|
سامحك الله يا أخي، كيف فهمت أنني أفسر حديث المصطفى -عليه الصلاة والسلام- بغية
إرضاء الغاضبات ؟! ألم تقرأ كلامي كله وبالأخص عندما علقت من خبرتي الشخصية على
موضوع القوامة وأن المرأة لا تصلح لها؛ مما يغضب الكثيرين والكثيرات، وأقصد دعاة
تحرير المرأة على الطريقة الغربية وأصحاب الأفكار النسوية والإباحية؟ لا يا أخي
العزيز، لست -والحمد لله- من الذين يتبعون الهوى، ولم أكن لأبيع ديني بعرض من
الدنيا.. ولم أكن لأشتري رضا الناس جميعا بسخط الله ورسوله!!
تفسير الحديث : "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن"
سمعته من عالمين فاضلين من علمائنا المشهود لهم بالعلم والفقه والمعرفة: الأول هو
الدكتور "يوسف القرضاوي" الذي أفاض في معنى هذا الحديث في حوار معه ببرنامجه
"الشريعة والحياة" على قناة الجزيرة وقد اعترض عليه البعض بنفس طريقتك في الاعتراض.
وأما العالم الآخر فهو الدكتور "محمد سعيد رمضان البوطي" في برنامجه (دراسات
قرآنية) على التلفزيون السوري، وقد تم طبع أحاديثه هذه في كتابه (المرأة بين طغيان
النظام الغربي ولطائف التشريع الرباني)، الذي استشهدت بشيء منه في إجابتي السابقة،
وسأحاول هنا أن ألخص لك ما ورد في هذا الكتاب من تفسير لهذا الحديث:
"إن من أوضح ما يدل عليه سياق الحديث أنه -صلى الله عليه وسلم- وجه إلى النساء
كلامه هذا على وجه المباسطة التي يعرفها ويمارسها كل منا في المناسبات، ولا أدل على
ذلك من أنه جعل الحديث عن نقصان عقولهن توطئة وتمهيدا لما يناقض ذلك من القدرة التي
أوتينها، وهي خلب عقول الرجال والذهاب بلب الأشداء من أولي العزيمة والكلمة النافذة
منهم؛ فهو كما يقول أحدنا لصاحبه: "قصير، ويتأتى منك كل هذا الذي يعجز عنه
الآخرون!!"
إذن فالحديث لا يركز على قصد انتقاد المرأة بمقدار ما يركز على التعجب من قوة
سلطانها على الرجال.
ولنتساءل بعد هذا: أصحيح ما يقوله رسول الله بقطع النظر عما يركز عليه الحديث،
وبقطع النظر عما يدل عليه السياق؟
كلنا يعلم من مبادئ علم النفس وعلم النفس التربوي أن المرأة أقوى عاطفة من الرجل
وأضعف تفكيرا منه، وأن الرجل أقوى تفكيرا من المرأة وأضعف عاطفة منها، وكلنا يعلم
أن هذا التقابل التكاملي بينهما هو سر سعادة كل منهما بالآخر.
لو كانت المرأة كالرجل في الصبر على القضايا الفكرية المعمقة، والفقر العاطفي وتثلم
المشاعر والوجدان؛ إذن لشقي بها الرجل، وتبرم بالحياة معها، ووجد سعادته في
الابتعاد عنها.
ولو كان الرجل كالمرأة في رقتها العاطفية وتأثراتها الوجدانية، وضعفها الفكري؛ إذن
لشقيت به المرأة ولما رأت فيه الحماية التي تنشدها والرعاية التي تبحث عنها، ولما
صبرت على العيش معه بحال.
إذن فهي حكمة ربانية لا بد منها لكي يعثر كل من الرجل والمرأة في الشخص الآخر على
ما يتمم نقصه، ومن ثم يجد فيه ما يشده إليه، والحصيلة تنطق بالمساواة الدقيقة
بينهما.
وقد تشذ هذه السنة الربانية؛ فتجد رجالا يتصفون بالعاطفة المشبوبة والمشاعر الرقيقة
والضجر من القضايا الفكرية العويصة؛ فيعد ذلك عند العلماء شذوذا في الرجال.
