب تفكير الرجل بأخرى غير زوجته؟ أرجو أن تعلمي أن حب التنويع فطرة في النفس البشرية، ولذلك خلق الله لنا هذا الكم الهائل من التنوع في الكون من أزهار وأشجار وفصول سنوية وأطعمة وأشربة… إلخ.
لكن هل يوجد حب التنويع في الأمور الجنسية كما في غيرها؟ والجواب ربما فطرة الرجال أكثر من المرأة هنا لأن المرأة في الحقيقة هي التي تتميز بقدرتها على الإثارة وليس الرجل، وهذه العبارة الأخيرة حقيقية رغم أنف دعاة النسوية والإباحية والذين يقولون إن المرأة كالرجل في الجنس لأن الغنج والدلال صفات أنثوية وهي الصفات التي تجذب الرجل إلى الأنثى، إذن خيانة الرجل لزوجته أو انجذابه إلى غيرها أكثر بكثير من خيانة المرأة لزوجها أو انجذابها لغيره، ولاحظي أني لا أتكلم على الصفات القيمية أو الفكرية أو الشخصية إنما كلامي في موضوع الجنس فحسب، وعن الرجل الطبيعي والمرأة الطبيعية فقط وليس عمن شوهت فطرتهما بأفكار إباحية أو شاذة.
والسؤال المطروح ما الذي يهذب هذه الفطرة عند الرجل؟ هو التزامه سواء كان التزاما بمبدأ أو التزاما بعاطفة، أي أن الرجل الملتزم دينيا يستطيع أن لا ينجذب إلى أخرى جنسيا لأنها ليست ملكه، ويعرف أن الله يحاسبه على النظرة المحرمة فكيف بالأمور الأكثر حرمة؟ لكن شرعنا الحنيف أحل للرجل تعدد الزوجات لحكم كثيرة معروفة فوائدها على صعيد المجتمع ولا مجال لمناقشتها هنا، وكذلك على مستوى الفرد حيث يلاحظ فعلا أن بعض الرجال يحتاجون أكثر من امرأة وهم ما يسمونه بالرجال الشبقين.
مع ذلك فقد أثبت التحليل النفسي أن هؤلاء أنفسهم- أي الشبقين- في الحقيقة يعانون بصورة لا واعية من افتقار إلى تحقيق مطامح ودوافع أخرى، فما هي هذه الدوافع؟ هي بواعث كثيرة منها التحدي والثأر لكرامة مهدورة وإغراء العلاقات المحظورة وفتنة الانحلال وغيرها، لكن الأهم منها كلها هو في الحقيقة باعث واحد وهو الرغبة في أن تكون مرغوبا.
وهنا أعود بك إلى مفهوم الالتزام بعاطفة فالرجل البدائي هو الذي يسعد مع أي فاتنة عزيزة عندما تكون الفاتنة العزيزة الأخرى غائبة! أما في طور أعلى فإن بلوغ الإشباع يكون أعلى بكثير، ويمكن للرجل المتحضر أن يشعر أنه مشبع جنسيا ومع ذلك تبقى لديه رغبة وحنين للعاطفة التي لا يمكن تسكينها بالإرضاء الجسدي لأنها لا تسكن إلا مع الحبيبة الراغبة والمرغوبة، ورغم أن كلامي هنا لا يخرج عن إطار علم النفس، لكنني أعتقد أنه لا يخرج أيضا عن هذه الآية القرآنية العظيمة: "ومن آياته أن جعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة".
إذن فالرجل إذا لم يهذب هذه الفطرة بالتزام ديني يبقى في بحث دائم عمن تشبع هذه الفطرة فيه، والمرأة الذكية –سواء كان زوجها ملتزما أو لا- هي التي تكون متنوعة لزوجها بالشكل الذي يكفيه ويرضيه، كما أن افتقار الرجل إلى الإشباع هو ما يسوقه عادة إلى التفكير في غيرها، وليس المقصود هو الإشباع الجنسي؛ لأن الحافز الجنسي يمكن إرضاؤه بسهولة، ولكنه الإشباع العاطفي الذي لا يجده الرجل في زوجته إلا عندما تشعره أنها راغبة به كما هو راغب بها، وليس في هذا أي عيب أو حرام، بل هو الفطرة التي فطر عليه كل جنس برغبته في الجنس الآخر.
