الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (زوجية) نار وسط الجليد: حواء العربية في الغربة

 
30/5/2002
 
 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد أشكركم على إجابتكم على رسالتي ، التي أخبرتكم فيها أنني سيدة متزوجة ، عندىثلاثةاطفال ، زوجى ولله الحمد انسان جيد يهتم بالبيت والاولاد. ومشكلتىتتعلق بعمل زوجى ، الذىبدأه منذ اسابيع قليلة، ومن المحتمل ان يبقى فيه مدة أطول وخصوصا بعدما طال انتظاره لعمل جيد ومربح ... وقد أخبرتكم بأن ما يقلقنى من هذا العمل هو الخلوة بالشابات ، وقد أجبتم علي – جزاكم الله خيراً – بضرورة مصارحة زوجي بمخاوفي من عمله هذا ، مع حثه علي البحث عن عمل بديل .
تحدثت أنا وزوجي في الموضوع، وبعد الكلام عرفت أن زوجي لا يمكن أن يترك العمل في هذا الوقت؛ لأنه لو تركه سيبقى في البيت. وقال لي: إنه يأخذ الاحتياطات اللازمة.
والسؤال الآن هو أن زوجي حين يتحدث معي فإني أصدقه، ولكن لا تكاد تمر الأيام حتى تبدأ الوساوس والخيالات تلاحقني، خصوصا عندما قالت لي إحدى قريباتي: إن الرجال لا يمكن أن تثقي فيهم حتى ولو كانوا يصلون فوق الماء، فهل هذه المقولة صحيحة؟
زوجي ليس من نوع الرجال الذين يحبون العلاقات النسائية، وكان قبل هذا العمل لا يغادر البيت إلا لضرورة فقط، ولم تكن له علاقات حتى قبل الزواج.
ويقول لي كيف أنه استطاع أن يحافظ على نفسه في سن المراهقة ولا يحفظها الآن؟ ويقول لي لا تخافي ولا تحزني فأنا أحرص على نفسي أكثر مما تحرصين علي، وأنا إذا كنت أريد المرأة فموجودة عندي في البيت، لماذا سأذهب إلى غيرها؟
ولكن رغم هذا الكلام فإنني قلقة جدا. أريدكم أن تساعدوني كيف أستطيع أن أحافظ على زوجي؟ وهل المرأة إذا كانت تتزين لزوجها وتدعوه إلى الفراش سيحفظه هذا من أن يقع في شيء؟ وهل المرأة التي تغار على زوجها ويكتشف هو الغيرة، وتبدأ تنظر في عينيه كلما دخل البيت، وتسأله ماذا فعلت اليوم؟ وأين كنت؟ ربما سيجعله يفكر بشيء حتى ولو لم يكن في باله؟
أرجوكم ساعدوني وقدموا لي بعض النصائح. وأشكركم شكرا جزيلا. هل من الأحسن ألا تظهر المرأة غيرتها أمام زوجها؟ ما هي العواقب إذا كانت المرأة تقول لزوجها أنا لا أثق بك؟ هل أصدق زوجي وكل ما يقوله لي، وأرتاح أو أضغط عليه ليترك العمل؟ وأقول له النار والحطب لا يجتمعان، ماذا سأفعل؟ سأحكي لكم بعض الظروف المحيطة بهذا العمل نحن نعيش في هولندا، وهذا البلد يستقبل باستمرار الأجانب من المهاجرين غير الشرعيين، وتتكلف الدولة بكل مستلزماتهم، من شقق لهم والمنحة... إلخ، وزوجي مسؤول عن شقتين من تلك الشقق: شقة فيها شباب، أما الشقة الأخرى ففيها 3 فتيات بين سن 15 و 18 عاما.
زوجي مُكلَّف أن يعطي لهن المنحة أسبوعيا، وأن يبقى معهن بعض الساعات في الشقة ليعرف هل يعرفن الطبخ أم لا؟ وهل عندهن مشاكل؟ وهل يعتنين بنظافة البيت؟ إلى غير ذلك. وأيضا النصائح حول المسألة الجنسية لكي لا يحملن؛ لأن واحدة منهن تعرضت للإجهاض ثلاث مرات، بالرغم من صغر سنها.
أنا أنتظر نصائحكم، وأشكركم شكرا جزيلا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأعتذر عن الأسلوب والتعبير.