وقد ترى مظهر هذا الشذوذ في النساء؛ فتبصر فتاة لا يسعدها إلا معالجة القضايا
الفلسفية والبحث في المسائل الفكرية المعقدة، وتجدها في الوقت ذاته راقدة العواطف
هامدة الوجدان؛ فلا يرى العلماء ذلك فيها إلا شذوذا مخالفا للقاعدة والأصل.
ثم إنك إذا تأملت في كلام رسول الله -عليه الصلاة والسلام- لرأيته يربط بين أمرين
في شخص المرأة وحياتها، تقوم بينهما جدلية هي في الحقيقة مصدر سعادة المرأة ومصدر
سعادة الرجل.
فهو يصفها بضعف التفكير، ثم يصفها في الوقت ذاته بالسيطرة على الرجل والقدرة على
التحكم به؛ فما هو الشرح التحليلي لذلك؟
إن المرأة تبحث دائما في الرجل عن شريك جنسي لها، وعن حماية ورعاية لها في كنفه،
وهذا يقتضي أن تكون أضعف منه. وهو ذاته الشرط الذي لا بد منه ليجعلها تهيمن عليه..
إنها ليست معادلة صعبة أن تفهم أن سلاح المرأة إنما يكمن في ضعفها، وأن سلطانها على
الرجل إنما يكمن في احتمائها به واحتياجها إليه.. هذا الاحتياج يتمثل في أن يكون
أقوى منها بدنيا وأقدر منها فكريا". انتهى كلام الدكتور البوطي.
لكن أرجو ألا يُفهم من كلامه أن كل النساء أضعف عقلا من كل الرجال؛ أي أن نأخذ عينة
عشوائية من النساء والرجال، ثم نقول: هذا الرجل أقوى عقلا من تلك المرأة. فكلام
الدكتور البوطي يشمل حالة المرأة والرجل ضمن الأسرة وليس على نطاق المجتمع؛ إذ ما
الداعي لأن تجذب المرأة بضعفها رجلا غير زوجها؟ وما أعرفه أنا أن المرأة الفاضلة هي
التي لا تُظهر ضعفها الأنثوي إلا أمام زوجها.
وتجربتي الشخصية تملي علي ألا أقبل بهذا التعميم، وقد كنت المعلمة الخاصة لإخوتي
الذكور حتى مَن هم أكبر مني سنا، ولا أزال أذكر بكاء أخي وهو في الصف الرابع
الابتدائي لعدم قدرته على حل مسائل في الرياضيات، وكنت أصغره بسنتين -أي في الصف
الثاني- فساعدته في حلها جميعا، إضافة إلى أنني كنت المتفوقة الأولى -بفضل الله-
على نصف مليون ذكر وأنثى تقريبا في بلدي في إحدى الشهادات العامة، ومثلي كثيرات ممن
تفوقن في كثير من المجالات على كثير من الذكور؛ فلا يُعقل بعد هذا أن أسلم بتفوق
الرجل المطلق على المرأة عقليا وفكريا.
كما لا يصح أن نقول: إن المرأة ناقصة عقل ودين، وندع أعداء الدين يصطادون في الماء
العكر، ويتطاولون على الإسلام، ويقولون: إنه قد انتقص من كرامة المرأة وإنسانيتها
دون أن نفهم معنى الحديث ونواجههم به، وإن نقص عقل المرأة عن عقل الرجل بسبب غلبة
عاطفتها على عاطفته، وهذا ليس عيبا في المرأة بقدر ما هو ميزة من مزاياها، كما أن
هذا النقص لا يمكن أن يعمم في المجتمع ولدينا في التاريخ والقرآن الكريم والسيرة
النبوية وحياة الصحابة والتابعين ...
الأمثلة الكثيرة التي تدل على أن المرأة مثلها كالرجل سواء بسواء، وأقتطف بعضا منها
فيما يلي:
1- أكبر مثال في القرآن الكريم على تفوق المرأة ملكةُ سبأ التي كانت أكثر حكمة من
رجال بلاطها عندما شاورتهم في أمر النبي سليمان -عليه السلام- إذ {قَالُوا نَحْنُ
أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا
تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا
وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي
مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ}
(النمل/ 31-35).