وفي ضوء كلامي السابق إضافة لما أوردته عن زوجك يا عزيزتي من أنه ملتزم أولا ويحبك ثانيا تجدين أن هذا كله يتنافى مع تأهبه لخيانتك أو لتفكيره بأخرى. لا يفوتني أن أنصحك بمصارحة زوجك أن يعطيك من وقته أكثر إذا كان عمله يشغله عنك، فكما قلت في ردي على المشكلة التي هيجت دواعي الأسى فيك وهي زوجته طبيبة إن أكثر بيوت الطبيبات عرضة للتفكك هي بيوت إخصائيات النساء والولادة، فكذلك هو ما يحصل مع الذكور من نفس الاختصاص إذا لم ينتبهوا للموازنة بين سعادتهم الزوجية وتخصصهم الذي قد يأخذ جل أوقاتهم.
كذلك أنصحك أن تعززي من تقييمك لنفسك بشكل أفضل على الصعيد الخاص والعام، فعلى المستوى الخاص لا يعني أنك تضعين حجابا على رأسك أنك تبقين محجبة أمام زوجك، بل عليك أن تمارسي كل فنون حواء وقدراتها ليبقى آدم لها، بحيث تشبعه حبا وعاطفة وتوقده جنسا ورغبة، وإذا كان تعبير الرجل عن حبه جنسيا في المقام الأول فهو لا يستطيع أن يعبر عنه إذا كان متحضرا إلا إذا كانت شريكته تملأ لبه وقلبه.
وأما على الصعيد الاجتماعي فلا بد أن تملئي فراغك بما يشغلك وينفعك ويزيد من ثقتك بنفسك، وأنت كما توضح بياناتك معك شهادة عالية.. فهل أنت تعملين أم تجلسين طوال الوقت في البيت تفكرين في زوجك ومريضاته؟ وإذا كنت لا تعملين فما المانع أن تشغلي نفسك بأمور فيها فائدتك أو فائدة مجتمعك, وما أكثرها إذا فكرت بها.
كلمة أخيرة أهمسها في أذنك وفي أذن كل من تحرقه أو تحرقها نار الغيرة لأؤكد على وجوب تعزيز الثقة بالنفس كحل نهائي: إن الغيرة تنشأ من الشك اللاواعي للمرء في ذاته وفي قيمته الخاصة، وإن الحب في معظم الأحيان لا يقدر لوحده أن يتغلب على إحساس المرء الخفي بدونيته؛ فالغيرة لا تنشأ من الظروف الخارجية، وإنما تتوقف على الافتقار إلى الثقة بالنفس وتقدير الذات، وهذا ما عبر عنه منذ بضعة قرون أحد الحكماء عندما قال: إن في الغيرة حبا للذات أكثر مما فيها من حب.
أخيرا أرجو أن تكون إجابتي مرضية لك بحيث تشعرك أنني أخذت مشكلتك على محمل الجد كما طلبت، ولكن هل لي أن أطمع بمتابعة منك لأعلم مدى جدوى أخذي مشكلتك بشكل جدي، أي هل تأخذين إجابتي أنت على محمل الجد أيضا فتحاولي فهم ما فيها وتنفيذ شيء منها ثم تعلمينني بما تم معك؟ وهل لك أن تتكرمي في المرة القادمة فتضيفي عنوانك الإلكتروني لأنه من أهم ما يوصلنا بالسائل الذي نحترمه ونحبه ونقدره؟ فهل لك أن تشعريني أنك تحملين لنا جزءا مما نحمله لك؛ إذ ربما عدم كتابتك لبريدك كان سببا في تأخير وصول رسالتك إليّ؟ والسلام عليك.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |