|
أهلا وسهلا بك أختي الكريمة وشكرا لك لعرضك مشكلتك علينا لأنها تساعدنا على إلقاء
الضوء على أسبابها وتشير إلى الخلل في طريقة معالجتها أسريا واجتماعيا.
مع احترامي لمشاعرك وتفهمي لردود فعلك فإني أطلب منك
أن تتمسكي بالعقل لدى قراءتك جوابي كي تستطيعي تقبل ما
أطرحه عليك, ومن ثم تتمكني من حل مشكلتك مع زوجك,
ولذلك سأبدأ بتحليل مشكلتك بالتفصيل التي تكمن جذورها
في عدة أمور:
أولا: نظرتك إلى الزواج على أنه مكان لسعادة لا يعكر
صفوها معكر, وأن الرجال يجب أن تتطابق أقوالهم مع
أفعالهم, فهذه النظرة مثالية لأبعد الحدود, لا تتفق مع
حقيقة الحياة الزوجية التي لا تخلو من مشكلات, ولا
تتسق مع المثل الذي يقول:(الكذب ملح الرجال) خاصة
عندما يكون الأساس التربوي مبنياً على الخوف من الناس
بدل الخشية من الله, على سبيل المثال: إلحاحك على زوجك
أن يترك المنكر فأدى ذلك إلى قسمه بالله ثم الحنث به.
ثانيا: نظرتك إلى الرجل على أن لديه إخلاصا كالمرأة,
ولهذا ذكرت أنك لم تكوني تنظري لرجل في الشارع إخلاصا
لزوجك, فأرجو أن تعلمي أن فطرة الرجل غير فطرة المرأة
فالمرأة أكثر إخلاصا من الرجل, ولذا كان الرجل أكثر
تعرضا لفتنة الإغراء, ولا أريد أن أدخل معك في مجاهل
علم النفس وسيكولوجية كل من الذكر والأنثى, لكن يكفي
أن أذكرك بالآية الكريمة في سورة النور التي تطلب من
الرجال أن يغضوا من أبصارهم بينما تطلب الآية التي
تتلوها من النساء أن يغضضن من أبصارهن وألا يظهرهن
زينتهن إلا لمحارمهن, بينما لا يوجد أمر إلهي مشابه
للرجل بإخفاء الزينة, وهذا يتماشى مع فطرة كل منهما.
ثالثا: أنت ترين أن زوجك مخطئ ومرتكب للكبائر, لكن ما
رأيك بالفعل الذي قمت أنت به لدى أخذك الذاكرة من
سيارته ومشاهدة ما فيها, أليس هذا من التجسس المنهي
عنه في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام؟
رابعا: مشاهدة الصور الإباحية بأي وسيلة كانت لا يعني
أن الرجل سيرغب بممارسة الزنا وفعل الحرام, فالسلوك
الأول قد يكون دافعاً للثاني, ولكنهما ليس بالضرورة
مترافقين, فالله سبحانه قال: (ولا تقربوا الزنا)
ومشاهدة هذه الصور اقتراب من الوقوع في الزنا, ولكنه
ليس زنا حقيقي, بل يمكن أن نصفه بما وصفه الرسول
الكريم من أنه زنا العين, ونهاية الحديث كما تذكرين:
(والفرج يصدق ذلك أو يكذبه), لذلك يمكننا أن نقطع بأن
رؤية المنكرات تؤدي للزنا لكنها لدى رجل متزوج قد تكون
بدافع الفضول وحب التنويع, وأرجو ألا تفهمي من كلامي
أني أبرر هذه المنكرات, بل أنا أحاول أن أضع يدك على
صفات في غالبية الرجال لا تعرفينها لصغر سنك, والشيء
الوحيد الذي يمنع الرجل من فعل المنكر هو الحب الشديد
للزوجة أو الالتزام الحقيقي بأوامر الله سبحانه, فأما
الحب فقد يكون موجودا لدى زوجك لكن ليس بتلك الدرجة
التي تدفعه إلى الإخلاص, وأما الالتزام بأمر الله فمن
الواضح أنه ليس موجودا في زوجك, خاصة لدى ممارسته تلك
الكبيرة, فكما قال عليه الصلاة والسلام:(لا يزني الرجل
وهو مؤمن) لأنه وقت ممارسته للمعصية يتخلى عن إيمانه
وإلا لكان هذا الإيمان حاجزا له عن الوقوع في الإثم.
خامسا: يخطر لي سبب آخر لعودته إلى رؤية تلك الصور
المنكرة, ألا وهو غيابك عنه بعد الولادة, وهي عادة
سيئة منتشرة في بلدك, إذ تقضي المرأة فترة النفاس كلها
عند أهلها, بينما يُترك الزوج للوحدة, مما يسهل على
الشيطان اصطياده بمعية أصدقاء السوء, ولا أرى سببا
مقنعا لهذه العادة, لأنه من الأفضل أن يمارس الرجل
أبوته للطفل منذ أول يوم لولادته وكذلك أن يمنح زوجته
الحنان التي تحتاجه في فترة النفاس, ولكن للأسف فإن
الانفصال بين حياة الجنسين منذ الطفولة تجعل الرجل
عاجزاً عن تقدير حاجات زوجته في تلك الفترة كما يسهّل
عليه تخلّيه عن مسؤولياته تجاهها عندما يرى أهلها
مستعدون لاستقبالها أربعين يوماً, فماذا سيفعل خلالها
وأين يذهب برغباته الجنسية التي تكاد تكون هي السبب
الأول لزواجه؟ هنا لا بد من ملاحظة أن الجنس ليس
محرماً إذا كان باستطاعة الزوجة النفساء إرضاء زوجها
حتى لو لم يحصل الجماع الكامل, وكثير من زوجات الرسول
عليه الصلاة والسلام روين أنه كان يباشرهن في الحيض,
والمباشرة لا تعني الإيلاج, بل المعاشرة من فوق ثوب
يلقى على الفرج, فهذه المعاشرة - إن كان جسد المرأة
مؤهلا لها - تزيد من محبتها لدى زوجها خاصة إذا كان
شابا تتأجج نار الغريزة في جسده.
سادسا: تتساءلين لماذا وقع في الحرام رغم أنه كان
عاقدا عليك وفي الوقت الذي كانت كلمات الحب ونوازع
العاطفة تسري بينكما؟ فيا سيدتي الكريمة يجب أن تعلمي
أن العرف الذي يمنع الشاب من مقاربة زوجته وهي في بيت
أهلها عرف سائد, لكن ما الحل إذا كانت كلمات الحب التي
تقع في أذن الشاب أو منظر زوجته – المحرمة عليه عرفا
لا شرعا – تجعل غريزته الجنسية تشتعل دون أن يسمح له
أحد بإطفائها بالحلال؟ بالطبع ليس كل الرجال سواء,
ولكنه الغالب الأعم لدى شباب العرب وخاصة في بلدك,
فالرجل المتحضر وحده هو الذي لا يستطيع أن يقترب من
امرأة سوى المرأة التي يحبها, ولكن أين هو هذا الرجل
المتحضر يا سيدتي وأين هذا الحب الذي نقرأ عنه ولا
نراه؟!
سابعا: وقعت الطامة الكبرى عندما صارحك بذلك, ولقد
كتبنا كثيرا وكثيرا وكثيرا أن من ستر الله عليه فلا
يفضح نفسه أمام شريك حياته فما فات قد فات, والله
سبحانه يغفر الذنوب ويعفو عن السيئات, أما الإنسان
فشكاك ظلوم مبرئ لنفسه متهم لغيره, ولا أدري لماذا لا
يتفق الزوجان أن يغلقا أبوابا دون ماضيهما؟ ولماذا بدل
أن يضعا قواعد في حياتهما مبنية على الصراحة المفيدة
والمكاشفة الضرورية إذا بهما يكشفان ستر ربهما,
فيقيمان حواجز بينهما بدل أن يهدما كل ما يباعدهما؟
ثامنا: أقسم لك أنه تاب إلى الله من فعلته, ولكنك لم
تستطيعي نسيان ذلك, بل زادت وساوسك سوءا بعد أن علمت
أنه ذهب إلى تلك البلدة مرة أخرى مع أصدقائه, وأنا إذ
أتفهم كل ردات فعلك, فإني يجب أن أتفهم وأجعلك تتفهمين
بدورك كل أخطاء زوجك دون أن يعني هذا التفهم قبول
تكرارها مرة أخرى, فما حدث قد يكون مبرره فترة ولادتك
وبعدك عنه جسديا وعاطفيا, وقد يكون بحكم ضعف شخصيته
أمام أصدقائه, ولا ننس أن بعضهم يتباهى بعدم إخلاصه
لزوجته ويتفاخر بعلاقاته المشبوهة وخاصة بمعاصيه في
الأماكن الموبوءة.