 
 
 

 
 
 
   

إذا كانت قريبتك تقول لك : لا يمكن أن تثقي في الرجال حتى ولو كانوا يصلون على الماء ، فربما زوجها يقول لزوجك: إياك أن تثق بالنساء حتى ولو كن ذوات أجنحة كالملائكة ويطرن في الهواء ! فما رأيك يا أختي العزيزة أن يكون لدى زوجك نفس وساوسك وسوء ظنك وغيرتك؟ هل إذا كنت لا تعملين خارج البيت فأنت لا تخرجين أبدا؟ أم هل لو كنت حبيسة المنزل فلن تجدي وسيلة لخيانة زوجك إذا وسوست لك نفسك بذلك؟ فلماذا يعاملك زوجك بكل هذا التفاهم والاحتواء والحب، وتعاملينه أنت بكل هذا القدر من سوء الظن، والغيرة، وعدم الثقة؟
هل إذا أراد الرجل خيانة زوجته في هولندا أو غيرها من بلاد الغرب فلن يفعل ذلك إلا في مكان عمله ومصدر رزقه ؟ أم أن باب الخطيئة مفتوح على مصراعيه لمن يريد وفي أي مكان إلا في العمل؟ لماذا لا تصابين بالهلع والخوف من كل نساء هولندا إذن، وليس من هؤلاء الفتيات فقط ؟!
هل يعقل هذا التفكير يا عزيزتي؟ أيصل بك الحد من سوء الظن وخطل الرأي لدرجة أنك ناقشته في تركه هذا العمل، ومع ذلك أجابك بكل صدق وصراحة أنه إذا تركه فلن يجد عملا آخر، ثم أكد لك وبكل وضوح أنه لو أراد أن يرتكب الفاحشة لارتكبها وهو شاب غرير، ومع ذلك كله فما زلت تتركين المجال لوساوسك وخيالاتك الخاطئة بأنه سيفعلها الآن وهو متزوج محصن؟!
أليس سهلا الوصول إلى الفاحشة في موطنك الأصلي كما هو في هولندا مع فارق بسيط هو أن المرأة الغربية تطلب الجنس بفعل الرغبة، أما المرأة في بلدك وغيره من البلاد العربية فكثيرا ما تأتيه بحكم الحاجة؟ طبعا أرجو ألا تُفهم عبارتي الأخيرة بأنها تبرير لعمل المرأة في الزنا المأجور، فكما يقول المثل العربي "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها"، لكنه نقد لمجتمعاتنا المسماة إسلامية، مع أنه ليس فيها من الإسلام إلا ظاهره أما جوهره وأخلاقه فأصبحت نسيا منسيا إلا عند من رحم ربك! .
ألم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"؟ فأين حسن الظن الذي يجب أن يكون الهادي في علاقة المسلمين ببعضهم البعض، خاصة الزوجين؟ ألم يقل الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} (الحجرات: آية 12)؟
تقولين لزوجك: إن النار والحطب لا يجتمعان، وهذا كلام جميل وصحيح عندما تكونين في مجتمع محافظ إسلامي، وليس في مجتمع غربي إباحي، فما تعتبرينه أنت حطبا ونارا، لا ينظر إليه الغربيون كذلك، وإلا لما انتشر السحاق واللواط بهذا الشكل بينهم تحت اسم الحرية الجنسية، خاصة في هولندا، وهي - على ما أظن - البلد الذي يحوي أعلى نسبة شذوذ في العالم، وهو يعترف بزواجهم، ويجعله رسميا تترتب عليه الحقوق والواجبات!!
لو كنت في بلد إسلامي لأيَّدتك في أن زوجك يجب أن يترك هذا العمل فورا ليبحث عن عمل آخر بعيدا عن الاختلاط بالنساء كي لا يكون عرضة للفتنة، ولكن إذا كان المجتمع كله من حولكما يمور بالفتنة ويزخر بالشهوة، فأين سيجد العمل الذي تحلمين به؟