2- كذلك في القرآن في ختام سورة التحريم عندما ضرب الله المثل للذين كفروا بزوجة
النبي نوح والنبي لوط -عليهما السلام-، وضرب المثل للذين آمنوا بزوجة فرعون
وبالسيدة مريم؛ فاستشهاد القرآن الكريم بالنساء لا يدل إلا على أن المرأة قد تكون
مثالا قويا على الكفر والضلال كما أنها قد تكون مثالا قويا على الإيمان والهداية؛
فهي كالرجل تماما إذا لم تكن ذات دور أكبر في المجتمع؛ لأنها هي التي تربي الطفل
ليصبح رجلا إما فاضلا وإما فاسقا، خاصة في سنواته الأولى التي يكون الطفل فيها
بحاجة إلى أمه أكثر من حاجته لأي شخص آخر، وفي هذه السنوات تتكون مفاتيح شخصيته
التي تحمل معاني رجولته فيما بعد.
3- ذكرت في ردي السابق الكثير من الآيات التي تدل على أن الرجل والمرأة متساويان في
التكليف وحمل الأمانة، ووسيلة التكليف هي العقل، فإذا كانت المرأة أقل عقلا من
الرجل بشكل مطلق فلماذا تتساوى معه في العقاب والثواب؟ وكفى بهذه الآية العظيمة
دليلا على المساواة الكاملة:{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ
وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ
وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ
وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ والصَّائِمِينَ
والصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ
كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}
(الأحزاب/35).
4- في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام أمثلة عن استشارته لبعض نسائه والعمل
برأيهن؛ فقد صح أنه دخل يوم صلح الحديبية على أم سلمة يشكو إليها أنه أمر أصحابه
بنحر هديهم وحلق رؤوسهم فلم يفعلوا، فأشارت عليه بأن يحلق ويذبح الهدي ليقتدي به
المسلمون ففعل ما أشارت به عليه.
5- اشتراك المرأة في المهن والصناعات التي لم تكن حكرا على الرجل في عصور الإسلام
الزاهية؛ فقد ورد أن امرأة من الأنصار كان لها غلام نجار عملت المنبر لرسول الله
عليه الصلاة والسلام، كما أن زينب زوجة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما سألت
الرسول عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله إني امرأة ذات صنعة أبيع منها وليس
لي ولا لزوجي ولا لولدي شيء، وسألته عن النفقة عليهم فقال: "لك في ذلك أجر ما أنفقت
عليهم".
6- كذلك اشتراكها في الحروب كنسيبة المازنية التي دافعت عن الرسول عليه الصلاة
والسلام يوم أحد، وأم سليم التي وقفت في معركة حنين ومعها خنجر لتبعج به أحد
المشركين إذا دنا منها، ورفيدة الأسلمية التي كانت خيمتها أول مشفى متنقل في
الإسلام، وأم عطية وغيرهن، ولا ننسى أن أول شهيد في الإسلام كان امرأة وهي "سمية"
أم عمار بن ياسر -رضي الله عنهم- جميعا.
7- كان الصحابة رضوان الله عليهم يستفتون السيدة عائشة رضي الله عنها في كثير من
الأمور، وقد ردت بعض أحاديث الصحابة لضعفها، حتى قال أحدهم: ما أشكل علينا أمر
فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علما.
8- رواية المرأة للأحاديث قُبلت بلا خلاف بين العلماء إذا اتصفت بالعدالة والضبط،
وقد وردت أحاديث عن أمهات المؤمنين وعن أسماء بنت عميس وفاطمة بنت قيس وغيرهن -رضي
الله عنهن-.
9- عين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الشَّفَّاء في معاملات السوق في مهمة الحسبة،
وكان يستشير النساء، وقصته في تحديد المهور معروفة عندما ردت عليه امرأة، فقال
كلمته المشهورة: "أخطأ عمر وأصابت امرأة".
10- من فقهاء المسلمين مَن أجاز للمرأة مهمة القضاء المدني كأبي حنيفة، كما أجاز
ابن جرير الطبري إسناد وظيفة القضاء إلى المرأة مطلقا.
أفتريدني بعد هذه الأمثلة أن أرفع الراية البيضاء للمستهزئين بديننا، بل وأساعدهم
أن ينخروا في عقول نسائنا كما يشاءون؟ أم أن أشرح للنساء أن معنى هذا الحديث خاص
بحالة المرأة مع زوجها؛ إذ إن الرجل يناسبه أن تكون زوجته أقل منه ذكاء وأشد منه
عاطفة، بينما تعجب المرأة بزوجها عندما يكون أعمق منها تفكيرا وأهدأ عاطفة، وحتى
بين الزوجين يوجد شذوذ لهذه القاعدة؛ فقد يكون الرجل عاطفيا ولا توافقه بهذه الحالة
إلا المرأة العقلانية.
إذن فالحديث واضح ولا لبس فيه، لكن كما قلت في ردي السابق أن من يفهمه بشكل خاطئ
واحد من اثنين:
إما جاهل بتعاليم الإسلام متمسك بعادات بائدة، يريد أن يحجر على المرأة؛ لأنه يعتقد
أنها ناقصة عقل ودين؛ فتراه يقيدها بقيود ليست من الدين؛ فلا رأي لها ولا كلمة، بل
ويستشهد بقول: "شاوروهن وخالفوهن"!! على أنه قول لرسول الله عليه الصلاة والسلام،
والسنة النبوية تثبت العكس كما هو الحال مع أم سلمة.
أو مطيع للهوى تراه يتندر بهذا الحديث، ويعيب على الإسلام التفريق بين الرجل
والمرأة، بينما إذا واجهته بأفكار علم النفس عن طبيعة المرأة واختلافها عن طبيعة
الرجل طأطأ رأسه وألجم لسانه عن النقد.
وبما أن فرويد هو معبود الإباحيين والإباحيات - ولذلك لا أتبنى الكثير من أفكاره-
فأحب أن أستشهد بجملة له عن المرأة هي: "كل امرأة ليس فيها شيء من الهيستريا فهي
بقرة"، والمقصود بالهيستريا قلة العقل إلى حد الجنون. فما رأي دعاة النسوية
والإباحية في هذا القول، والمتكلم ليس الإسلام بل فرويد الذي يصغون إليه بكامل
التقديس والاحترام؟!
كلمة أخيرة يا أخي العزيز، لا يجوز أن نعمم أحكامنا على كل النساء، بل يجب أن نخفض
رؤوسنا إجلالا للمرأة التي أصبحت تتمزق بين عاطفتها كأم ودورها كزوجة، وبين مهمتها
في عملها خارج المنزل لتعين زوجها وتبني مستقبلا سعيدا لأطفالها، والله إنها ليست
مهمة سهلة أن تهز المرأة سرير طفلها بيد بينما تحمل في اليد الأخرى قلمها ككاتبة أو
سماعتها كطبيبة أو كراريس تلاميذها كمعلمة أو… أو…
وأعرف يا أخي أن بعض النساء كيدهن عظيم، وأن عقلهن قليل، وأنهن ثرثارات مهذارات،
ولكن هذا يوجد بين الرجال كما يوجد بين النساء، خاصة في هذا العصر الذي امتزجت فيه
الصفات الأنثوية مع الصفات الذكورية، إن لم يكن نتيجة الوراثة والتطبع؛ إذ كثيرا ما
ترث الفتاة صفات أبيها أو تتأثر به، كما يرث الفتى صفات أمه أو يتأثر بها؛ فهو
نتيجة التربية المختلطة منذ الصغر التي تجعل الصبي يتصف بصفات البنت أو العكس. إذن
تعميم الأحكام وإطلاقها على كل النساء أو على كل الرجال فيه إسفاف كبير وجهل كثير.
لا يفوتني بالطبع أن أشير إلى أن كلامك في نهاية مشاركتك ينبئ عن تجربة لعلها عميقة
الأثر في نفسك، فلا عليك أن تحدثنا بها في الرسالة القادمة إن كان هذا يخفف عنك، أو
إن وجدت فيه فائدة لنا وللقراء، وجزاك الله خيرا وأهلا بك دائما. |