تاسعا: ردة فعلك العنيفة الغاضبة التي تحمّلها زوجك
بصبر متناه, وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أنه رغم
معاصيه رجل يحترم حقك في التعبير عن غضبك, فأنت تعلمين
ماذا يفعل بعض الرجال – الفارغين من الرجولة -
بزوجاتهم في بلدك؟ وكيف يهجرونهن؟ وكيف يتخلى بعضهم عن
مسؤولياته من أجل لذاته؟
عاشرا: وساوسك تزيد الطين بلة حيث يخيل لك أنه كان
يسخر منك أمام أصدقائه, وربما لم يكن يفعل هذا, وها هو
قد أقسم لك على عدم عودته إلى كل ما يغضب الله ويغضبك,
فلماذا لا تفتحي له الباب مرة أخرى ليدخل إلى قلبك
ويساعدك على جبر كسرك؟
بعد كل هذه التحليلات عزيزتي صدقيني أني أفهم تماما
الحالة التي تمرين بها كامرأة مؤمنة متدينة, وقد
أحزنني تعبيرك عن (كسر نفسك) فافهمي يا حبيبتي أن من
واجبك أن تساهمي بإنقاذ أسرتك, واعلمي أن القوامة
جعلها الله حقا للرجل ولكن إساءة كثير من الرجال فهمها
أو عدم قدرتهم على الوفاء بمسؤولياتها يضع على عاتق
المرأة أعباء متزايدة, ويبدو لي أن الرجل لم يعد دائما
ذلك القبطان الذي يحق له توجيه السفينة, بل إن كلا من
الرجل والمرأة يمسك مجدافا, وكي يسير القارب الصغير
يجب أن يكون التجديف بنفس الاتجاه, وإذا تخلى طرف عن
مسؤولياته فإن على الطرف الآخر أن يمسك المجداف الآخر
باليد الأخرى ويبدأ ببذل الجهد كي لا يغرق القارب, لكن
قد يكون من المتاح في حالتك أن تعيدي المجداف ليد
زوجك, فحالته ليست متأزمة بذلك الشكل الذي لا أمل معه,
بل إن الأمل في تغييره ما زال كبيرا, خاصة إذا استطعت
أن تتفهمي تلك الظروف التي ساعدته على ارتكاب معاصيه.
إذاً ابدئي جلسة استرخاء مع نفسك ويمكنك أن تعودي إلى
مشكلة:
توتر المبدعين.. تعلموا فنون الاسترخاء,
وضمنّيها جلسات وجلسات مع ربك سبحانه تتضرعي إليه أن
يكون عونا لك لتعيدي حياتك الزوجية على خط مستقيم يحبه
سبحانه ويرضاه, وأما جلستك المشتركة مع زوجك فهي جلسة
من الصراحة تشرحي له أنك تفهّمت كل ما صدر عنه, وأنك
سوف تسامحيه لأن الحياة الزوجية تتطلب تسامحاً من
الطرفين كي تسير سفينة الحياة الزوجية بهدوء وبأقل
الصراعات الممكنة.
لا تنسي أن تحثّي زوجك على مصاحبة الأخيار وترك أصدقاء
السوء, والإكثار من الطاعات وتقديم الصدقات لله سبحانه
كي يغفر ذنبه ولعل عمرة مشتركة بينكما تعاهدان الله
فيها على الابتعاد عن المعاصي تكون بداية مشرقة لحياة
زوجية يسودها الصفاء وتعمرها السكينة والمودة والرحمة.
إسلام
أنلاين 19/11/2007 |