بالطبع أتفهم حساسيتك من عمل زوجك، وأنه مضطر لأن يفاتح الفتيات في أمور مُخجِلة أو منافية للدين والأخلاق، لكن ألم تكوني تعرفين عندما قَدِمت إلى هذا البلد أن ما نراه نحن عيبا أو حراما يرونه هم عاديا أو طبيعيا؟ ألم تكوني تتوقعين أنك ستقدمين على مجتمع انعدمت فيه ثقافة الحياء والعفة بعد أن حلت محلها ثقافة الجنس والمتعة؟ هم يتناقشون في موضوع الجنس كما نتناقش نحن في موضوع الخبز، ولا تسرهم النكتة إلا إذا حملت في طياتها معنى جنسيا، والإعلانات لمن يريد امرأة للجنس أو حتى امرأتين في نفس الوقت متاحة في التلفاز، وفي الصحف، وعلى الإنترنت، والمحلات التي تبيع أدوات الجنس موجودة كأي محل يبيع أدوات الرياضة أو الغطس أو غيرهما، فإما أن تقبلي بالمجتمع من حولك كما هو، أو أن تتركيه عملا بالمبدأ الأمريكي:
love it or leave it .
أسئلتك كلها جوابها بما يلي: إن مفتاح السعادة الزوجية هو- على الأغلب- في يد المرأة قبل أن يكون في يد الرجل، فهي التي تستطيع أن تحول بيتها إلى ظلال جنة تحيا فيها آمنة مطمئنة مع حبيبها، وهي كذلك تستطيع أن تقلب حياتها إلى لظى جهنم تبدأ بإحراقها هي أولا بنار الغيرة والشكوك، ثم يمتد لهيبها إلى زوجها، فأي الحالتين برأيك هي المقصودة في قول الله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(الروم: 21)؟
يا أختي العزيزة، ليس أحلى على قلب الزوج المتعب جسده المنهكة أعصابه من أن يعود إلى بيته فيرى فيه امرأة قد هيأت له كل أسباب الراحة، وكأن كل شيء في انتظاره من الطعام الجاهز إلى البيت النظيف إلى الفراش المنظم، ولا تكمل سعادته إلا بكلمات زوجته المتحببة إليه ووجهها المتجمل المبتسم له، عندها يزول عنه التعب، وينسى كل هم، ويتحرر من إرهاق العمل، فلماذا لا تجعلين بيتك جنتك وتكونين فيه الحورية الوحيدة لزوجك؟ لماذا تريدين أن تقابليه بعاصفة من المشاكل المخترَعة وتؤذيه بسيل من الوساوس التافهة؟
إليك هذه الأبيات من الشعر التي عبر عنها أحد الأزواج يبين فيها لزوجته كيف تحتفظ بحبه وتكسب إخلاصه:
خذي العفو مني تستديمي مودتـي *** ولا تنطقي في سَوْرتي حين أغضب
ولا تكثري الشكوى فتذهبَ بالهوى***فيأبـاك قلبي،والقلـــوبُ تقلبُ
فإني رأيت الحبَ في القلب والأذى***إذااجتمعالم يلبث الحب يذهــب
فهلا حولت بيتك إلى واحة يستظل بها زوجك معك، بدل أن تجعليه آتوناً يحرقه وإياك؟ هلا أشعرته أنك تثقين به عوضا عن هذه الشكوك التي قد تحيل بيتك إلى حلبة صراع دائم؟ هلا ابتعدت عن هذه التصرفات الطفولية التي لا بد أنها تؤذي مشاعر زوجك؟ إنه وإن كان يحيطك بالحب الآن فقد يفقد صبره ذات يوم، ولا يجد حلا للخلاص من جحيم غيرتك إلا بفصم عرى العلاقة الزوجية، فهل ترغبين بنهاية كهذه؟
ما يقوم به زوجك من توجيه الفتيات في أمور حياتهن الجنسية هو على ما يبدو من واجبات عمله، والغربيون يرون في ذلك ضرورة تفرضها مصلحة مجتمعاتهم، وإذا قصر زوجك فيه فقد يعاقب أو يطرد من عمله، وأنا لا أستطيع أن أفتيك في كون عمله هذا حلالا أم لا رغم ضرورته له, ويمكنك التوجه إلى صفحة الفتوى في موقع إسلام أنلاين للسؤال، وبيني لهم أنه إذا تركه فسيبقى عاطلا عن العمل.

