|
مشكلتك الأولى تناقض مشكلتك الثانية, ففي سؤالك الأول تنزعجين من والد زوجك لأنه
يطلب من ابنه أن يبره, بينما في سؤالك الثاني تريدين أن تبري والدتك مع ترحيب زوجك
بذلك, فكيف يمكن التوفيق بين هذين السؤالين المتناقضين إلا إذا استنتجنا أنه يحق لك
أن تبري والدتك بينما لا يحق لزوجك أن يبر والده؟!
بالطبع أنت لا تقصدين هذا الاستنتاج, ولكن دعينا نحلل
شيئا من هاتين المشكلتين, ففي المشكلة الأولى مع والد
زوجك, من الواضح أنه رجل كبير يريد ابنه أن يهتم به
بطريقته التي يرغب هو بها, بينما مشكلتك الثانية تبدي
لنا أنك ترغبين ببر والدتك بالطريقة التي تريدينها,
ومن هنا نستطيع أن نستخلص أن لديك خطأين: الخطأ الأول
هو على صعيد الفكر والمشاعر والخطأ الثاني هو على صعيد
الطريقة والأسلوب.
فعلى الصعيد الأول - ودعينا نسميه الصعيد النظري - أنت
ترين أنك وولديك أحق بزوجك من أبيه, وخاصة أن والد
زوجك قد باع سيارته وخبأ ثمنها ليعتمد على ابنه, حسب
قولك, وأنت تعتقدين أن السبب هو حرصه على النقود, وقد
يكون كذلك حقا, لكن لماذا لا تضعين له عذرا أن نظره
ضعيف بعد هذا العمر, ويخشى أن يقود سيارة؟ وحتى لم يكن
له أي عذر, سيدتي, ألا يستحق هذا الأب بعد كل التضحية
التي قدمها لابنه أن ينال اهتماما ومساعدة منه حتى دون
أن يطلبها؟
تخيلي أنك تقدمين لأولادك الغالي والنفيس, وتضحين
بنفسك من أجلهم, ثم يكبرون ويذهبون في حال سبيلهم دون
أن يتذكروك إلا وقت مصلحتهم, فأسألك: ألا تلومين نفسك
على الوقت الذي ضيعته في تربيتهم؟ ولنغير السؤال قليلا
بحيث يصبح: ألا تعتقدين أنك تكونين ربيتهم على العقوق
بدل البر وأنك مسؤولة عن النتائج؟
أدرك عزيزتي أن بعض الآباء يعتقدون أنهم عندما ربوا
أبناءهم فإن هؤلاء الأبناء مدينون لهم بكل شيء, ومعلوم
عني أني لا أوافق على هذه القاعدة الأبوية, إذ طالما
تغنيت بما قاله جبران:(أولادنا ليسوا لنا.. أولادنا
أولاد الحياة), لكن سيدتي العزيزة ومع تقديري لتعبك
وموافقتي لحاجتك لزوجك, وحاجة طفليك كذلك, فإنك لا شك
توافقيني أن أولادنا يجب أن يتذكرونا عندما نصبح بحاجة
إليهم ويمنحوننا بعض الرعاية, وأذكرك بحديث الرسول
عليه الصلاة والسلام:((رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ
أَنْفُهُ. ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ» قِيلَ: مَنْ يَا
رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ
عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا،
ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّة)) صحيح مسلم.
إذاً بالنسبة لوالد زوجك فمن حقه أن يتدلل بعض الشيء
على ابنه, وقبولك بهذا الأمر فيه مصلحة لك, فعندما
ينشأ ولداك وهما يشاهدان والدهما يقدم العون لوالده
ويحتفي بتقديم خدمة له, فسيتعلمان منه كيف يبرانه
ويبرانك مستقبلا, وكما تدين تدان.
وكي تخرجي من معضلة حاجتك لزوجك وضرورة وجوده في حياتك
وطفليك يوم الجمعة, فأقترح أن ترافقوه بالسيارة إلى
والده ثم إلى المكان الذي يريده, وهكذا تخرجون جميعا
من البيت ويكون مشوار الطفلين مع جدهما فرصة لقربهما
منه, وتذكري أن من مصلحة أطفالنا أن يكون لهم أسرة
ممتدة, خاصة من الأجداد والجدات, لأن ذلك يشعرهم
بالانتماء الذي هو حاجة إنسانية ضرورية.
ومن هنا – وعلى الصعيد العملي - فإن برك بوالدتك شيء
طيب ولكنها ليست كبيرة السن جدا لتخافي عليها من
الوحدة, وبما أنها تفضل بقاءها في بيتها, فهذا يعني أن
ذلك أضمن لاستقلاليتها, وكذلك هو أضمن لبقاء الود
بينها وبين زوجك, أو حتى بينك, خاصة أنه كما تقولين
ليس لها بعد الله غيرك, فيبدو أنها نذرت نفسها لتربيتك
ولم تتزوج بعد والدك, فما المانع أن تبحثوا لها عن رجل
أكبر منها في السن يؤنس وحدتها وتؤنس وحدته؟ وهذا أمر
حض عليه الشرع أن يزوج الرجل أمه خاصة إذا كان لها
رغبة في ذلك, وعمرها 55 سنة فما زال لديها الكثير من
الوقت لتستمتع بحياتها والله أعلم بالآجال, ووجود رجل
في حياة المرأة الوحيدة, حتى لو كانت كبيرة, يضفي على
حياتها كثير من المعاني الجميلة كالحب والاهتمام
والحنان التي لا تستطيعين أن تقدميها لها, لأنها
ببساطة لا يقدمها إلا الزوج لزوجته, وأنت أدرى الناس
بما أقول, لأنك امرأة متزوجة, أليس كذلك؟
وسأطرح هنا اقتراحا قد يكون مناسبا وقد يكون غير
مناسب, لا أدري, وهو أنه إذا كان والد زوجك وحيد ليس
له امرأة فابحثي أنت وزوجك موضوع جمع رأسيهما بالحلال,
وهكذا يكون السمن مع الدقيق, وتأكلون جميعا كعكة دسمة
طيبة.
خذي الأمور ببساطة عزيزتي, وعوّدي ولديك على احترام
الكبير في السن وتوقيره, وصلة الرحم, وأول من توجب
صلته هما الأبوان اللذان وردت الأمر بالإحسان إليهما
وصحبتهما في القرآن والسنة مصحوباً بالأمر بتوحيد الله
وعبادته مرات عديدة, وتذكري قول الله تعالى:(وإما
يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف
ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما).
لذلك نصيحتي الأخيرة أن تعتبري والد زوجك بمثابة
والدك, وعامليه كما كنت تحبين أن تعاملي والدك لو كان
موجودا, والله يوفقك.
إسلام
أنلاين 30/4/2008 |