أما ما أستطيع أن أنصحك به فهو أن تُلغي الوساوس من رأسك، إذ أستطيع أن أفرق بسهولة بين غيرتك على دينه وحرصك على إيمانه، وبين غيرتك عليه من هواء هولندا وليس من نسائها فقط. وهذه الغيرة الأخيرة إن دلت على شيء فهي إنما تدل على عدم ثقتك بنفسك قبل أن تكون عدم ثقة بزوجك، فما السبب؟
قد يُقال إن الغيرة هي دليل الحب، ولكنني متأكدة أن الحب بعد الزواج يأخذ طابع الرفقة أكثر، فإذا استمرت الغيرة بعده وبشكل مبالغ فيه كما في حالتك فهي ليست إلا حالة مرضية تستحق الدراسة؛ لأنها تنشأ من انعدام الأمن الداخلي، وهي سبب عودة عدم الثقة بالنفس بعد أن حاز الشخص على الأمن عبر الحب.
ولا أجده مناسبا هنا لأستفيض في شرح الغيرة من الناحية النفسية، لكنها وباختصار ارتداد أو نكوص لمرحلة الطفولة عندما كان الطفل يقارن نفسه مع أطفال آخرين، ولم تكن النتيجة لصالحه؛ ولذلك يعود للمقارنة عندما يكبر مع غريم متخيل أو واقعي أي أن من هو كثير الشك يبحث عن آخر ليغار منه، وإذا لم يجد غريما خلق واحدا في أوهامه، سواء من خلال التفسير السيئ للوقائع أو من خلال قوة التحريف التي تتمتع بها مخيلته.
وبما أنك من بلد "عطيل" بطل مسرحية شكسبير، فأرى من باب التسلية والعبرة أن ألخص قصته لك ولكل من تحرقهم نار الغيرة, فقد وقع عطيل في حب ديدمونة، وكسَب قلبها عندما حقق انتصارات باهرة لحكومة البندقية (فينيسيا)، ورغم سنه المتقدمة، وأصله الوضيع، ولونه الأسود فقد فضلته على كثير من اللوردات ذوي الجاذبية، ومع ذلك كان يهجس بشبهات مفادها أن زوجته الجميلة قد لا تكون مخلِصة له، وكان يراقبها باستمرار ويفسر كل نظرة توجهها إلى شاب وكل جملة في حديثها على ضوء أفكار غيرته الخافتة، وكانت شكوكه حقا شكوكه بنفسه فقد كان يخشى أن قدراته الذهنية والجسدية تضمحل: "لأنني أسود وتعوزني نواعم الماجنين في التصرف والحديث، أو لأنني هبطت في وادي السنين"، "لا أستطيع منافسة الملايين ممن هم أكثر مني فتوة وأشد جاذبية"، وتحت غيرته كان يجري تيار عميق من عدم الثقة بالنفس في عروقه، فانتهت التراجيديا بأن قتل محبوبته، ثم أخذ ينوح فوق جثمانها.
إذن يا أختي العزيزة، إذا لم تكوني قادرة على التخلص من غيرتك ووساوسك بعد كل ما كتبته لك فربما لن تتخلصي منها حتى لو جلس زوجك إلى جانبك بدون عمل، وهنا أنت بحاجة إلى طبيب نفسي يستطيع مساعدتك أكثر مما تتيحه هذه الصفحة؛ فاتخذي لنا العذر، وادعي لنا الله بالأجر، ولعلك توافيننا بما يستجد معك، وقد ننصحك أخيرا بأن تبدئي خطة لتدعيم ثقتك بنفسك، فمن خلال بياناتك يتضح توقفك عن التعليم قبل الدخول إلى الجامعة، ولا يستقيم هذا إن كنت تودين التأقلم والعيش الفاعل المتفاعل مع بيئتك الجديدة في الغربة، فأديري شئون بيتك بالطريقة التي تتيح أمامك الارتقاء في دراستك وفي ثقافتك، ومعرفتك بالعالم الجديد الذي تعيشين فيه لتلعبي فيه دور الفاعل، ليس مجرد دور المفعول به السلبي الخائف من كل شيء، وبهذا تستردين ثقتك بنفسك، وتحتفظين أكثر بزوجك دون شكوك أو وساوس أو تحديق في عينيه!

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |